مدير أمن سوهاج يتفقد محيط الكنائس خلال احتفالات عيد الميلاد المجيد    محافظ الأقصر يزور الكنائس ويهنئ الإخوة المسيحيين بعيد الميلاد    الزراعة تكشف أسباب ارتفاع أسعار الدواجن وموعد الانخفاض    إجازة عيد الميلاد المجيد 2026 مدفوع الأجر للقطاعين العام والخاص    توقعات بتراجع مبيعات السيارات الكهربائية عالميا في 2026 لهذه الأسباب    «الهزار» ممنوع على الطائرات وعقوبات مشددة للمخالفين فوق السحاب    مفوض حقوق الإنسان بالأمم المتحدة يستنكر قيود إسرائيل على وصول المساعدات إلى غزة    توقيع إعلان نوايا بين فرنسا وبريطانيا وأوكرانيا لنشر قوات متعددة الجنسيات بكييف    انطلاق مباراة كوت ديفوار وبوركينا فاسو في كأس أمم أفريقيا 2025    موعد مباراة برشلونة وأتلتيك بلباو في نصف نهائي السوبر الإسباني    لزيادة المشاهدات وتحقيق أرباح مالية.. الداخلية تكشف تفاصيل القبض على إسلام كابونجا    ياسمينا العبد تحاول اثبات التهم على چلا هشام في مسلسل ميد ترم    تعادل بين الجزائر ضد الكونغو الديمقراطية والمباراة تذهب لأشواط إضافية    سكاي: تحديد موعد الكشف الطبي ل سيمينيو مع مانشستر سيتي    الخطوط اليمنية تطلق رحلات جوية مباشرة من سقطرى إلى جدة لإجلاء السياح العالقين    تحصين الكلاب ب«عين شمس»    مطار العريش يستقبل طائرة المساعدات السعودية ال 78 لإغاثة قطاع غزة    خالد الجندي: 4 أقسام للناس في «إياك نعبد وإياك نستعين»    دينا أبو الخير: كل متعلقات الأم بعد وفاتها تركة تُقسم شرعًا    هل يجوز الحلف بالطلاق؟.. أمين الفتوى يجيب    هيئة الدواء: تراجع الشكاوى من 4500 إلى 3338 مقارنة بالعام الماضي وتطور آليات المتابعة    الداخلية تضبط صانع محتوى لنشره مقاطع خادشة للحياء    3 أهداف أفسدت خطة بنين للمباراة    شركتان عالميتان تقتربان من دخول سوق الأدوات المنزلية في مصر خلال 2026    نوال تلفت الأنظار بالقفطان المغربي في أغنيتها الجديدة «مسكرة»| فيديو    المخرج رامي إمام ضيف برنامج فضفضت أوي الليلة    محافظ القليوبية يعقد لقاءً جماهيريًا بالقناطر الخيرية لحل مشكلات المواطنين    شركة "بي بي" تؤكد التزامها بتعزيز استثماراتها في مصر وتسريع خطط الحفر والإنتاج    إصابة 3 أشخاص في انقلاب سيارة ملاكي أعلى محور حسب الله الكفراوي    موجة البرد القارس فى كاريكاتير اليوم السابع    طريقة عمل الأرز المعمّر، الحلو والحادق طبق مصري بنكهة البيت    طلاب التربية العسكرية بجامعة كفر الشيخ يواصلون مشاركتهم بحملة التبرع بالدم بالمستشفى الجامعي    موجة صقيع تجتاح أوروبا.. 5 وفيات وإلغاء مئات الرحلات الجوية    ضبط مدير ناد صحى بدون ترخيص بتهمة ممارسة أعمال منافية للآداب بالجيزة    وفاة المخرج المجري بيلا تار عن عمر 70 عامًا    محمد أنور وكارولين عزمي ورحمة أحمد على قنوات "المتحدة" في رمضان    زيادة الجوائز المالية للسوبر الإسباني    علي ماهر يعلن تشكيل سيراميكا لمواجهة إنبي بكأس عاصمة مصر    وفد من «مستقبل وطن» يهنئ كنيسة العذراء بالتل الكبير بعيد الميلاد المجيد    برلمانية: ملفات الصناعة والتجارة على رأس الأولويات لتحقيق التنمية    تحت رعاية مصطفى مدبولي.. «أخبار اليوم» تنظم معرض الجامعات المصرية في السعودية    وزارة