إبراهيم فرغلي الجزء الأخير (8) استيقظتُ من النوم. فتحتُ عينَيّ، وللحظات، لم أتعرّف على مكاني. وبعد ثوانٍ أخرى عاد لي وعيي، فتذكّرتُ أنني في فرنسا، وتداعت الأحداث في ذهني، فانتفضتُ. استعدتُ الحُلم الذي رأيتُ فيه حنين تُحدِّثني في الهاتف، وتطلب لقائي، وذهابي لها في مكان غريب، ورأيتُ زحامًا شديدًا، وكنتُ أبحث عنها، وأنادي، ولكني لم أنجح في رؤيتها. وكلّما رأيتُها بين مجموعة من الناس، وأركض باتّجاهها، أراها تركض أمامي، كأنها تهرب منّي. أنادي عليها، فتنادي عليّ. أقف حتّى أعرف أين هي، وما إن أراها حتّى يتكرّر الأمر أحسستُ بالانزعاج من الحُلم. كانت أضواء الغرفة مضاءة، ويبدو أنني نمتُ فجأة بينما كنتُ أستدعي قصّة ماريان التي حَكَتْهَا لي نهضتُ بعد أن تأمّلتُ الهاتف، فوجدتُهُ مُطفأ تمامًا. أدركتُ أن شحن الهاتف قد نفد. فأسرعتُ للحقيبة الصغيرة، وأخرجتُ الشاحن منها. ووضعتُ الهاتف على الشاحن دخلتُ الحمّام، وبمُجرّد خروجي، كانت الحياة قد دبّت في الجهاز الذي كان يرنّ بالفعل. رأيتُ اسم حنين على الشاشة، فرددتُ بسرعة، وأنا أصرخ تقريبًا: حنين! إنتي فين، يا بنتي؟ أنا هاموت أعرف أخباركْ من امبارح- ساد الصمت، ثمّ وجدتُ صوتًا غريبًا لفتاة تقول بلغة عربية مكسّرة أنا آسفة، حنين ليستْ هنا الآن، مَنْ معي؟ أنا نسرين بنت خالها- أهلًا، أهلًا، أنا ناتالي، أختها. أقصد- أيوه أيوه بنت عمّو أحمد حسين؟- -أيوه. أنتِ في فرنسا؟ أيوه، أنا جيت امبارح، وكنت عاملة مفاجأة لحنين- في أيّ فندق؟ ثانية واحدة، وبحثتُ عن أيّ شيء يذكّرني باسم الفندق، ووجدتُ دفترًا صغيرًا، فقلتُ: لها اسم الفندق، فقالتْ: – سأكون عندكِ بعد ساعة تقريبًا، وسوف تلحق بنا حنين تنفّستُ بعمق أخيرًا، ولكني كنتُ في حالة فضول لأعرف الأخبار. ارتديتُ ملابسي، وقرّرتُ النزول إلى المطعم، لأفطرَ، وأعرف آخر الأخبار من الموجودين. كان المكان ضاجًّا بالصخب، وحاولتُ أن أثرثر مع أكبر عدد ممكن، وأنا في طريقي للحصول على القهوة. لم أشعرْ بشهية للطعام. لكني تناولتُ بعض قِطَع الأجبان، وقطعتُ شريحة خبز من "باجيت" كبيرة، وتوجّهتُ لإحدى المناضد كانت الأخبار التي تناقلها البعض من حولي مخيفة، 128 شخصًا تعرّضوا للقتل، والجرحى بالمئات، وفرنسا تُغلق حدودها، وتُعطِّل العمل في المنشآت الحيوية والمدارس كافّة. والمجلس الوطني يجتمع بوجود الرئيس الفرنسي لمناقشة الأوضاع. قلتُ لنفسي لو فرنسا تخوض الحرب، فلن يكون الأمر أقلّ من هذا، لكنْ، أيّ حرب التي تخسر فيها 130 روحًا، بينما الخصم مجموعة أشباح؟ كانت النادلات وبعض نزيلات الفندق يبكينَ بكاءً صامتًا، والبعض منهنّ تماسكنَ، وارتسمتْ على وجوههنّ آثار حزن شديد أنهيتُ الإفطار، وخرجتُ من المطعم للبحث عن جريدة، لكي أفهم منها أكثر. وتناولتُ القهوة معي، وخرجتُ إلى باحة الاستقبال في انتظار حنين وناتالي بعد قليل شاهدتُ رجلًا، له ملامح عربية، شَعْره الأنيق يفيض باللون الأبيض. كان يرتدي جاكيت بُنّيًّا وبنطلونًا أزرق. ويضع نظّارة شمس أنيقة، وأخذ يتلفّت في المكان، واقترب منّي. أحسستُ بالخوف. سألني بالعربية: إنتي نسرين؟- نظرتُ إليه بتردّد، وقلتُ: أيوه، بس حضرتك تعرفني منين؟ قال: أنا أحمد حسين انتفضتُ واقفة، وسلّمتُ عليه بترحاب، وأخبرتُهُ أنني سمعتُ عنه كثيرًا من المرحوم خالي ومن حنين أخبرني أن خالي كان أعزّ أصدقائه، وأن حنين ابنته بلا أيّ مبالغة/ وشعرتُ بصوته يختلج قليلًا. سألتُهُ: أُمّال ناتالي وحنين فين؟- خلع نظّارته، ورأيتُ عينَيْه محمرَّتَيْن وهو يقول بأسى: – للأسف، ناتالي لمّا كلّمتِك ما حبِّتْش تقول لك. بَسْ حنين كانت موجودة امبارح في الحفلة اللي وصرختْ من دون أن يُكمِل كلامه: لااااااااااااااااا. لا، يا عمّو لااااااااااااا ما تقولش- مسح عمّي أحمد دمعة من على وجنته غافلتْهُ، وقال لي بهدوء مصطنع: – حنين في المستشفى، والأمل كبير في ربّنا. ناتالي وسيسيليا سبقوني على هناك. أنا جيت علشان تشوفيها – أحسستُ بأن الدنيا تُظلم من حولي، كانت ملامح عمّي أحمد تتحوّل إلى ضباب وهلام، والوشيش الغامض يملأ سَمْعي. وتهاويتُ، وأنا لا أعرف أين ذهب العالم فجأة (9) لم يسمحوا لنا بالدخول لغرفة العناية المركّزة. رأيتُ ناتالي لأوّل مرّة. احتضنتُها بقوّة كأني أعرفها منذ عمر طويل. كانت طويلة بشكل لافت، وشَعْرها الأشقر ينسدل حول كتفَيْها، ملامح وجهها، الممتلئ بالنمش، جميلة، لكن عينَيْها الزرقاوَيْن كانتا حزينَتَيْن بشكل مخيف. احتضنتْني، وقالتْ لي همسًا: نحن جميعًا نصلّي من أجلها- هتفتُ من أعماقي: ياااااااا رب!