مناضلون يساريون خالد محيي الدين (1) " تعلمت من دراويش تكية النقشبندية أن التدين هو خدمة البشر ، وأن الدين يعني السماحة وأن التعبد الحقيقي هو أن تهب نفسك للتفاني في خدمة الناس" خالد محيي الدين في كتابه الآن أتكلم كتب إميل لودفيج كتباً عظيمة .. عن رجال عظماء كنابليون وعن أشياء عظيمة ، فكتابه عن نهر النيل يبقي علي مر الزمن ملهماً لكل من عرف النهر وأحبه ، وتبقي صورته أجمل وأكثر دقة حتي من صور الأقمار الصناعية . لكن لودفيج حذرنا "لا تصف الجبل" هو من بعيد مهيب ، فإن اقتحمت شعابه أو حاولت ، اكتشف أن كل مساحة من مساحاته مهما صغرت أكثر مهابة .. من أن توصف . فهل نصف الجبل ؟. أو نحاول ؟ في بيت إسلامي الطراز ، وإسلامي الرحيق ، ساحة واسعة تتدفق مياه نافورتها الرخامية محاطة بورود وأشجار وتمر حنة .. في ظلال قبر الجد الأكبر لوالدته الشيخ الخليفة "محمد عاشق" .. القبر والمسجد والدراويش .. الأذان يرفع في مواقيته والصلاة أيضاً .. إنها تكية الطريقة النقشبندية . الطفل يقفز من حجر جده "الشيخ عثمان خالد" شيخ الطريقة وناظر الوقف الي رحاب المسجد .. إلي الحديقة إلي غرف الدراويش .. ومن هؤلاء الدراويش تعلم .. تعلم أن التدين هو خدمة البشر وأن الدين يعني السماحة ، وأن التعبد الحقيقي هو أن تهب نفسك للتفاني في حب الناس . ذهني أفندي ، أيوب أفندي ، عثمان أفندي أسماء لدراويش لا تنسي أبداً في ذاكرته أحدهم يعلم سكان الحي ، آخر يخيط الثياب ، وثالث يصلح الساعات لكل وافد .. وكل ذلك مجاناً . ألم نقل إنهم يتعبدون عبر خدمة البشر .. ومنهم تعلم الفتي ، وعلي نهجهم سار ، ويظل حتي الآن . باب التكية مفتوح أمام كل عابر ، ولا يغلق إلا مساءً . فالدراويش لا يغلقون بابهم أمام الناس ، وهو حتي الآن .. لا يغلق بابه أمام الناس . ونقرأ مع الفتي عندما كتب بعد زمان طويل "كان الآذان هادئاً وديعاً ، وكأنه دعوة حانية إلي لقاء حميم .. هذه العلاقة الحانية مع الدين ظلت تتملكني حتي الآن ، ولم يزل طيف عثمان أفندي يمنحني الكثير من السكينة عندما أتذكره ، وهو يعطي للناس كل وقته كي يعلمهم القراءة والكتابة ، ويبدو طوال وقته معهم سعيداً وممتناً لأنهم يقدمون له صنيعاً ، إذ يتيحون له فرصة كي يتقرب أكثر إلي صحيح الدين" . .. هل عرفتموه ؟ أنه هذا الذي يواصل خدمة الوطن والشعب ، يواصل خدمتهم ممتناً لأنهم يتيحون له الفرصة كي يصبح الي الله أقرب ، والي الوطن والشعب أقرب . هو والأم يعيشان عصر التكية ، بينما الأب يعيش في الوقت نفسه في كفر شكر حيث أرض الأسرة ، وبيت الأسرة (الجد محيي الدين تاجر في القطن وامتلك مئات الأفدنة .. وهو الذي أدخل إلي منطقة كفر شكر زراعة البرتقال والعنب ، والمانجو ، ومن هنا أرتبط أسم "محيي الدين" باسم كفر شكر ) . وتأتي الإجازة الصيفية ليسرع الفتي إلي كفر شكر حيث الانطلاق والكرة الشراب والاندماج مع