التعليم تعلن جداول امتحانات الطلبة المصريين فى الخارج للتيرم الأول    البورصة تربح 51 مليار جنيه في أول ارتفاع خلال 2026    زكي عبد الحميد: قمة Creator Universe تخدم المستقبل الرقمي للإعلام العربي    عرفانًا بتضحياتهم، تنبيه مهم من القوات المسلحة لأسر الشهداء والمصابين فى الحروب السابقة    المشدد 3 سنوات وغرامة 50 ألف جنيه لتاجر حشيش بشرم الشيخ    حكاية أزمة أحمد مكى مع مديرة أعماله من كشف الحساب لقسم شرطة العجوزة.. إنفوجراف    هل تتجنب إسرائيل التصعيد مع إيران؟ رسالة نتنياهو عبر بوتين تكشف التفاصيل    محافظ القاهرة يشهد احتفال الأرمن الأرثوذكس بعيد الميلاد    الدنمارك: سيطرة أمريكا على جرينلاند ستؤدي لانهيار الناتو    4 أطعمة تحتوي على أحماض أوميجا 3 الدهنية    مواقيت الصلاه اليوم الثلاثاء 6يناير 2026 فى محافظة المنيا    المهمة الخاصة ورحلة الحياة ..بقلم/ حمزة الشوابكة.    تفشي فيروس شديدة العدوى في مزرعة شمال إسرائيل| تفاصيل    أحمد شوبير: أفشة يمتلك 3 عروض ويرغب فى الرحيل عن الأهلى    عمرو زكي ينتقد أداء الفراعنة: بنين كان الأفضل تكتيكيًا أمام مصر    رئيس الطائفة الإنجيلية يكتب: "ملءالزمان" سلطان الله على التاريخ    الرئيس اللبناني: الجيش نفذ إجراءات الحكومة لبسط سلطتها على جنوب الليطاني    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



عسكرة الثورة تصب في مصلحة الناتو والإخوان المسلمين
نشر في الأهالي يوم 18 - 01 - 2012

بإسقاط سوريا تريد أمريكا إحياء مشروع الشرق الأوسط الكبير
تتشكل الآن جبهة عريضة تكاد تشمل الشعب السوري كله، تطالب بالخلاص من النظام القائم .البعض يريد هذا الخلاص علي شكل إسقاطه، والبعض الآخر يري ذلك علي شكل تغييره عبر تغييرات وإصلاحات جذرية ونوعية، تحسبا من الفوضي التي تعقب الإسقاط وما تحمله من احتمالات مجهولة. لكن مع كل
يوم يمرّ، منذ بداية الحراك الشعبي في سورية، في آذار الماضي، تزداد ملامح معسكرين متباينين في هذه الجبهة العريضة ؛ معسكر يشمل السواد الأعظم من الشعب السوري، الذي لم يعد يطيق ممارسات النظام القمعية، وهبّ لوضع حدّ لها، بنضال وأساليب غير عنيفة ؛ والمعسكر الآخر، ويضمّ عناصر وتنظيمات مشبوهة، لها امتدادات مع قوي إقليمية ودولية، تستهدف إسقاط النظام السوري لاعتبارات ليس لها صلة، بالمطلق، بما يشكو منه الشعب السوري من ارهاب وقمع، وتحاول تسخير الحراك الشعبي المشروع لصالح أجندتها المشبوهة . وهي إذ تفشل في جرّ الشعب السوري وراءها، كما أثبت فشل المؤتمرات المتعددة التي عقدها ممثلوها ، ومعظمها في تركيا - وكان طيف الإخوان المسلمين طاغيا عليها - في الاتفاق علي توحيد المعارضة للنظام السوري القائم وتبنّي أي برنامج لها، فإنها تلجأ الي العنف المسلّح وتصعيده وتمويهه بشبح بعض الجنود المتمردين، محاولة جهدها توريط مجمل الحراك الشعبي السلمي وجرّه وراءها الي هذا المنعطف المدمّر، مستهدفة الوصول الي أحد احتمالين، يؤمن أي منهما لها أن تكون البديل للنظام القائم ؛ إما النجاح في إسقاط النظام عن هذا الطريق العنيف، مع تجيير الحراك الشعبي لرصيدها، او خلق المناخ المواتي لتدخل الناتو، علي غرار السيناريو الليبي، لتصل الي الحكم في سورية علي أسنة حراب الناتو.