طنط سيسيليا كانت قد غادرتْ، على أن تعود في المساء مرّة أخرى، وتُحضر بعض المستلزمات لها ولناتالي كان عمّي أحمد قد شرح لي الحالة في السّيّارة، وأخبرني أنهم استخرجوا رصاصَتَيْن من صدرها وفخذها، والحمد لله أنها لم تكن قريبة من القلب، لكنها أُصيبت بصدمة عصبية في الوقت نفسه، وتعرَّضتْ لشبهة ارتجاج في المخّ، بسبب التدافع بعد تعرّض المكان للهجوم- لم يكن ينقصني إلا أن أسمع هذه الأخبار .. معقول؟ هذا الألم كلّه!. كيف يمكن لأيّ إنسان احتمال هذه المصائب كلّه؟ ومن أجل ماذا؟ لأن بشرًا أغبياء يعيشون بيننا، ويريدون أن يرسموا لنا الطريقة التي يرونها لحياتهم؟ شعرتُ بقلبي ينتفض، كأنه يخفق خفقات زائدة من شدّة التّوتّر والحزن. وراودني شعور بأنني سأموت لو لم أُلقِ نظرة على حنين. لكن الأطبّاء أخبرونا بأن الزيارات ممنوعة، بسبب عدد الجرحى المنتقلين للمستشفى، وخطورة الكثير من الحالات لم يكن لديّ أيّ استعداد لمغادرة المكان حتّى لو قتلوني. أين سأذهب وحنين هنا بين الحياة والموت؟ بين الحياة والموت هو الوصف الحقيقي لكلّ ما عاشتْه حنين منذ مولدها تقريبًا وحتّى اليوم بدت المستشفى كأنها ملتقى الناس في يوم الحشر، تضجّ بوجوه باكية ومفزوعة. امرأة تحتضن شابّة، لا تستطيع التّوقّف عن النهنهة. امرأة سمراء على الأرض منهارة، ولا تقوى على الاستجابة لدعوة شابَّتَيْن شقراوَيْن لإيقافها. أطفال يدخلون على كراسي متحرّكة، بينهم صبيّ تغطّي ضمادة بيضاء كبيرة منتصفَ وجهه، بينما عينه المكشوفة متورّمة، ومحاطة بسجحات. الأصوات المسموعة ليستْ إلا بكاءً أو نحيبًا. الممرّضات المرتديات لزيّ التمريض الأخضر الفاتح، يتحرّكنَ بسرعة وبحماس، بوجوه محايدة، ترتسم الجدّيّة عليها. وبين آنٍ وآخر ينفتح الباب، وتدخل على سرائر الإسعاف المتنقّلة حالة من الحالات التي تظهر آثار الدماء عليها بشكل ما، بينما يركض الممرّضون حولها، باتّجاه غرفة العمليات أو الطوارئ أُغمضُ عينَيّ، فأجد ذاكرتي تُعيد استرجاع هذه الوجوه الموجوعة كلّها مرّة أخرى. الصبيّ الصغير ذو العينَيْن المتورّمَتَيْن، خصوصًا، والفتاة التي تحتضن أمّها وهي لا تتوقّف عن البكاء توافدت بعض الشّابّات والسّيّدات اللائي رحنَ يُسلّمنَ على ناتالي، ويسألنَها عن حنين. وفهمتُ أنهنّ زميلاتها في الجامعة. ثمّ توافد شباب أصغر عمرًا، فهمتُ أنهم من طَلَبَتها كان الجميع يُمسكون بباقات ورود، وارتدت الكثير من الفتيات الباكيات اللون الأسود. ولم أتمالك نفسي، فخرجتُ بسرعة بحثًا عن باب المستشفى، لأنني كنتُ أعرف أنني سأنهار مرّة أخرى تنشّقتُ الهواء البارد بعمق، وتأمّلتُ السماء الرمادية التي خبّأت الشمسَ، ودعوتُ الله أن يُنجّينا من هذه المحنة. كانت الساحة أمام المستشفى تضجّ بحركة غريبة. يتوافد البعض هلعين، والبعض يتحرّك في عصبية، وسيّدات كنّ يُقبلنَ على المستشفى وهنّ يبكينَ بحرقة رأيتُ فتاة ثلاثينية نحيفة، تقترب من المستشفى بسرعة، وقبل أن تدخل مباشرة توقّفتْ، وأدارت ظهرها للبوّابة، وأمسكتْ يَدَيْها المعروقَتَيْن ببعضهما بعضًا، ورأيتُ وجهها يتقلّص بالخوف والرجاء، وبدأتْ تبكي، وتنظر إلى السماء. بينما التقت شابّتان مراهقتان أمام المستشفى، وسرعان ما راحتا تصرخان، وتحتضن كلّ منهما الأخرى، وتبكيان بكاء مؤلمًا ورحتُ أبكي بلا توقّف، وأنا أستعيد ما يحدث كأنه كابوس لا يمكن لأحد أن يُصدِّق حدوثه في الحقيقة. ولا أعرف ماذا حدث، فقد مرّ شريط حياتي كلّه في لحظة، حبّي الأوّل، خالد، الذي هاجر من مصر، بعد قصّة حبّ رومانسية، بدأت من عمر المراهقة. ورفعت الذي عَدَدْتُهُ سرّ حياتي، ولم أُخبر أحدًا عن قصّتي معه. سرّي الذي مرّ عليّ كحُلم جميل، أحيانًا لا أُصدِّق أنني عشتُه تذكّرتُ حياتي التي انقلبتْ من طفلة لأمّ صغيرة لأمّي التي عانت وتعاني من أنها كانت توأم ذهني لأخيها، خطبتي الساذجة لشخص متخلّف لمُجرّد الانصياع لقِيَم مجتمع، يتوهّم أن الزواج يعني البحث عن زوج مرموق وميسور الحال، بِغَضِّ النظر عن التناغم العاطفي والعقلي. لا أعرف كيف كان من الممكن أن أُخبره بسرّي، سرّي الذي أخفيتُهُ عن الجميع، لأنني أردتُ أن أكون متّسقة مع ذاتي، ومع مشاعري. سرّي الذي أعرف اليوم أن أفكار حنين وأسلوب حياتها لهما تأثير كبير في أن أتمتّع بالجرأة لاتّخاذ مثل هذا القرار وبغتة، وبلا سابق إنذار، مرّ في ذهني خاطر، كرهتُ نفسي لأني فكّرتُ به -معقول، يا ربّي، بدلًا من أن آتي إلى هنا لأزفّ لحنين خبر حياة طنط كريستين، أعود للأمّ بخبر وفاة ابنتها؟ وخز قلبي إحساسٌ بالألم، كأن يدًا حديدية وساخنة اعتصرتْهُ، وكادت تزهق روحي، ولم أكن أعرف أين يمكن لي الهروب من هذه المشاعر السوداء كلّها؟ أردتُ أن أدقّ رأسي في الجدار، لأوقف هذه الخزعبلات في رأسي، أو لأشعر بالمعنى الحقيقي للألم (10) بعد مرور ثلاثة أيّام، من التّرقّب والانتظار، والتّنقّل بين الفندق والمستشفى، كنتُ أجلس في الغرفة التي نقلوا إليها حنين أخيرًا. عيناي مسلّطتان عليها وهي تتمدّد على الفراش، وأجهزة التّنفّس الصناعي حولها، و"الكانيولا" مزروعة في ذراعها، لتصل لها المحاليل بينما يدخل أنفَها أنبوبان دقيقان لمساعدتها على التّنفّس. واختبأ شَعْر رأسها خلف ضمادة كبيرة من الشاش، وُضعتْ على جانب من جبهتها استمرّت في غيبوبة، لم تخرجْ منها منذ وصلتْ للمستشفى. انتهى الجرّاحون من مهامّهم، أخرجوا الرصاصَتَيْن، وعالجوا النزيف، وأعادوا ما ثقبتْهُ أيادي المجرمين إلى ما كانت عليه، والآن لم يبقَ إلا أن ننتظر عودتها واعية إلينا اقتربتُ منها، وتأمّلتُ وجهها العذب، كان شاحبًا ومُجهَدًا، وأحسستُ بأن جفنَيْها المغلَقَيْن منتفخان قليلًا. كان حاجباها مزجَّجَيْن بشكل أنيق كالعادة. وهمستُ لنفسي: يا جميلة! لعلّ هذه الغيبوبة هي التي تُتيح لها للمرّة الأولى الغياب عن الشعور بالألم الذي لم تعرف غيره في حياتها مسحتُ على شَعْرها، وانحنيتُ على أذنها، لأناديَ عليها، وأُحدِّثَها، وأعتذرَ لها على أنني لم أُخبرْها عن الزيارة مبكّرًا، وأطلب منها الاستيقاظ، لكي تسمعَ منّي الخبر الذي حملتُهُ لها معي عن حياة طنط كريستين قلتُ لها: لا يهمّني إذا رغبتِ في رؤيتها أو لا. هذا قراركِ في النهاية. ما يهمّني أن تعرفي فقط أنها تعيش. أنها موجودة ولم تمتْ. لا يهمّني حتّى إذا رفضتِ العودة معي إلى مصر. فلا أحد يمكن أن يجبرَكِ على شيء. ربّما يكون وجودكِ سببًا في استعادة طنط كريستين لذاكرتها، وقد لا يكون. فكلّ ما أهتمّ به حقًّا الآن هو رؤية ملامح وجهكِ وأنتِ تتلقّين الخبر طُرِقَ الباب، وبعد أن انفتح في هدوء وحذر، ورأيتُ طنط سيسيليا وعمّي أحمد. ابتسما لي، ودخلا صامتَيْن. تأمّلاها في محبّة وألم. اقتربا منها قليلًا، وربّتَ كلّ منهما على ذراعها، وأخذت سيسيليا تتأمّل وجهها قليلًا، واقتربتْ منها مقرّبة وجهها منها حتّى تبيّن لي أنها تدسّ أنفها في شَعْرها، وتتنشّق رائحتها كأنها طفلة، وحين اقتربتْ منّي، لاحظتُ أنها تأثّرتْ، وأوشكتْ على البكاء. أشار لي عمّي أحمد أن أخرجَ معه. وفهمتُ أنه ربّما يريد أن يخلي الغرفة من أجل سيسيليا، لكي تبكي، أو تُعبِّر عن مشاعرها براحتها سألني إذا ما كنتُ أرغب في تناوُل الطعام، فأخبرتُهُ أنني لستُ جائعة، لكنه أصرّ. اقترح مطعمًا متاخمًا للمستشفى. وبمُجرّد خروجنا للهواء البارد، تذكّرتُ الأجواء التي تعمّ فرنسا. التّرقّب والحذر. الخوف والغضب. أيقونات العَلَم الفرنسي التي رسمها أغلب الفرنسيّيْن على وجوههم. باقات الورود التي تتراكم في الأماكن القريبة كلّها حتّى من موقع الأحداث لاحظتُ أن المطعم لا يبتعد أكثر من دقائق عن المستشفى. اخترْنا منضدة، وطلبْنا طعامًا خفيفًا. كان يريد أن يطمئنّ على أخبار العائلة، وخصوصًا ماما، وجدّي وجدّتي أخبار عمّي حسين وطنط سلوى إيه؟- ابتسمتُ، ولم أردّ بسرعة لانتباهي لأنني لم أسمع اسم جدّي وجدّتي كثيرًا بصراحة، ولأنني أدركتُ لأوّل مرّة تشابه اسم جدّي مع والد عمّي أحمد، ثمّ ابتسمتُ قائلة: –جدّو وتيتة؟ آه، الحمد لله، كويسين. بَسْ اضطرّوا يسيبوا بيت العِيلة بعد وفاة خالو الله يرحمه
قال لي إنه كان صديق طفولة لعائلة بابا، وكان يزور بيت العائلة كثيرًا في زمن الطفولة قبل أن يهاجر مع أهله لبريطانيا مبكّرًا قبل الانتقال إلى فرنسا. وأخبرني ضاحكًا أن الكثيرين كانوا يظنّون أنه وخالي رامي شقيقَيْن لتشابه اسمَي والدَيْهما. قال لي إن اختيار حنين لاسم "حنين حسين" كاسم ولقب في أوراقها الرسمية كان يجعل البعض في فرنسا يظنّون أن أحمد حسين هو والدها حكيتُ له ما حدث لأمّي ولهما منذ موت خالي رامي. وتردّدتُ في أن أخبره عن موضوع طنط كريستين عدتُ لأحكي له عن دراستي لطبّ الأسنان وعملي كطبيبة. وعلّق قائلًا إنه يعدّها مهنة رائعة، لأنها تُوفِّر للإنسان عملًا يدويًا، رغم أنها تندرج في الطّبّ
قلتُ له إنني كنتُ أفكّر في الجراحة للسبب نفسه، لكني تردّدتُ حتّى لا أنشغل كثيرًا عن أمّي بسبب ظروفها
وتذكّرتُ "رفعت" الذي نبّهني لضرورة اجتناب زيادة حمض الفوليك في دمي حتّى لا تصاب مفاصل يدي بالتيبّس. وتمنعني عن أداء عملي بإتقان