أبناء الفلاحين .. وبين كفر شكر والتكية تمضي الحياة لتنسج معها .. فتي من نسيج خاص . .. من المدرسة الابتدائية ، إلي الإبراهيمية الثانوية ثم مدرسة فؤاد الأول (في الفترة نفسها كان معه في المدرسة نفسها أنور السادات وزكريا محيي الدين) . وفي هذه المدرسة الصاخبة بالعمل السياسي يندمج الفتي مع مناخها المحموم .. مظاهرات حوارات يدور أكثرها حول الاحتلال .. الدستور .. القصر .. ثم يأتي عام 1936 ليدور الحديث عن المعاهدة . ويتعلق إعجابه هذه الأيام بمصر الفتاة وأحمد حسين . وفي عام 1938 يصبح طالباً في الكلية الحربية .. "كان أبي يؤمل أن يرسلني إلي أمريكا لأدرس الزراعة الحديثة حتي أحصل علي الدكتوراه ، لكنني كنت أندفع باتجاه آخر ، كانت الروح الوطنية تلهب مشاعرنا نحن الشباب في هذه الفترة ، وكنا نشعر أن مصر بحاجة إلي جيش حقيقي قادر علي حمايتها ، جيش وطني يعمل من أجل الوطن .. وهكذا تعلقت بفكرة الانضمام الي الكلية الحربية " . عمره الآن ستة عشر عاماً وثلاثة أشهر .. الفتي يصطف مفتوح الصدر في أول طابور عسكري في الكلية الحربية . هناك يخط التاريخ بدايات صفحة جديدة فقد تراكمت في هذه الأيام بالذات ، وفي هذا المكان بالذات ذات الأسماء التي غيرت تاريخ مصر ، معه في دفعته : مجدي حسنين - لطفي واكد - صلاح هدايت - ثروت عكاشة - حسن إبراهيم (كان امباشي) - صلاح سالم (امباشي) - كمال الدين حسين (شاويش) - عبد اللطيف بغدادي ثم زكريا محيي الدين ، يوسف صديق ، أحمد عبد العزيز مدرسين . تقاليد الدراويش النقشبندية تستضيف الي جوارها وفي رحابه صدر من روح وطنية دافقة ، وحوارات هامسة عن الوطن . الانجليز . الحرب . القصر .. الحرية . .. "وذات يوم همس مجدي حسنين في أذني : "شايف اليافطة دي" كانت لافتة من الورق مثبتة علي باب غرفة المستشار العسكري الانجليزي بالكلية ، تهامساً . تركز عداؤهما للافتة مكتوبة بالانجليزية . كتبا بديلاً لها باللغة العربية .. وفي المساء صححا الوضع . وكانت هذه خطوته الأولي في التمرد الفعلي .. إدارة الكلية ابتلعت اللطمة .. ولم تتحرك . يتخرج الفتي وهو في وهو في الثامنة عشر . ويصبح "الملازم ثان بالآلاي الأول دبابات" . ضباط الفرسان يزهون دوماً بلباسهم المميز . وباسم " الفرسان " وهو في الحقيقة سلاح المدرعات لكنه ما إن يتخرج حتي يكتشف أن الانجليز قد أخذوا (بسبب خسائرهم في الحرب) دبابات ثلاث آليات - ولم يبق لمصر سوي آلاي واحد من الدبابات .. ويقول "لأول مرة أشعر من موقعي كضابط في جيش مصر ، أنني أكره الاحتلال، وأنني ضد الاحتلال .. وزاد من عمق هذه المشاعر أنني اصطدمت بوجود ضباط انجليز في الجيش المصري كانوا مترفعين ويحصلون علي مرتبات عالية جداً بالنسبة لنا ، بما أشعرنا أننا في وطننا وفي جيشنا ضباط من الدرجة الثانية . ويكون حادث 4 فبراير ، ويحتشد مع زملائه الضباط في اجتماع صاخب في ناديهم