حالة من الارتباك والغموض تحيط بمحاولات د. كمال الجنزوري تشكيل الحكومة بعد استقالة د. عصام شرف وحكومته منذ حوالي أسبوعين في أعقاب اعتصام ثوار التحرير احتجاجا علي تلطخ أيادي الحكومة بدماء الشهداء بشارع محمد محمود، من المؤكد أنها المرة الأولي في تاريخ تشكيل الحكومات يتعثر اختيار الوزراء ويستغرق فترة تقترب من أسبوعين، بعد أن بدأ رئيس الوزراء المكلف في استقبال الوزراء المرشحين لتولي حقائب وزارية أواخر الأسبوع الماضي، والإعلان عن حلف اليمين أمام المشير طنطاوي «السبت» الماضي، عاد وأرجأ إعلان الأسماء، بل وذهب الجنزوري ظهر «السبت» الماضي للقاء المجلس العسكري فيما يبدو للتشاور وعرض أسماء المرشحين للحصول علي الموافقة النهائية التي يبدو أنه لم يحصل عليها ليستمر في المشاورات، الأكثر من ذلك الإفصاح عن إعادة النظر في ترشيح بعض الشخصيات التي استقبلها الجنزوري بما يعني استبعادهم من التشكيل الوزاري بعد استطلاع رأي المجلس العسكري، أيضا بعد الإعلان عن بقاء من اثنين إلي أربعة وزراء من الحكومة السابقة والتخلص من غالبية الوزراء المنتمين للعهد البائد، عادت الأنباء لتشير لبقاء ما لا يقل عن 12 وزيرا من الحكومة السابقة، حالة الارتباك والتعثر تؤكد أن الكلمة الأولي والأخيرة في اختيار وزراء الحكومة الجديدة ليست لرئيس الحكومة المكلف، وما قيل عن منح رئيس الوزراء الجديد صلاحيات كاملة خدعة مكتملة الأركان لتهدئة المعتصمين بميدان التحرير ولتخفيف حدة المطالبات بتنحي المجلس العسكري عن الإدارة السياسية للمرحلة الانتقالية بإشاعة أن الحكومة الجديدة لها صلاحيات كاملة علي غير الواقع والحقيقة، إذ كيف يكون لرئيس الوزراء صلاحيات كاملة في ظل فرض قيود عليه حتي عند اختيار وزراء حكومته، حتي ما سبق وأعلنه الجنزوري عن إنشاء وزارة جديدة لرعاية المصابين وأسر شهداء الثورة تراجع عنه واستبدل الوزارة بمجلس أعلي دون معني لسابق إنشاء صندوق لرعاية المصابين برئاسة اللواء محسن الفنجري الذي ارتكب العديد من الأخطاء والتجاوزات التي تسببت في اعتصام المصابين وأسر الشهداء يوم 19 نوفمبر الماضي واندلاع الأحداث الأخيرة. كما أن استقبال رئيس الوزراء المكلف لوزير الإعلام في الحكومة السابقة بما يعني ترشيحه لذات الموقع الذي شغله بتعليمات من المجلس العسكري بعد إلغاء وزارة الإعلام لعدة شهور في أعقاب الثورة، يعني أن الجنزوري رجل المواءمات علي الرغم من تضخم الذات ورغبته الأكيدة في الهيمنة والسيطرة لكنه في النهاية يستجيب للضغوط والتوجيهات والتعليمات من أجل بريق السلطة والبقاء علي رأس الحكومة ولو لشهور معدودة لتعويض ما فات والانتصار لكرامته التي أهدرها النظام السابق بديكتاتورية الرئيس المخلوع. وحقيقة الأمر أن الجنزوري وإن كان كفاءة اقتصادية إلا أنه وبحسب مقربين منه منذ أن كان وزيرا للتخطيط وهو لا يحب ظهور شخصيات بارزة وقوية بجواره لدرجة أن منصب مدير معهد التخطيط الذي كان يشغله ظل شاغرا فترة توليه منصب وزير التخطيط لينفرد بالقرارات والرؤي الاقتصادية دون منغصات أو عراقيل من المستويات الوظيفية الأقل أو المراكز التي علي نفس المستوي، لذلك نجده في التشكيل الوزاري الجديد يستبعد تعيين نواب لرئيس الوزراء، أما مع المستويات الوظيفية الأعلي «الرئيس أو حاليا المجلس العسكري» فإنه يراعي المواءمات والملاءمات ويستجيب أيضا للضغوط، وفي خضم ذلك يحاول أيضا إظهار ذاتية وإرضاء كبريائه، وهو ما أغضب الرئيس المخلوع ليستبعده عام 1999. لقد اختفي الجنزوري من الحياة العامة بعد استبعاده عندما «لمح» رغبة النظام البائد في عدم ظهوره وضيق الرئيس المخلوع من الشعبية التي حظي بها، فآثر الاختباء، ليس هذا فقط بل كان يتبرع من الحين للآخر بتقديم النصح والمشورة لرئاسة الجمهورية في بعض القضايا الشائكة لاتقاء الشرور وإظهار أنه الناصح الأمين، هذا بخلاف آخرين عارضوا وهاجموا وانتقدوا الرئيس المخلوع في عز سطوته وصولجانه.