سألني عمّي أحمد إذا كنتُ أُفضِّل تناوُل نبيذ مع الطعام، فقلتُ له إنني لا أشرب. وأضفتُ بابتسامة تربية المنصورة، يا عمّو- لم يُعلِّق على الأمر كأنه أمر شخصي لا يعنيه. وكان يصمت كأنه يستدعي أماكن أو ذكريات، ثمّ يسألني عن تفاصيل وشوارع وأماكن، لم أسمع عنها من قبل. وأسماء لناس، أغلبهم لم أكن أعرفهم، وابتسم قائلًا إن المنصورة التي يعرفها تقريبًا لم يعد لها وجود إلا في خياله. المدينة التي تحمل أجمل اسم: "جزيرة الورد" المُطلّة على النيل، وعروسه، الهادئة جدًّا والرومانسية جدًّا. ابتسمتُ وقلتُ له إنني لا أفضّل أن أصف وضع المنصورة الحالي بعد الزحام الشديد، وفوضى الأبراج الشاهقة، والفوضى والعشوائية التي طالت حتّى الأحياء الراقية القديمة، حتّى لا أُغيِّر له الصورة الجميلة في خياله قال لي إن حنين بعد زيارتها الأولى للمنصورة، تكلّمت عنها بحُبّ شديد. وإنها أحبّتْها قلتُ له إنها رغم كلّ شيء مدينة لها غواية. ويقع الناس في غرامها بسهولة. لكنها تغيَّرت للأسف. تشوّهتْ مثل أشياء كثيرة في بلدنا الجميلة أحسستُ بأنه يحاول أن يُخفِّف عنّي التّوتّر الذي أعيشه منذ عرفتُ بالخبر التعس. لكني سألتُهُ عن الوضع في فرنسا بعد الحادث. قال لي إن العالم كلّه يتغيَّر، وليس المنصورة فقط. حتّى فرنسا تتغيَّر، والآن تتشوَّه بوجود هؤلاء الإرهابيّيْن الذين احتضنتْهم فرنسا استطرد قائلًا: – هذا ليس الحدث الأوّل في فرنسا، لكنه الأكبر والأكثر تحدّيًا حتّى للسلطة الفرنسية، لأن التهديد وصل للرئيس نفسه، وعدد الضحايا كبير جدًّا بالنسبة لأيّ عملية إرهابية في العالم حتّى، وليس فقط في فرنسا ثمّ أضاف أن فرنسا كلّها تشعر بالغضب الشديد والخوف أيضًا. البعض يردّد أن فرنسا لم تعد بلدًا آمنًا، وهذا بقَدْر ما هو مخيف، بقَدْر ما يُعبِّر عن إحباط الفرنسيّيْن من حجم الضربة التي وُجِّهَتْ لهم، خصوصًا وأغلب الضحايا مُجرّد بشر، لا علاقة لهم بأيّ شيء. والمشكلة أن بينهم أيضًا سيّاح أجانب من أوربا أخبرني أنه لم يرَ ابنته ناتالي في حالة غضب مثل التي تمرّ بها هذه الأيّام، وأيضًا لم يرها مكتئبة إلى هذا الحدّ قلتُ له إن حنين حَكَتْ لي عن مدى ارتباطهما الشديد، وحتّى انتقالهما من البيت معًا في الثامنة عشر وحياتهما معًا لفترة قبل أن تستقلّ كلّ منهما تمامًا. وهزّ رأسه قائلًا وهو يضحك إن زوجته رفضتْ فكرته عن إنجاب طفل آخر، بسبب العلاقة القوية التي جمعتْ بين ناتالي وحنين منذ طفولتهما. وبملامح وجه حنونة جدًّا قال لي: ما اعتقدش إن كان ممكن يكون عندي بنت في جمال حنين- صمتْنا قليلًا، وسألتُهُ فجأة: تفتكر حنين هترجع لنا تاني؟- عبرت وجهَهُ ملامحُ تقلُّص طفيف، وسرعان ما سيطر عليها، وقال مبتسمًا: خلّي أملك في ربّنا كبير زيّي، يا نسرين – ونعم بالله، يا عمّي- (11) أخذ موضوع انفجارات باريس بُعْدًا عالميًّا، ولم تكن هناك وسيلة لإخفاء الأخبار عن أهلي في المنصورة. أمّي بدأتْ تتّصل بي كلّ ربع ساعة حتّى بدأتُ أشعر بالانهيار، كلّما لمحتُ اسمها أو اسم بابا على شاشة الهاتف. أكّدتُ لها أن حنين بخير، وأن ما تمرّ به مسألة وقت، بينما أنا في حاجة لمَنْ يردّد لي هذا الكلام، ويُربّت على قلبي الموجوع بألم لم أعرفه من قبل. أصرّتْ سيسيليا أن آخذ إجازة من جلوسي المستمرّ في المستشفى، لأرتاح قليلًا. قالتْ لي إن متابعتي لحالة حنين تقتضي أن أنام في الفندق أطول وقت ممكن، خصوصًا بعد أن رفضتُ محاولاتهم كلّها للانتقال لديهم في الشّقّة أو عند ناتالي. لم أرغبْ في مضايقتهم، وقلتُ لهم إنني حتّى لم أرغب في مضايقة حنين بالمبيت معها. مرّتْ ناتالي عليّ في الفندق، لكي تصحبَني في جولة في باريس. قلتُ لها عن أسماء أغلب الأماكن التي أحببتُ زيارتها: "الشانزلزيه"، "برج إيفل"، وتناولْنا الطعام في "ساحة الباستيل"، كما أنها، رغم البرد الشديد، وفّرتْ لي جولة نهرية في النهر الخيالي، لكي أشاهد باريس من النهر أخبرتْني ناتالي أن حنين مرّتْ بفترة سيّئة، بسبب انتحار صديقة مقرّبة منها منذ عدّة أسابيع قالتْ لي إنها كانت صديقة طفولة، تعرّفتْ عليها في المدرسة الداخلية. اسمها سيلفي. قالتْ إن ظروف الحياة شغلتْ كلًّا منهما عن الأخرى منذ فترة طويلة، ولكنهما ظلّتا على تواصل. حتّى عرفتْ حنين بخبر الانتحار قبل أسابيع. شعرتُ بالحزن الشديد لهذا الخبر، وكنتُ أتخيّل مدى الألم الذي عانتْهُ حنين حاولتُ التّذكّر إذا ما كان بيننا اتّصال في تلك الفترة، ولكني لم أذكر. ظروفي بعد التّخرّج أيضًا أصبحت صعبة قالتْ ناتالي: – حنين كانت متحمّسة للعودة إلى مصر أيّام الثورة، لكنها بعد فترة قليلة، شعرتْ بأن الأمر ليس كما كانت تظنّ، وقالتْ لي إن الإخوان سيسيطرون على كلّ شيء. لن يتركوا السلطة أبدًا. وأوضحتْ لي أنها لم تعد مرتاحة للأمر. واختلفتْ معي في تحيّزي لوجودهم في السلطة طالما جاؤوا بالديمقراطية. قلتُ لها إنها لا يمكن أن تأمن للديكتاتورية، ولكنها كانت تتّهمني بأنني لا أفهم شيئًا، والأمر ليس كما أظنّ. ولم تتراجع عن موقفها، بل انخرطتْ هنا في جماعات مَدَنية ضدّ الإرهاب والعنصرية. والآن أظنّ أن معها حقّ. الأمر ليس كما يبدو. لا أعرف.
