ترددت فى الاونة الاخيرة وبقوة مصطلح جديد على مسامعنا وهو ما يطلق عليه " حروب الجيل الرابع" ، والتى تختلف بشكل كبير عن الحروب التقليدية ، حيث تلتقى فيها الجيوش النظامية لتتكبد خسائر متبادلة فى الأرواح والعتاد وتنتهى بهزيمة إحداهما كما هو متعارف عليه فى تاريخنا الحديث، كالحرب العالمية الأولى والثانية والحروب التى خاضتها مصر إنتهاءاً بحرب اكتوبر 1973 والتى وضعت نهاية أمام الفكر العسكرى الغربى ، بأن الحروب التقليدية لم تعد تتناسب لتحقيق انتصارا محققا امام الجيش المصرى وجيوش العالم الثالث بشكل عام ، ليتردد مصطلح حروب الجيل الرابع ، حيث تستهدف فى المقام الأول المجتمع المدنى غير العسكرى من خلال زعزعة الثقة بين الشعوب والحكومات والسياسات التى تتبعها الدولة داخلياً وخارجياً مع تصدير ازمات متتابعة تهز تلك الثقة المتبادلة، فتحدث الهزيمة بتشرذم اوصال الدولة وتقسيمها لاضعافها والنيل منها بدون تحريك معدات عسكرية. بينما هناك مصطلح أخر معروف بالارهاب الاقتصادى ( الإغتيال الإقتصادى) والذى تتبعه مخابرات دول العالم بهدف شل الدولة اقتصادياً من خلال المؤسسات الدولية التى تمول مشروعات قومية او من خلال الإعانات أو مؤسسات المجتمع المدنى الممولة من الخارج وهى إحدى ادوات حروب الجيل الرابع . ومن المحقق ان هذه النوعية من الحروب قد تم ممارستها على عدد كبير من دول امريكا اللاتينية وبالطبع على الدول العربية ، فيما عرف اعلامياً وسياسياً بالربيع العربى وكانت مصر من مصاف الدول التى واجهت ومازالت تواجه تلك النوعية من الحروب ، ونجحت فى افشال هذا المخطط عقب ثورة يناير 2011 ، ليتم بعدها التشكيك فى السياسات التى تتبعها الدولة سواء السياسية او الاقتصادية ، وهو ما تم افشاله ايضاً، ولكن لم تقف ادوات تلك الحرب عند هذا الحد، بل تم تصدير أزمات خارجية الى مصر بدءأ بالارهاب فى سيناء ، ثم ازمات متعلقة بالامن القومى المصرى فى الجبهات الحدودية الاستراتيجية مثل الازمة الليبية وازمة حلايب وشلاتين والمواجهة مع تركيا ، فيما يتعلق بحقول الغاز فى البحر المتوسط كذلك تهديد الامن القومى المصرى فيما يخص مياه النيل من خلال أزمة سد النهضة. ونذكر أزمة سد النهضة كمثال استرشادى لمعرفة اذ كانت إحدى ممارسات حروب الجيل الرابع والتى لا تستهدف مصر وحدها بل على اطراف الازمة ايضاً ؟؟…. فنجد محاولة المد الزمنى للمفاوضات بين الدول التفاوضية ( مصر – السودان – اثيوبيا) والغرض منه ليس إضاعة الوقت على مصر لاستكمال بناء السد، ولكن يقصد منها إحداث نزاع وترسيخه بين الدول الثلاث ليس على مستوى الحكومات، بل على مستوى شعوب الدول الثلاث ايضاً ، خاصة وان لكل دولة وزن نسبى على المستوى الإقليمى وداخل كل دولة اوساط من الطبقة المثقفه والباحثين المتخصصين فى مجال السدود والداعمين والناقدين لسياسة بلاده فى إدارة الملف التفاوضى للسد، وهى النقطة التى يتم استغلالها وممارسة الضغوط على الاطراف