وبمقدار ما تميز قوي الشعب السوري العريضة، التي تواصل معركتها العادلة في سبيل بديل وطني - ديموقراطي، عن هذا التيار المشبوه، بمقدار ما تحرج النظام وتفرض عليه التعاطي معها بغير لغة العنف والرصاص من جهة ، ومن الجهة الأخري مباشرة تطبيق الإصلاحات والتغييرات التي ما تزال حبرا علي ورق، والتي ينبغي لها أن تؤدي، آخر المطاف، تحت الضغط الجماهيري المتواصل والمتصاعد، والذي من المفروض أن يقوي ويتعزز مع كل عملية إصلاح، ومع كل خطوة تراجع من النظام، الي تشكل وولادة نظام مختلف كليا عن نظام القمع القائم ؛ ومن جانب ثالث، فإن مثل هذا الفرز سيسحب الغطاء عن القوي المتآمرة، لتنكشف علي حقيقتها وتزداد عزلتها، ويرغم النظام علي تحويل وحصر ناره نحو الضالعين مع قوي أجنبية ضد الوطن السوري .
درس العراق وليبيا
ويري دعاة الإسقاط الفوري للنظام السوري أن مجرد الحديث عن البديل الأفضل ، إنما هو شكل مموّه وملتو للتعاطف والتأييد للنظام القائم ؛ حتي إن البعض يذهب الي إنكار وجود أي مؤامرة، أو تدخل مكثف لقوي إقليمية ودولية . والمحزن أن يتجاهل هؤلاء المأساة العراقية الماثلة أمام أعينهم ؛ ناهيك عن الحالة الليبية، حيث تقاسمت دول الناتو الرئيسية كعكة النفط الليبية، حتي قبل أن تتشكل حكومة بديلة في ليبيا. واذا كان الشعب العراقي كله كان يطالب، وبحق، بإسقاط نظام صدام الدموي، فإن أقساما منه، بمن فيهم قوي تقدمية، ذهبت - كما هو معلوم - إلي حد الترحيب بالغزو الأمريكي، الذي جاء تحت غطاء العمل لإسقاط النظام الدكتاتوري؛ وكان هذا الموقف لهذه القوي العراقية تعبيرا عن الإقرار بالعجز في تعبئة الشعب العراقي ليتولي هذه المهمة بنفسه . أما حصيلة هذا الغزو فكانت إقتلاع الملايين من بيوتهم وحتي من أوطانهم، ومئات الألوف من القتلي دون تمييز، وأكثر منهم من المعوّقين والمساجين ، وتدمير وإفقار هذا البلد الغني، وتحويله الي بلد يفتقر مواطنوه الي أبسط مقوّمات الحياة العصرية.
المقتولة الحية
وإذ أصبح من الصعب، إن لم يكن من المستحيل، الحكم علي ما يجري في سورية، بالاعتماد علي إعلام الطرفين المتصارعين، الذي فقد، في هذه الأيام، كل موضوعية ومصداقية، وآخر دليل علي ذلك قضية الفتاة زينب عمرالحصني ، من حمص، التي أشاع هذا الإعلام وحتي لجان حقوق الإنسان الغربية، أن الأمن السوري ليس فقط قتلها، بل وقطّع جسدها، لتظهر بعد ذلك علي التلفزيون السوري معافاة! .. فإن هناك وقائع وتصريحات رسمية لا يمكن دحضها تتعلّق بالوضع السوري الحالي، وتحسم فيما إذا كان هناك تآمر علي سورية أم لا، منها : إعلان كل من أوباما وإردوغان، لدي لقائهما، علي هامش افتتاح دورة الجمعية العمومية، في نيويورك، عن اتفاقهما علي تصعيد الضغط علي سورية ؛ وبينما باشر الجانب التركي خطواته العملية في تنفيذ هذا الإتفاق باحتضان مؤتمر جديد لبعض قوي المعارضة، شكل مجلسا وطنيا سوريا وتبنّي الدعوة للحماية الدولية، لتكرار السيناريو الليبي، فقد واكب ذلك الإعلان إجراء مناورات عسكرية تركية ليس فقط علي الحدود السورية، بل وفي لواء الاسكندرون الذي اقتطعه الأتراك من الأراضي السورية وما يرمز إليه ذلك من تطلعات توسعية، كما صاحب ذلك رفع وتيرة التهديدات السافرة للنظام السوري؛ ثم إعلان أردوغان عن العزم علي تشديد العقوبات علي سورية، عقب الفشل في تمرير قرار ضد سورية في مجلس الأمن . أما الطرف الأمريكي، فضاعف ضغوطه لانتزاع قرار من مجلس الأمن يدين النظام السوري ويفتح الطريق لخطوات تصعيدية ضده ؛ كما صعّد مع حلفائه الأوروبيين، حملات