كنتُ أستمع لها وأنا أستعيد السنوات الخمس أو الأربع التي مرّتْ علينا في مصر، وشاهدْنا خلالها ما لم يكن يخطر على بالنا أبدًا. ثورة عارمة، شعب يخرج في إصرار لا رادع له للإطاحة بديكتاتور عجوز، كلّس البلد، وقزّمها، وأفسدها، ثمّ عشنا لحظة تاريخية، رأينا فيها ديكتاتورًا يتخلّى عن السلطة، ثمّ جيشًا يساند الثورة، وشهدنا وعرفنا حالة من الرعب والخوف، بسبب القتل وأعمال الشغب، والعنف، والرعب، عرفنا أيضًا معنى الانهيار الاقتصادي، وأحسسْنا أخيرًا بتماسك نسبي بعد إحساس الشعب بضرورة طَرْد الإخوان من المشهد حكيتُ لناتالي خبراتي كلّها خلال الثورة، الحماس والأمل، الخوف والرعب، الفزع والمفاجأة، الفرح، ثمّ الإحساس بالفشل والعجز ابتسمتُ وقلتُ لها إن الذي عاش هذه الفترة يشعر بأنه مرّ بخبرات عقود، وليس عدّة سنوات. فابتسمتْ، وقالتْ لي إن الثورات كلّها مُجرّد هزّات لمراحل تاريخية، قد تكون بعيدة عن غاياتها. وأردفتْ: الأمر يحتاج للصبر، وإلى زمن طويل بالرغم من الحالة العامّة التي كانت تُذكّرنا بالأحداث، لكني شعرتُ بأنني أصبحتُ أهدأ كثيرًا، وأكثر قدرة على التماسك تبادلْنا الحديث عن حنين، واستدعتْ كلّ منّا مواقفَ كثيرة، جمعتْنا بها، بابتسامات كانت تنتهي بارتعاش شَفَتَي ناتالي في كثير من الأحيان، كأنها تقاوم البكاء بالابتسام. حين نهضْنا من المقهى، اقتربتْ منّي ناتالي، واحتضنتْني. شعرتُ بأنها أختٌ ثالثة لي بعد حنين أمام النهر، تذكّرتُ وجه حنين بابتسامتها الجميلة، ودعوتُ الله من قلبي أن تعود لها هذه الابتسامة الجميلة مرّة أخرى. وكنتُ أشعر بأن الله قريبٌ جدًّا، وأن شفاءها قريب أيضًا. لا أدري لماذا استدعيتُ نهر المنصورة الذي تسبّب في تسميتها عروس النيل. أحسستُ كم أصبح مُهمَلًا ممتلئًا بورد النيل الذي يطفو على سطح النهر، حيث تتجنّبه القوارب التي يؤجّرها بعض الشباب للتّنزّه المنصورة كلّها أصبحت مثل ورد النيل، الطافي بعشوائية على سطح النهر، زحام في غير محلّه وإهمال، ولا نظام، وغياب تامّ للطبقة الوسطى. الآن حين أستمع لما يقوله لي جدّي حسين أو "تيتة سلوى" عمّا شهداه في صغرهما، أقول لا بدّ أنهما مصابان بالزهايمر، ويتحدّثان عن مكان آخر، لا أعرفه، ولم أعشْ فيه كان ما يحكيان عنه يقول إنها كانت مدينة جميلة جدًّا وأنيقة. واليوم يُفترَض أنها أصبحت مدينة حديثة بها أكبر مراكز طبّيّة في المنطقة، لكنها تفيض بالعشوائية والحجاب الذي يؤكّد لي جدّي أنه لم يكن معروفًا في المنصورة حتّى سبعينيات القرن الماضي نفضتُ الذكريات العجيبة من ذهني، وأنا أُمتّع نظري من نهر السين والمدينة الجميلة الممتدّة على ضَفَّتَيْه **** عدتُ للمستشفى، وأخبرتُهم بأنني سأبيتُ معها في هذه الليلة أمسكتُ بكتاب "الجريمة والعقاب"، وقرأتُ فيه لفترة، وبين آنٍ وآخر، كنتُ أطلُّ عليها. قرّبتُ الكرسيّ منها، وأمسكتُ بيدها. كان تنفُّسها منتظَمًا وهادئًا. يدها دافئة قرّرتُ أن أحكيَ لها عن نفسي. ما حكيتُهُ لها كلّه من قبل، وما لم تعرفه. أعرف أن مَنْ يذهبون في غيبوبة يحتاجون للكلام. نعم، يحتاجون للكثير من الكلام الذي يمكن أن يُعيدَهم للحياة في هذه اللحظات، كنتُ أشعر بأن حنين من أقرب الناس لقلبي. لم يكن لي من طرف أمّي أيّ أقارب آخرين سواها. أمّا من جهة أبي، فأغلب أولاد عمّي أكبر منّي في العمر بكثير، ولم تكن علاقتي بهم وثيقة. ولهذا فمنذ عرفتُ بوجودها وحتّى رأيتُها لأوّل مرّة عَدَدْتُها أختي التي حالت الظروف بين وجودنا معًا. وبمُجرّد أن التقيْنا تأكّد شعوري تجاهها (12) حكيتُ لحنين أشياء كثيرة عن حياتي في المنصورة، طفلة تعيش أغلب الوقت مع جدّتها، لأن الأمّ مريضة بالشرود، أو مشغولة بعملها المستمرّ في "مركز الكلى". وكنتُ أتساءل دائمًا كيف مرّتْ أيّامها بلا مشاكل مع وجود "الدكتور غنيم" الذي كان معروفًا بشراسته لو ضبط شخصًا مُتلبِّسًا بالخطأ، أيًّا كان مرتكبه: طبيبًا أو ممرّضًا أو عاملًا في المستشفى كيف لم يكتشف الدكتور غنيم شرود ماما؟ وأدركتُ أنها ربّما كانت تهرب من مسؤوليّاتها في البيت بحالة الشرود. وأنها كانت تحتفظ بتركيزها فقط في المستشفى تخيّلتُ ردّ فعلها لو أخبرتُها بهذا الهاجس، فابتسمتُ، وقلتُ لنفسي لربّما كانت ستُقرّر أن أعيش بقيّة حياتي عند جدّتي تخيّلي، يا حنين، أني لم أعانِ من أمٍّ متسلّطة، تمنعني من الذهاب إلى أيّ مكان. ولكني كنتُ أشعر بتأنيب الضمير المستمرّ لو حدث وخرجتُ مع صديقاتي، خوفًا من أن يكون ذلك تقصيرًا في حقّها منذ بدأ وعيي وأبي يطلب منّي دائمًا رعايتها: "خلّي بالك من ماما، يا نسرين". أعتقد أني نشأتُ بمشاعر أمومية أكبر من سنّي لهذا السبب. كان عليّ الانتباه للطعام الموضوع على النار. وأن أتأكّد أنها ليستْ نائمة في فراشها، وأن أترقّب خروجها من الحمّام سالمة. أخبرني بابا أنها لو شردتْ وهي تستحمّ "هتفضل واقفة تحت المَايّه لحَدّ ما تبوش". وكان هذا المشهد المُتخيَّل يُثير فزعي، وأقف خلف باب الحمّام، لأنادي عليها كلّ دقيقَتَيْن تقريبًا حتّى تصرخ عليّ من الداخل، لتطلب منّي السكوت أعتقد أن طلبها بالجلوس مع جدّتي لرعايتها كما كانت تقول لي، بسبب