ليحتجوا علي وقاحة الانجليز . ثم يقبض علي الضابط حسن عزت ، ويودع في ميس الفرسان ، ويستمع "خالد" في انبهار إلي إصرار صاخب للدفاع عن الوطن وحريته .. ولأول مرة يشعر أن واجبه كضابط مصري يحتم عليه أن يفعل شيئاً .. (بعد الثورة غضب منه عبد الناصر لأنه كتب مقدمة لكتاب لحسن عزت قال فيها عنه "إنه أستاذي في الوطنية" عبد الناصر قال إن هذا لا يليق فحسن عزت ليس معنا ، خالد قال إن هذا هو الحق .. والحقيقة يجب أن تقال ) . "أن يفعل شيئاً" تلك هي المشكلة التي كانت تسيطر علي مئات من الضباط مثله ، لكن البعض سأل نفسه ، ثم نسي السؤال ، ونسي نفسه في دوامة الحياة ، والبعض الآخر ومنهم " خالد " بقي دوماً معلقاً آماله بأن "يفعل شيئاً لمصر وشعبها" وفي هذه الأثناء أصبح صديقاً لضابط مثقف شغوف بالقراءة.. ماركسي الاتجاه هو ضابط الفرسان عثمان فوزي . وحول عثمان فوزي التفت مجموعة من الضباط عودهم علي القراءة المنظمة "القراءة التي تتطلع بحثاً عن إجابات محددة" . وفي عام 1944 وفيما يفكر في كيف ؟ ومتي ؟ ولماذا ؟ يتحتم عليه أن يفعل شيئاً ، اصطحبه الضابط عبد المنعم عبد الرؤوف ليعرفه بجمال عبد الناصر . ثم أخذه عبد المنعم عبد الرؤوف ليقابل ضابطاً آخر هو محمود لبيب (الإخوان) . وكان أول لقاء بينهما في جزيرة الشاي في حديقة الحيوان . وفي بيت الضابط مجدي حسنين والضابط أحمد مظهر ( الفنان) بدأت اجتماعات مجموعة من الضباط الشبان ذوي علاقة ما بجماعة الإخوان . أسئلته التي تؤرقه عن مصير الوطن ، وحالة الشعب ظلت بلا إجابة ، قابلوه مع حسن البنا لعله يمنحه هدوءاً ، لكن المرشد العام لم ينجح في إسكات صوت الوطنية الصاخب ، والغلاف الديني المتشدد ، لا يستطيع أن يخترق ما منحه دراويش التكية من حصانة وديعة تؤمن بإيمان هادئ وديع . وبرغم أنه بايع هو وجمال عبد الناصر مرشد الجماعة .. بايعه عضو الجهاز السري علي المصحف والمسدس .. وفي "المنشط والمكره" فقد تباعدا ، رويداً رويداً ، لم يجدا في فكر الجماعة ما يقنع ، ولا في طريقها ما يغري أي ضابط يريد الحرية لوطنه وشعبه .. بأن يبقي علي بيعته . ونسرع سريعاً نتجاوز عديداً من المسالك الزاهية الألوان .. لأن التوقف أمامها يحتاج إلي مجلدات .. ألم يحذرنا أميل لودفيج من قبل . التقي به صديق قديم "أحمد فؤاد" ، هو وعلي شلقاني عرضا عليه الانضمام إلي منظمة شيوعية (ايسكرا) .. وافق . كان لم يزل يبحث عن طريق . لم يستمر طويلاً ، مسئولة في مجموعة كان قادراً علي "تطفيش" الجدد كان متحمساً متشدداً صاخباً ، نجح بتشدده في تطفيش الكثيرين ، وبعدها نسي المسئول كل شيء و .. "طفش" . ويقول خالد "تلقيت واحدة من أهم دروس حياتي .. وهو أن التطرف الشديد والحماس المبالغ فيه والتشنج، ليست دليلاً علي قدرة المناضل اليساري علي الاستمرار في المعركة بل لعلها إيحاء بالعكس" . ونواصل رحلتنا مع فارسنا المهيب الجميل .