التعبئة والتحريض، وتشديد العقويات علي النظام السوري ؛ في وقت ينشط السفير الأمريكي في التحرك والتحريض العلني في سورية. وهنا يتساءل المرء: ألا يلحظ الذين ينكرون قيادة الولايات المتحدة لمؤامرة ضد سورية، واندفاعها بلا ضوابط في هذا النشاط، تحت غطاء الدفاع عن حقوق الإنسان ! في وقت، تهدد فيه باستعمال الفيتو، في مجلس الأمن الدولي، لمنع حصول فلسطين علي عضوية الأمم المتحدة، رغم وجود الشعب الفلسطيني، علي مدي عقود طويلة يرزح تحت احتلال لم يترك شكلا من أشكال حقوق الإنسان إلاّ انتهكها وينتهكها كل يوم وكل ساعة ؛ أما السعودية - قلعة الرجعية والثورة المضادة في المنطقة - فقد صرح ملكها في 14/9/2011 أن ما يحدث في سورية "لا يمكن أن تقبل به المملكة"!؛ هذا بينما سارع في إرسال جنوده الي البحرين لقمع التحرك الشعبي السلمي هناك، وأطلق مؤخرا علي عبد الله صالح، الذي كان في قبضته، ليعود ويواصل قتل المزيد من اليمنيين الذين يطالبون بالوسائل السلمية بتنحيته ! فما هو الاسم الذي يمكن إطلاقه علي هذه النشاطات؟!
ليس أي بديل
وتكتسب قضية صد أي تدخل أجنبي فيما يجري داخل سورية وتحت أي غطاء كان، من جهة ؛ ومن الجهة الأخري الحرص علي تأمين بديل وطني ديموقراطي، أهمية تتجاوز القطر السوري، في الظرف الحالي، علي وجه الخصوص، حيث تتجمع، في الأفق، مؤشرات متزايدة علي معارك وصراعات كبري قادمة علي المنطقة. لكن يبدو أن دعاة إسقاط النظام السوري الحالي بأي ثمن وبأسرع ما يكون، دون الاهتمام بالبديل الأفضل - وليس أي بديل - تجعل الشجرة تحجب عنهم رؤية الغابة من ورائها. فالولايات المتحدة، التي اهتزت مكانتها وتضعضعت سيطرتها علي المنطقة، تحاول، اليوم، وبكل الوسائل والدسائس، تحويل الحراك الشعبي المنتشر علي مدي المنطقة، إلي نوع من "الفوضي الخلاّقة" - علي حد تعبير كونداليسا رايس - وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة - حيث يسهل علي الأمريكيين الصيد في أجوائها، جنبا الي جنب مع محاولات استجماع قواها وشنّ هجوم معاكس، لترميم وضعها هذا. وبدون إعلانات مسبقة وتسميات،هذه المرة، فهي تعود الي جوهر مشروع "الشرق الأوسط الكبير "، مع احتمالات توسيع مداه شرقا وغربا، ومع بعض التعديلات في توزيع الأدوار؛ فحيث فشلت السعودية ومصر مبارك ' في تشكيل حلف " سني "، من ضمن أهدافه احتواء إيران "الشيعية" التي يتصاعد الآن التحريض والاتهام ضدها، يجري اليوم توكيل تركيا بهذه المهمة . وفي هذا الإطار، جاءت جولة أردوغان علي كل من مصر وليبيا وتونس، وفي هذا الإطار، أيضا، أعلن أوغلو، وزير الخارجية التركي عن توقعاته بقيام شراكة بين بلاده ومصر يمكن أن تخلق " محور قوة جديدا" في الشرق الأوسط، في ظل تراجع التأثير الأمريكي - علي حد قوله. والشراكة مع دولة عربية كمصر لا غني لتركيا عنها، في هذا المجال، لتمويه الأهداف التركية الحالية، وعدم استثارة المشاعر العربية الدفينة علي الظلم العثماني علي مدي قرون ؛ وفي هذا الإطار، أيضا، جري الإعلان عن إقامة قاعدة "لمنظومة الدفاع الصاروخية " الأمريكية في تركيا وفي رومانيا، وسيقام مثيل لها في اليابان وكوريا الجنوبية. وقد أثارت هذه الخطوات ردود فعل مباشرة من إيران ومن روسيا والصين ؛ وراح يجري الحديث عن احتمال تشكل محور مضاد من هذه الدول الثلاث، كما راح الروس يلمّحون الي العودة لتسليم إيران صفقة الصواريخ، الموقعة بين البلدين، تراجعت روسيا عن تسليمها في حينه استجابة لمطالب أمريكية وغربية، لتسهيل الاتفاق علي أمور أخري.