شفقتها عليّ من هذا الإحساس بالرعب المستمرّ من وجودي معها. وخوفي من شرودها المستمرّ لذلك ترتبط طفولتي ببيت "جدو" و"تيتة" أكثر كثيرًا من ذكرياتي في بيت "المختلط" كانت تيته كالعادة تقضي أغلب وقتها في المطبخ. تبدأ يومها بفَتْح الباب لبائعة اللبن، تخرج إليها بالكسرولة. تأخذ اللبن، وتذهب به للمطبخ لتغليه، وتعدّ لجدّو القهوة والإفطار يخرج جدّو للشرفة ومعه جريدة "الأهرام". يقرؤها بعناية. ويُعلِّق بصوت عالٍ على الأخبار التي تسترعي انتباهه. يُدخّن ويتناول القهوة، ثمّ يخرج ليمرّ على بعض أصدقائه في محلات يعملون بها أو في المقهى كنتُ أمضي الوقت شاردة أُحدّق في صورة طنط كريستين المعلّقة على أحد جدران الصالون. وأحاول تخيُّل شكلها وهي أصغر من عمرها في الصورة. ربّما كانت في الخامسة والعشرين في ذلك الوقت. جمالها آسر. عيناها خضراوان وشَعْرها كستنائيّ ناعم وجميل. وأنزل بعينَيّ، لأتأمّل الصالون القديم الذي لا يقلّ عمره الآن عن أربعين عامًا. الكراسيّ المذهّبة والأريكة ذات الأقدام الملتوية الذهبية والنسيج العتيق الممتلئ بنقوش وردية رومانسية. أتخيّل كيف التقى خالي رامي طنط كريستين هنا، ربّما كانت تجلس في مكاني نفسه ولا يقطع شرودي إلا إذا نادتْني تيتة، لكي أساعدها في غرض ما **** ومرّ الوقت، ساعة بعد أخرى. لكنها لم تفتح عينَيْها كما كنتُ آمل. كانت الممرّضات تقطعنَ الصمت، بين آنٍ وآخر، للدخول، لكي تتفقّدنَ مدى امتلاء القسطرة، أو لتغيير أوعية المحاليل التي تتسلّل إلى دمها من الأوعية المتدلّية أعلى رأسها وكنتُ، بعد خروج الممرّضات، أعود فورًا، لكي أتحدّث معها، وأقرأ لها فصلًا من "الجريمة والعقاب"، وحين أشعر بأنها ربّما تكون قد ملَّتْ من الرواية، أحاول أن أتذكّر حدثًا لم تعرفه، فأرويه لها استعادتْ ذاكرتي الفترة التي جاءتْ فيها لمصر. زيارتها لنا في المنصورة. مقارنتها لبيت العائلة في توريل مع بيتنا في المختلط. ورغبتها في زيارة بيت "تيته دُرّيّة" في السِّكَّة القديمة. يبدو أن خالي رامي كان حدّثها عنه. قالتْ لي إنه أشبه بأسطورة تخيّلي، يا حنين، أن "تيتة دُرّيّة" تعيش في هذا البيت بمفردها تمامًا الآن. ولا أعرف كيف. بيت شاسع وأسقفه عالية. في طفولتي، كنتُ أرى البيت شاسعًا بشكل يفوق أيّ بيت آخر، وكانت شقّتنا في المختلط تبدو لي مقارنة بهذا البيت مُجرّد "غرفَتَيْن وصالة". كنتُ أدرك كم هي ضيّقة وخانقة بمُجرّد زيارتي لبيت تيتة "دُرّيّة" في زياراتي لهذا البيت مع أمّي وأنا طفلة، كان ابنا خالة ماما يذهبان معي للشرفة، لأرى "غيّة" الحمام التي كانا يربّيانها فيها. أقفاص لها أبواب تنزلق، لتكون بمثابة أبواب بيوت الحمام، بالألوان كلّها المطبخ كان شاسعًا، حتّى مقارنة ببيت العيلة، ورائحته تتكوّن من خليط غريب، يبدو نفّاذًا، يتسلّل غالبًا من "النملية" الخشبية، التي يحيط إطار بابَيْها الخشبيَّيْن بسِلْك، يتيح لكَ رؤية ما بداخلها حتّى وهي مغلقة. وتتراصّ فيها برطمانات السمن البلدي الضخمة، والعلب الألمنيوم الصغيرة التي تفيض بالبُهارات، وعلب البُنّ والسُّكَّر، وزجاجات الزيت، بينما يتسلّل من داخلها عبق هذا الخليط أخبرتْني أمّي أن أغلب عائلات جيل جدّتي كانوا يربّون الدواجن فوق أسطح البيوت وكانت زلعة "المِشّ" الفخارية أساسية أيضًا. تظلّ خميرة المِشّ متوفّرة في الزلعة الفخارية، وعلى جدّتي فقط أن تقوم بتزويدها بين آن وآخر، بالحليب، وبقطع الجُبن القريش التي تتحوّل مع الزمن للجبنة القديمة التي لا مثيل لها، ولا حتّى عندكم هنا في فرنسا، يا حنين أغلب البيوت كانت توفّر جانبًا كبيرًا من الطعام البيتي جدّتي سلوى لا تَكِلّ ولا تتوقّف عن خَبز البسكوت والقُرَص والكحك وال"بيتي فور" في البيت. تطلب من جدّتي دُرّيّة، شقيقتها، أن تحضر إليها، لتعجنا العجين معًا، فلم تكن تثق بأحد غيرها، لأن جدّي حسين أيضًا تصيبه حالة قَرَف، لو قام أحد غير جدّتي بوضع يده في الطعام الذي سيتناوله. ولأجلي كانت تصنع "المحوّجة" أو "اللُّقمة الخضراء"، وهذه هي أجمل المخبوزات التي كنتُ أُفضِّل تناوُلها من يد جدّتي، لم تُسعفها حالتها الصّحّيّة، لكي تعدّها لكِ في زيارتكِ السابقة لمصر. ولكنكِ، بإذن الله، سوف تتناولينها معي في المنصورة قريبًا، إن شاء الله. وطبعًا بمُجرّد أن أصل إلى البيت لأقضي معها عدّة أيّام، تُسرع لعمل الحلويات التي أحبّها: الكريم كرامل، الجيلي والمهلبية التي لا مثيل لها في أيّ مكان في العالم هل تذكرين حين أخبرتُكِ مرّة في المنصورة عن مدى جمال مذاق مهلبية تيتة، ولم أجدْ لها وصفًا مناسبًا، فقلت لي: أوكي، فهمت .. طعمها كده بيخلليكي تحسّي بأورجازم- وإلى اليوم أنفجر ضاحكة كلّما تذكّرتُ تعليقكِ، كأنني أسمعه منكِ لأوّل مرّة. كنتُ أضحك، أو بصراحة أُشفق على بابا الذي عاش نصف حياته وهو مضطرّ لتناول إمّا وجبات جاهزة من المطاعم، أو يعدّ بيضًا لنفسه، لأن ماما إمّا مريضة وإمّا مشغولة كنتُ أحسد أمّي على طبخ جدّتي، وكانت هي تتأمّل أمّي بحسرة وبابتسامة سخرية، قائلة: أُمّك دي أسوأ دعاية لأكلي، يا حبيبتي. طول عمرها نفسها مسدودة كان بيت العائلة ملاذي