مناضلون يساريون شحاتة النشار «1» في المدرسة الابتدائية، شعرت بمذلة الفقراء، كان المشرف يجمع الذين لا يسددون المصروفات ويضربنا بعصا غليظة أمام الطابور وهو يقول «يا ولاد ال ... مادام فقرا وشحاتين بتتعلموا ليه؟» ويتكرر هذا المشهد يوميا تقريبا، حتي كرهت المدرسة وكرهت التعليم أصلا. شحاتة النشار «في حواره معي» في كثير من الأحيان، وعندما أقف أمام رجل صلب الإرادة بحيث يفرض نفسه فرضا علي تحديات الحياة ويقهرها، أعود بالذاكرة إلي كتاب جميل قرأته في مطلع الشباب عنوانه «الإنسان يصنع نفسه»، والكتاب يتحدث عن قدرة الإرادة والعمل علي تخليق الإنسان وتمكينه من تحدي الصعاب. ويأتي شحاتة النشار ونحن نجلس معا لأستمع منه إلي تجربته وتاريخ حياته ليجسد هذه الإرادة التي لا تقهر، وتجسد أمامي صبيا ميروم الجسد يرتدي جلبابا باليا يتشعبط في الأوتوبيسات والتراموايات مناديا علي بضاعة فقيرة يلح بها علي فقراء لينتزع من هنا مليما أو مليمين ثم اتخيله بعد ذلك ثريا يمتلك مصانع ويديرها بعقل وفكر اشتراكي. ونعود إلي بداية الحكاية الأب عامل معمار في واحدة من أفقر قري الغربية، تموت الأم وشحاتة في الثامنة من عمره وتضيق الحياة بالرجل ويجمع أولاده ليرحل بهم إلي القاهرة ليقيموا في غرفة فقيرة في حي فقير هو البغالة. يعمل يوما ويتعطل أياما. والأخ الأب حتي الحق ابنه في المدرسة التي اوجعت فقره وجعلته يكره التعليم. ونستمع إلي شحاتة «ذات يوم كنت اتسكع في حي السيدة فشاهدت ولدا يزاملني كل يوم في طابور الإهانة والمذلة. كان يدخل القهاوي ويستوقف المارة ليبيع فيما يشبه الاستجداء المناديل. في البداية شعر الولد بالخجل لكنني شاركته وصرنا نلح علي الزبون معا كي نوفر قرشا أو قرشين نشتري بهما سندوتشات أو ندخل السينما. وذات يوم أخذت من الولد زميلي ستة قروش كاملة كان حلمي كله يتركز في أن اشتري فطيرا. أختي كانت تحلم كل يوم بصوت مسموع من الجميع نفسي ادوق الفطير. لكنني فكرت بعقلية التاجر لماذا لا أجرب نفسي في البيع؟ ذهبت إلي محل «عوف» بالحسين، كان الرجل يعرفني من كثرة ترددي مع زميلي. باع لي دستة مناديل، بعتها كلها في ساعة واحدة ، والستة قروش اصبحت تسعة، ذهبت واشتريت دستة ونصف الدستة» وفي اصرار لا يعرف التردد، قرر أن يمتلك رأسمالا وأن يشتري فطيرا لاخته. باع، ثم باع ثم باع وتنقل من حي إلي حي.. وفي ضربة من ضربات الحظ تحولت الستة قروش وفي يوم واحد إلي ثمانين قرشا، اشتري الفطير وعاد مسرعا إلي البيت واستمتع بمذاق البهجة في عيون أخته وكل الأسرة وارتمي لينام بعد يوم مرهق. الأب عاد ليجد الفطير والثمانين قرشا. رفص شحاته برجله فأيقظه لينهال عليه ضربا وهو يصيح «سرقت مين يا ابن....» وحكي شحاته حكايته التي لا تصدق. لم ينم الأب ولا شحاتة، أخذه الأب مشيا إلي الحسين. صليا الفجر معا وانتظر حتي يفتح «عوف» المحل. وسأله الأب فوجد اجابة عوف مشجعة «ابنك ليس لصا بل هو تاجر شاطر». وابتهج الأب وفي الطريق قال شحاتة «لن أعود للمدرسة وسأستمر في بيع المناديل من أجل اخوتي» لعل الأب كان ينتظر هذه الكلمات فقد وافق علي الفور والدموع تملأ عينيه. نحن الآن في عام 1937، هو الآن في الثالثة عشرة من عمره. واستغل شحاتة اليوم بأكمله في القفز من ترامواي إلي ترامواي ومن قهوة إلي أخري ومن رصيف إلي آخر. وذات يوم عرض عليه «عوف» فانلات مستوردة وكسب في الدستة عشرين قرشا فأصبح لدي شحاتة مبلغ محدد من المال. لكنه وهو بدأ بستة قروش يستطيع أن يبدأ مشروعا حقيقيا ببضع عشرات من الجنيهات، وجاءت الحرب. وتوقف استيراد الفانلات وانفتح امامه باب آخر للرزق في كامبات الانجليز. صديق من ابناء الشارع الميسورين اسمه محيي الدين صادق كان أبوه وفديا، بدأ يلقنه أن حل مشكلات مصر لن يأتي إلا علي يدي الوفد وأن الاستعمار لا يريد الوفد- سارا معا إلي حلوان حيث يوجد الكامب ليضربا عساكر الانجليز بالطوب وبعد المشوار المرهق اكتشفا استحالة ذلك. وأصبح شحاتة وفديا. لكن نعمة العيش تستدعيه فسافر مع صديق سوداني للعمل في «كامب» قرب السويس. كسب مالا لا بأس به. لكن السؤال المرير لماذا يوجد فقراء جدا واغنياء جدا؟ يظل دوما يؤرقه. وفي إحدي زياراته للقاهرة التقي صديقه محيي الدين صادق. وجده وقد تغير فقد قاله له نحن يجب أننساند الفقراء، لكن قيادة الوفد كلها اغنياء. ولهذا لابد من وجود حزب للفقراء والحزب موجود لكنه سري. وأصبح شحاتة علي الفور عضوا في الحركة المصرية للتحرر الوطني (ح.م) واعطاه صديقه كتاب «الرأسمالية تعني الحرب» لكن تعليمه المحدود وصعوبة الاسلوب حالا دون فهمه لموضوع الكتاب، لكنه شعر بضوء خافت يتسلل إلي قلبه.. إنه ضوء الفكر الماركسي. وانضم شحاتة إلي خلية مسئولها أحمد الهنيدي والاعضاء ابراهيم عرفة (ميكانيكي طيران)، عبد الله الثقفي (طالب بالأزهر) محمد سعيد (نجار) وعامله في محل صيدناوي بالعتبة لم يعد يذكر اسمها. وفي خلية كهذه تفتحت امامه آفاق معرفة واسعة ونضالا اكثر اتساعا، ونستمع إليه في أول اجتماع للخلية سمعت محاضرة ممتعة وسهلة عنوانها «عن تطور المجتمع» تأملت تطور المجتمعات وأيقنت أن العالم سيتجه حتما إلي الاشتراكية، وشعرت بأنني أكاد أن اطير فرحا، فقد عرفت حقيقة وضعي ومستقبلي ومستقبل اسرتي ابي واخوتي ومستقبل بلدي. ومضيت في طريق النضال إلي اقصي مدي، دون أن أتوقف عن عملي كتاجر. وإلي لقاء لنكمل مسيرتنا مع مسيرة مناضل صنع نفسه.