الهند وأمريكا
علي صعيد آخر، راحت المنافسة علي النفوذ في أفغانستان، عشية الانسحاب الأمريكي من هناك، تتصاعد بين باكستان والهند، التي راحت تحظي بالدعم الأمريكي في هذا المجال، وذلك في إطار صفقة ذات بعد استراتيجي كوني، شملت كذلك مساعدات أمريكية للهند في المجال النووي وتزويدها بانواع معينة من الأسلحة والتكنولوجيا العسكرية الأمريكية والإسرائيلية، كانت محظورة عليها ؛ وكل ذلك للحيولة دون انضمامها الي محور ثلاثي، مع كل من روسيا والصين، كان علي وشك القيام، وكان كفيلا بتغيير التوازن الدولي كله. وكمؤشر علي الميل الأمريكي الي الجانب الهندي في هذا التنافس علي النفوذ في أفغانستان، جاءت زيارة كارازاي -الأفغاني- للهند مؤخرا. أما علي الصعيد الباكستاني - الأمريكي، فقد تصاعدت، مؤخرا، حدة الاتهامات المتبادلة والعلنية بين الطرفين، رغم كون باكستان حليف استراتيجي، منذ خمسينات القرن الماضي، للولايات المتحدة . وفي هذه المواجهة الباكستانية - الأمريكية، بدأ المجتمع الباكستاني كله، حكومة ومعارضة، في صف واحد، وهي حالة استثنائية.
الشرق الأوسط الكبير
وفيما يتعلق بمشروع " الشرق الأوسط الكبير"، من المعروف أن الجولة الأولي من محاولات فرضه انتهت بانتكاسته المدوية علي التراب اللبناني علي يد المقاومة اللبنانية الباسلة . حينها، وفي الأيام الأولي للعدوان الإسرائيلي المكثّف، أعلنت كونداليسا رايس، وزيرة الخارجية الأمريكية آنذاك من بيروت، بالعنجهية الأمريكية المشهورة، وبثقة مطلقة بأن الجيش الإسرائيلي الغازي سينجز مهمة تصفية المقاومة اللبنانية بنجاح ، أن القتل والدمار المروّع الذي تحدثه الغارات الإسرائيلية، بالطائرات الأمريكية الصنع، إنما هي آلام المخاض للمولود الجديد : الشرق الأوسط الكبير! . ولكن، كما هو معلوم، فبعد خمسة أسابيع، انسحب الغزاة يجرّون ذيلهم بين أرجلهم . تمّ ذلك بفضل التحالف الثلاثي : حزب الله - سورية - إيران، بغضّ النظر عن الرأي في مكوّنات هذا التحالف وأجندة كل منهم . ومحاولة واشنطن، اليوم، تهريب تآمرها علي سورية - الحلقة الوسيطة في هذا التحالف الثلاثي - في خضمّ الحراك الشعبي في سورية، تستهدف، في المقام الأول، تفكيك هذا التحالف، عشية صراعات قد تشمل المنطقة كلها، بل تتجاوزها شرقا وغربا، ولا تستثني العنف والعمليات العسكرية. ومن المفيد التذكير، في هذا الصدد، بتصريح رامسفيلد، وزير الدفاع الأمريكي،آنذاك، الذي قال فيه، إن اهتمام واشنطن ليس في تغييرالنظام في سوريا ! بل تغيير سلوكه ! أي أن إخراج سورية من هذا التحالف الثلاثي هو الأهم، لواشنطن. والتركيز علي إسقاط النظام الحالي دون الإهتمام بالبديل الأفضل، إنما يورّد الحب الي طاحونة المخططات الأمريكية في المنطقة، بغض النظر عن النوايا. والإخوان المسلمون الذين ترعاهم اليوم تركيا، وتعلن واشنطن صراحة أنها تتحاورمعهم، لن يترددوا لحظة، إن أصبحوا هم البديل للنظام الحالي في سورية، في تفكيك هذا التحالف ، بل في الإصطفاف في جبهة معادية لإيران وحزب الله، ولو تحت غطاء طائفي : سني - شيعي!