من أكل ماما السّيّئ، ومن الوحدة طبعًا، لأن أغلب وقت بابا وماما ضائع في المستشفيات، لكن الأهمّ أن زيارتي اليومية لبيت العيلة، فرصة لكي أتنعّم بمفاجآت جدّتي التي لا تنتهي، بالإضافة للوجبات الدسمة يوميًا، التي كانت تعدّها خصّيصًا لأجلي، ففي الثلاجة، سأجد أكواب "الكريم كراميل"، أو المهلبية، أو الجيللي كنتُ أغتنم الفرصة في زياراتي، لأنام في غرفة خالي رامي. أتأمّل في كُتُبه الباقية في الغرفة، وأتصفّح بعضها، وأقرأ البعض الآخر أمّا مفاجأة المفاجآت بالنسبة لي، فتتحقّق عندما أدخل عند تيتة، فأجد أطباق "البِصَارة" الخضراء المرشوش على سطحها رشّة "تقلّية بصل" خفيفة. وأقسم لكِ، يا حنين، أن مذاقها ليس له مثيل في أيّ مكان في العالم. ولا أعرف كيف لم ترثْ أمّي مهارة تيتة في الطبيخ؟ يبدو أني أعشق الأكلات الخضراء كلّها: المحوّجة والبِصارة والملوخية وفي أيّام بعينها، أعرف أن موسم صناعة المربّى قد بدأ، حين يتسلّل لأنفي من أسفل العمارة عبق القَرَنْفُل الممتزج بروائح أخرى طيّبة ناتجة عن غليان البلح في العسل والقَرَنْفُل اليوم حتّى بعد انتقال جدّي وجدتي لشقّة جديدة كثيرًا ما أمرّ على البيت. أفكّر أن فكرة اغتراب الشخص عن مكانٍ ما، يرتبط بوجود شقّة الأب فيه، ولكني لم أشعر أن شقّة المختلط هي "البيت"، بقَدْر ما كنتُ أشعر بهذا الشعور في "توريل" ربّما لأن الفترة الأولى بعد مولدي ظلّت أمّي تعيش مع جدّي وجدتي. وارتبطتْ طفولتي المبكرّة بالبيت في توريل، وبالمكان. ولفترة طويلة بعد انتقالنا لشقّة "المختلط" كنتُ أشعر
بالغربة. ولهذا أيضًا أصرّتْ ماما أن تُنظّف لكِ بيت العائلة، لتقيمي فيه عند زيارتكِ للمنصورة لأوّل مرّة. فشقّتنا في المختلط صغيرة، أشفقتْ عليكِ من الإقامة مع جدّو وتيتة في الفترة الأولى لوجودكِ في مصر هل تسمعينني، يا حنين؟ أتمنّى فعلًا أن يصل صوتي لوعيكِ (13) قبل أن أشعر بأنني مُنهكَة تمامًا، وقد أغفو في أيّ لحظة، رتّبتُ الأريكة التي سأنام عليها. وشعرتُ فجأة بأنني مَدينة لحنين بأن تعرف كلّ شيء عن أمّها. بالعكس، فلعلّها لا تحتاج الآن إلى أيّ شيء آخر أكثر من هذا، أن تعرفَ أن هناك ما يربطها بالعالم كانت دائمًا تبحث عن سبب يربطها بمصر، ويبدو أن فشل الثورة كان آخر تلك الأمور أعتقد أن ظهور طنط كريستين في حياتها، حتّى لو عرفتْ أنها ترهبنتْ بسبب تعرّضها لحادث وفقدانها للذاكرة، سوف يكون خبرًا مصيريًا مع ذلك، فضّلتُ أن أبدأ حديثي إليها بالسّرّ الذي عشتُ به وحدي، من دون أن أخبر أحدًا. ولم أجرؤ حتّى أن أُخبرها هي به أبدًا. حكيتُ لها عن رفعت. الرجل الذي أحسستُ معه بمعنى كلمة الرجولة. التقيتُ به بعد دخولي الجامعة. التحقتُ بدورة تدريبية لطَلَبَة طبّ الأسنان، وكان هو الطبيب الذي يقوم بالتدريب. بدا لي وسيمًا، وملامح وجهه متناسقة، وتسلّل صوته لأذني كأجمل صوت ذُكُوري، سمعتُهُ في حياتي. وتجرّأتُ لأطلبَ منه بعد انتهاء ساعات الدورة التدريبية الاستشارة في بعض التفاصيل، لأنني أرغب في التّخصّص في زراعة الأسنان. ورحّب فورًا بلقائي أحببتُهُ، يا حنين، بسرعة جدًّا، وبعد لقائي به، شعرتُ أن الشوكة المغروزة في قلبي منذ رحيل خالد وهجرته إلى كندا أصبحت بلا وجود. كأن رؤية رفعت أزالت هذا الإحساس المزعج في قلبي للأبد كان متزوّجًا. لم يُخبرني شيئًا عن زوجته، لكنه حكى لي كثيرًا عن ابنه وابنته، الاثنَيْن يدرسان في أمريكا، لكنه مهتمّ جدًّا بتعليمهما، ومتابع لتفاصيل كثيرة في حياتهما. شعرتُ أنه يُعوِّضني شيئًا كان ناقصًا في حياتي باستمرار. ورغم أن عمره تقريبًا ضعف عمري، لكني شعرتُ بأنني أُحبّه، وأنني مستعدّة أن أعيش معه لآخر عمري لم أستطع أن أحكي لأحد عنه شيئًا، ولا حتّى لصديقة عمري هناء. لم يكن بإمكاني تلقّي النصائح المتوقّعة في الموضوع. كان حبّي له أكبر من الموانع المتوقّعة كلّها في هذه الحالة. كيف تقعين في حبّ شخص في عمر أبيكِ؟ كيف تحبّين شخصًا متزوّجًا؟ إلخ، آخر الأسئلة التي تعرفينها، يا حنين. أغمضتُ عينَيّ، وتعاميتُ عن كلّ شيء. كان كلامه كلّه بالنسبة لي مختلفًا. كان بعيدًا عن نماذج الشباب الذين عرفتُهم، أو زاملتُهم بمُجرّد أن يبدأ في الكلام، كنتُ أنسى نفسي. أتابع شَفَتَيْه وأسنانه وهو يتكلّم، وأتأمّل عينَيْه ذاتا الرموش الكحيلة، وأبتسم بسعادة لما يقول أيًّا كان: أخبرني مثلًا عن دراسته أيضًا بأمريكا في صغره، وخبراته الكثيرة التي تكوّنتْ بسبب السفر. وحياته لفترات طويلة خارج مصر، قبل أن يعود ويستقرّ في مصر، ويفتتح عيادة لزراعة الأسنان كان بسيطًا جدًّا، وصادقًا جدًّا في كلّ ما يقول. وحتّى حين شعر بأني وقعتُ في غرامه قال لي إنه يشعر بمشاعري، وإنه يستلطفني، ولكنه لا يريد أن أقع في مشاكل، بسبب فارق العمر بيننا. لكني أكّدتُ له مشاعري. سألني إذا كنتُ مستعدّة أن أنام معه في هذه الحالة بلا زواج. فأكّدتُ له بيقين. وقد كان، يا حنين لا أعدّ نفسي متديّنة أو متزمّتة، لكني كنتُ متمسّكة كثيرًا بفكرة العذورة طبعًا، وغشاء البكارة، وهذه الأشياء. كان حجابي لا يُعبِّر عن التّديّن، بقَدْر ما يُعبِّر عن شخصيّتي المحافظة، لكن رفعت تمكّن