التفاوضية لتحقيق مكاسب لأخرين ( ويقصد بالأخرين هم من يديرون حروب الجيل الرابع) ولست بالطبع خبيراً استراتيجياً او ذات صلة بأجهزة مخابراتية حتى امتلك معلومة مؤكده او شبة مؤكده عن من هؤلاء المدراء، ولكن اقصد بتحليلى هذا التحرى ما يدور ويدار ضد مصر وكذلك عمقها الاستراتيجى سواء فى السودان او اثيوبيا كدول نتشارك معها مياه النيل و"المشاركة" فى حد ذاتها تعنى المصالح المشتركة التى تقتضى التعاون لا النزاع، خاصة ان حروب الجيل الرابع لا تفرق بين عدو وحليف بل تستهدف مصالح دول مهيمنة ذات ايديولوجية امبريالية جديدة توسعية بنظرة استغلالية تريد ثروات الدول النامية بدون خسائر من طرفها ولكن الخسائر يتحملها من يقع تحت ادوات حروب الجيل الرابع التى تدار بعقول وافكار ودراسات استراتيجية وثقافية ومعرفة حقيقة بالتركيبة السكانية للدول المستهدفة لتلك النوعية من الحروب. واقع الأمر لابد من نشر الوعى بين شعوب الدول النامية بأن الحروب اصبحت تستهدفهم بشكل مباشر لا تستهدف جيوشهم وحدها ، وليس من الغريب ان نرى هذه الايام ان بدايات نشوب حروب اهلية ظهرت فى اثيوبيا بين الحكومة واقليم تيجراى والذى لا يضع مجال امام " آبي أحمد " رئيس وزراء إثيوبيا إلا ان يستكمل بناء السد لتحقيق مكاسب شعبوية والسيطرة على اى انقلابات محتملة من الاقاليم العرقية بالداخل ، وهذا تحقيق للرؤية التى تؤكد ان الازمات تصدر للدول لتحدث انقسامات داخل المجتمعات ، خاصة المجتمعات القبلية او التى يوجد بها اثنيات لتقسيم ما هو مقسم. ومن هذا المنطلق فإن أزمة سد النهضة هى احدى نتائج ادوات حروب الجيل الرابع والتى لا تمارس على مصر وحدها بل على دول اطراف الازمة، فمصر لديها قيادة واعية بما يحاك ضدها وتتعامل مع الازمة بالطرق الدبلوماسية والتفاوضية التى تجهض بشكل فعال الغرض الحقيقى من وراء تصدير هذه الازمة، وعلى اثيوبيا والسودان ان تعى ذلك وتتعامل على قدر المسئولية للحفاظ على الامن القومى الاقليمى وليس امنهم الوطنى فقط وعدم الإنسياق وراء مدراء الحرب او تحقيق مكاسب شعبوية وقتية وغير استراتيجية. سد النهضة صرح مائى له غرض معلن وهو انتاج طاقة كهرومائية ، ومصر اعلنت ولازالت تؤكد انها لا تقف امام تنمية دول الجوار، وتاريخنا حافل بمساعدة كلاً من اثيوبيا والسودان فى مجالات المياه والطاقة بل وانشاء السدود، ولكن تحقيق مصالح دون الإضرار بالأمن القومى المائى المصرى، وبالتالى فإن نقطة البداية تتحقق مع استهداف المصالح المشتركة وليس المصالح الخاصة، فالتعاون والوعى السياسى والإدراك بما يحاك من مؤامرات دولية هو السبيل الوحيد للوصول الى تحقيق المصالحة، علماً بأن نهر النيل ليس مجرد شريان مائى ينقل المياه بل هو شريان ثقافى يمتد بين شعوب منطقة حوض النيل، خاصة ان التاريخ يحمل بين طياته علاقات ثقافية ودينية وعرقية وحضارية قد جمعت بين الاشقاء الثلاثة " مصر واثيوبيا والسودان" . د. محمد يوسف عبد المنعم