ولم يبق أمام النظام السوري إلاّ سبيل التنازلات المتواصلة، حتي يتغير شكلا وموضوعا . لقد أضاع فرصا لا تعوّض . فلو باشر عملية إصلاحات حقيقية لدي بدء الحراك الشعبي، لكان قوي مع كل خطوة في هذا الإتجاه . أما الآن، فكل خطوة في طريق الإصلاحات الحقيقية تضعفه، لكنها، بالمقابل، تفتح امكانيات حقيقية لتشكل بديلا أفضل.
امبريالية تركية
أما تركيا التي تفاقم نشاطها كثيرا، في الآونة الأخيرة، في سبيل أجندة طموحة، أعلن خطوطها العامة وزير الخارجية الحالي، في الثاني من أيار 2009 حين قال:" إن تركيا لديها الآن رؤية سياسية خارجية قوية نحو الشرق الأوسط والبلقان ومنطقة القوقاز "، فليس من الحكمة السياسية تقييم أفعالها وفق معيار واحد . فحيث تتجه للتدخل في الشئون العربية الداخلية أو المشاركة مع نشاطات أمريكية في المنطقة ضد الشعوب العربية، فمن المنطقي والواجب فضح هذا الدور والتصدي له . وبالمقابل، فأي مظهر، ولو تكتيكي، للتمرد التركي علي الإرادة الأمريكية، أو تعارض وتناقض مع السياسة الإسرائيلية في المنطقة، فهو يستوجب الدعم والتأييد ؛ مأخوذ في الحسبان أن التناقض بين تركيا واسرائيل، ليس مجرد تكتيكي وعابر، كما يظن البعض؛ بل استراتيجي وبعيد المدي . إنه أولا، صراع علي موقع القوة الإقليمية الأولي في المنطقة، الذي احتلته اسرائيل، وعلي مدي عقود، بالدعم الأمريكي الكامل، وثانيا، صراع علي جرف الغاز والنفط، شرقي المتوسط ، الذي تم اكتشافه حديثا . وهذا الصراع قد يجرّ الي حلبته قوي أخري مثل قبرص بشقيها واليونان، ولا يستثني أي احتمال . ومعلوم أن واشنطن فشلت، حتي الان، في معالجة هذا التناقض بين حليفيها الإسترايتجيين . واذا كانت واشنطن تعتبر تحالفها مع إسرائيل هو الأكثر ثباتا، لأنه قائم لا علي قناعة ودعم الفئات الحاكمة وحسب، وإنما دعم وقناعة الجمهور الإسرائيلي اليهودي، الذي تعبّأ، علي مدي عقود بأنه دون التحالف مع الولايات المتحدة فهو معرّض لخطر التصفية من المحيط المعادي . ومع ذلك، فواشنطن تراهن اليوم علي أكثر من حصان في المنطقة، ومن يؤمّن مصالحها ويخدم مخططاتها علي نحو أفضل، فله الحظوة.
وإذا انتهت الجولة الأولي في المسعي الأمريكي، لفرض مشروع الشرق الأوسط الكبير بنكسة واضحة له، في ظروف أفضل للقوي التي وقفت وراءه ودعمته؛ فالظروف،اليوم، في المنطقة أفضل بشكل واضح لإفشال أي جولة جديدة لفرضه، هو أو سواه، مأخوذ في الحسبان الحراك الشعبي العربي الذي يشمل الملايين، كان الإرهاب الحكومي يشل إرادتها، وكذلك، تضعضع مواقع واشنطن في المنطقة، وعزلة إسرئيل المتزايدة ؛ ومأخوذ بالحسبان كذلك اتساع دائرة المعركة هذه المرة ومشاركة قوي إقليمية ودولية جديدة ؛ رغم ما يحمله هذا الإتساع من احتمالات المواجهات العنيفة وحتي الحروب .
وبمقدار ما يفرز الحراك الشعبي العربي الجاري أنظمة متحررة من النفوذ الأجنبية وتعكس إرادة شعوبها، بمقدار ما يشكل نظاما عربيا جديدا، يأخذ في ملء فضائه الطبيعي الذي تطاولت عليه وتمددت علي حسابه قوي دولية وإقليمية. وحينها، سيكون علي هذه القوي المعادية أن تتقلّص وتعود الي حجومها الحقيقية، وفي مقدمتها إسرائيل.
عضو المكتب السياسي لحزب الشعب الفلسطيني


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.