من فَضّ هذه الأوهام كلّها. في الحقيقة هو نفسه كان يرى أنني صغيرة، وربّما جسدي ليس مستعدًّا للتجربة، لكنْ، في أعماقي كان هناك إحساس غامض يقول لي إنني أحبُّ أن يراني هذا الرجل عارية. أحبُّ أن أرى جمال جسدي في عينَيْه الكحيلَتَيْن، وأحبُّ أن أسمع منه ما سيقوله بصوته حين يلمس جسدي ربّما لن يمكنني الآن أن أخبركِ عن تفاصيل الهُيام، وليالي الحبّ المسروقة، والأحلام التي عشتُ بها طويلًا، فهذا سنتحدّث فيه بالتفصيل المُملّ. لكني أحببتُ فقط أن أحكي لكِ كلّ شيء عن نفسي، كما تفعلين أنتِ معي. الآن أنا لا أُخبِّئ شيئًا عنكِ. هذه قصّة الحبّ التي انتهتْ لأسباب لها علاقة بمرضه واختفائه من حياتي. وربّما كان لها أثر كبير في خطبتي التقليدية لأحمد، وهي العلاقة التي لم أندم على شيء كما ندمتُ على أني مررتُ بها. رفعت وأحمد أثبتا لي أن الخبرات تجعل الفروق والاختلافات بينهما كأنهما عاشا في زَمَنَيْن مختلفَيْن تمامًا. ولولا رفعت ربّما لما انتهت قصّة أحمد بهذه البساطة ***** جلستُ بجوارها، قلتُ لها آن الأوان الآن لحكاية أخرى، حكاية تخصّكِ أنتِ، يا حنين ربّما أكثر من أيّ شخص آخر في العالم. نظرتُ في جفنَيْها المغلَقَيْن، ولاحظتُ أنهما مفتوحان قليلًا، ولم أكن متأكّدة إذا ما كان هذا مُجرّد خداع من بصري أم حقيقة، فقد كان تنفُّسها هادئًا ومنتظمًا أخبرتُها كلّ ما قالتْه ماريان. لم أقتربْ منها لأهمس، بل رفعتُ صوتي، وتحدّثتُ معها كأنها تُنصِتُ لي. قلتُ كلّ شيء. وأخبرتُها قبل أن أنتهي من الحكاية أنني جئتُ لكي تذهب معي إليها لمحتُ طيف ابتسامة على وجهها أخيرًا، عكستْهُ الإضاءة الشاحبة أعلى السرير. كنتُ متأكّدة أنها تسمعني ذهب النوم والنعاس عن عينَيّ، كأنني ارتويتُ من وعاء قهوة كبير. امتلأتْ روحي بالأمل، وعدّلتُ وضع الكرسيّ بجوارها، وجلستُ صامتة ومبتسمة ومترقّبة في انتظار حنين في انتظار أن تفتح عينَيْها في انتظار أن تعود لنا من غيبوبتها، وأن تبتسم لي ابتسامتها الجميلة .. في أيّ لحظة وهكذا جلستُ بجوارها مُعلَّقة بالأمل، وأنا أهمس لنفسي وأردّد كَمَنْ أُصيب بوسواس قَهْري، يلحّ على ذهنه -لن أعود إلى "جزيرة الورد" من دونكِ، يا حنين. "جزيرة الورد": الاسم الذي تُفضّلينه لمدينتنا الجميلة، صدِّقيني. لن أعود إليها بدونكِ. مستحيل وجلستُ أرقب أن تنفتح عيناها في أيّ لحظة. وأن أرى ابتسامتها الجميلة الآسرة. ولمعة عينَيْها البراقة، حتّى يزول هذا الشبح المخيف من حياتي للأبد جلستُ في مواجهتها كأنني أتهيّأ لاستقبالها حين تنهض في أيّ لحظة ناديتُها بصوت عالٍ. ناديتُ مرّة أخرى. انتظرتُ، ولكنها لم تردّ عليّ. لم تنبس بكلمة، ولم تفتح عينَيْها قلتُ لنفسي: لا بأس، سوف ينتهي وقت النوم بعد قليل. لستُ متعجّلة كنتُ أرقب عينَيْها بفضول قاتل وبصبر، ولمحتُ ابتسامة أو طيفها يمرّ على وجهها. شعرتُ أنها فتحتْ عينَيْها، وأنها تبتسم لم يدمْ وقت طويل حتّى تبيّنتُ خداع بصري، لي، لكني لم أفقد الأمل سأترقّب، وسأنتظر، وسوف تبتسمين، يا جميلة. لن أفقد الأمل .. وسوف نعود معًا إلى المنصورة. تمّتْ يونية 2017 ———————————————————————————— هوامش وإشارات
في رواية "مفتاح الحياة" اعتمدتُ على بعض نصوص الكتاب المقدّس* *(قصيدة العينان الخضراوان) وبعض نصوص الشاعر الكبير أمل دنقل منقولة عن أعماله الكاملة الصادر عن المجلس الأعلى للثقافة والفنون *كلمات أُغنيّات ماجدة الرومي من أُغنيّة "مطرحك بقلبي" كلمات: مارون كرم، و"أُغنيّة خدني حبيبي" من كلمات: هنري زغيب، من ألبوم (وداع) الصادر 1977 *كلمات من أغنية "شبابيك" من البوم بنفس العنوان 1981 للفنان محمد منير من كلمات الشاعر مجدي نجيب، ومن أغنية "الناس نامت إلاك" تأليف إبراهيم رضوان، من ألبوم وسط الدايرة 1987 *مقتطفات من الترجمة العربية لرواية "قصّة حبّ" للكاتب الأمريكي إيريك سيغال التي صدرت عام 1970 *ثمّة إشارة لأُغنيّة من أُغنيّات عمرو دياب من كلمات تامر حسين، من ألبوم "شفت الأيّام" الصادر عام 2014. *المقتطَف من رواية "الجريمة والعقاب" من إحدى طبعات كُتُبه، من ترجمة سامي الدروبي من الجزء الأوّل (ص 467-468) *هناك تفاصيل كثيرة استقصيتُها من أصدقاء وأحبّاء، لأنهم من المنصورة، أو لأن لهم معرفة بالتفاصيل التي سألتُ عنها أو أجريت عنها بحثا، ولذا أتقدّم بشُكْر كبير للصديقة العزيزة "آمال رتيب"، على الجهد، وعلى رأيها في مواضع عديدة من نصّ "مفتاح الحياة"، والشُّكْر موصول للصديقة والقارئة الملهمة "هند عوض"، وللصديق الكبير الدكتور "إيمان يحيى"، الذي استفدتُ من بعض تعليقاته في صفحته بالفيس بوك عن المنصورة. وأشكر الصديقة ساره علام أيضا هذا النصّ روائي وتخييلي بالكامل، وإذا ذُكرَتْ فيه أسماء الأحياء والشوارع الحقيقية، فإن كلّ مَنْ ورد فيها من شخصيات في المقابل، هي مُختلَقَة بالكامل وتمامًا من المُخيّلة. ربّما باستثناء اسم الدكتور محمّد غنيم، بوصفه عَلَمًا، ورد ذِكْره كمدير لمركز الكلى الشهير في المنصورة، وربما بعض الأعلام الآخرين، عدا ذلك، فلو تصادف تشابه بين اسم أيّ شخص ومثيل له في الواقع، فسوف يكون ذلك بمحض الصدفة.