جرائم الإخوان في رمضان.. تجنيد المراهقين والشباب عبر التطبيقات الحديثة    بعد انخفاضات متتالية.. الذهب يحقق مكاسب أسبوعية تتجاوز 60 دولار للأوقية    أسعار الخضروات واللحوم والدواجن في الأسواق اليوم السبت 21 فبراير 2026    أكسيوس: من التخصيب «الرمزي» إلى اغتيال خامنئي.. خيارات ترامب بشأن إيران    حياة كريمة بجنوب سيناء.. قوافل طبية لتوقيع الكشف الطبي على المواطنين مجانا    ضبط كميات ضخمة من الدواجن واللحوم الفاسدة    المرور في رمضان.. سيولة وخدمات ومراقبة    النيابة العامة تحيل محتكري الدواجن للمحاكمة الجنائية    وفاء حامد: الأسبوع الأول في رمضان مواجهة صادقة مع النفس| حوار    اتفاق نهائي، موعد تولي زين الدين زيدان قيادة منتخب فرنسا    أخطرها أول دقائق من الأذان، 8 سلوكيات خاطئة يجب تجنبها على الإفطار فى رمضان    سمية درويش: أغنية «قلب وراح» فتحت قلوب الناس لي    «ترامب» يفرض رسومًا جمركية 10% على جميع دول العالم.. والقرار يدخل حيز التنفيذ فورًا    تحالف مفاجئ وزواج بالإجبار.. مفاجآت في الحلقه 3 من مسلسل «الكينج»    الداخلية تعلن تفاصيل ضبط المتهمين في واقعة باسوس: الطفل ووالده مصابان.. والجناة أقارب الأم    انقلاب تريلا محملة بالطوب الأبيض في سوهاج    دماء بين "النسايب" فى باسوس.. كواليس هجوم "خال الزوجة" على صاحب مصنع وطفله بالرصاص.. المتهم وأبناؤه يمزقون جسد نسيبهم بخرطوش الغدر بالقليوبية..المتهمون يعترفون بارتكاب الجريمة بسبب خلافات أسرية    إدارة دونالد ترامب تخطر الكونجرس بخطة لإعادة فتح السفارة الأمريكية في دمشق    «إفراج» الحلقة 2.. عمرو سعد يقترب من الوصول لشقيقه الهارب    سمية درويش تتحدث عن تأثير سعاد حسني على مسيرتها    مبادرات عظيمة يعرف قيمتها من استفاد منها    6 ميداليات لفراعنة السلاح في خامس أيام بطولة أفريقيا    وزير الأوقاف يتفقد معرض الكتاب بساحة مسجد سيدنا الحسين    الجماعة الإسلامية في المعارضة.. طارق رحمن يقود حكومة بنجالية واسعة تميل لرافضي "حسينة"    راتكليف يتفادى العقوبة من الاتحاد الإنجليزي بعد تصريحاته ضد المهاجرين    سيميوني: لست داخل رأس ألفاريز لمعرفة مستقبله    نوران ماجد في مواجهة يوسف إبراهيم في الحلقة الثالثة من مسلسل "أولاد الراعي"    لليوم الثالث على التوالي.. مصطفى شعبان حديث السوشيال ميديا بمسلسل "درش"    جوارديولا: ما زال رودري ليس في أفضل حالاته بسبب عودته المبكرة من الإصابة    بريستياني لاعب بنفيكا يقر بإهانة فينيسيوس بعبارات للمثليين أمام "يويفا"    الداخلية تكشف تفاصيل فيديو إطلاق الرصاص علي صاحب مصنع ونجله في القناطر    مقتل رجل على يد شقيقة في الأقصر بطلق ناري بسبب الميراث بثاني أيام رمضان    مدرسة شوبير ولا مدرسة إبراهيم فايق في الإعلام الرياضي؟.. سيف زاهر يكشف رأيه    الدبابة في الطريق ل«الليجا».. ديانج يجتاز الكشف الطبي للانضمام إلى فالنسيا    هاني قسيس    للباحثين، صور خيانة الأمانة العلمية في الجامعات وفق دليل النزاهة الأكاديمية    مكاسب في وول ستريت بعد قرار المحكمة العليا رفض رسوم ترامب الجمركية    أشرف محمود: الخاسر الحقيقي في رمضان من قدم الدراما على القيام    دعاء الليلة الثالثة من شهر رمضان.. نفحات إيمانية وبداية رحمة ومغفرة    ما حكم مراسلة مقامات آل البيت بالرسائل المكتوبة؟.. المفتي يوضح    المفتي: إخراج الزكاة نقدا أو حبوبا كلاهما صواب وصحيح    الدولار يواصل الصعود.. طلب متزايد وشح معروض يعيدان الضغوط إلى سوق الصرف    لضخ دماء جديدة، محافظ الوادي الجديد تصدر قرارا بنقل وتصعيد رؤساء المراكز ونوابهم    إسرائيل تتهيأ لضربات عسكرية واسعة ضد وكلاء إيران في اليمن ولبنان والعراق    «مستشفى أبوتشت العام» تجري جراحة لاستئصال كيس على المبيض مع الحفاظ على الخصوبة    بوتين يوقع قانونا يلزم شركات الاتصالات بتعليق تقديم خدماتها بطلب من الأمن الروسى    أخبار × 24 ساعة.. الأزهر يقدِّم طالب بكلية الطب كأول طالب جامعى يؤم المصلين فى الجامع الأزهر    أهم الأخبار العالمية والعربية حتى منتصف الليل.. إجلاء مئات الجنود الأمريكيين من قطر والبحرين تحسبًا لهجوم إيرانى محتمل.. 10 قتلى فى غارات إسرائيلية على لبنان.. ترامب يتعهد برفع الرسوم الجمركية عالميًا 10%    صيام "الجوارح الرقمية".. تحديات الخصوصية الروحية للمرأة المعاصرة    هند صبرى تخطو أولى خطواتها بعالم المخدرات فى مسلسل منّاعة    يوسف عمر يقود ماجد الكدوانى لبداية جديدة فى كان ياما كان    أشهر بائع زلابية فى كوم أمبو بأسوان.. يعمل فى رمضان فقط.. صور وفيديو    أولمبيك مارسيليا يسقط بثنائية أمام بريست في الدوري الفرنسي    توصيات برلمانية بشأن تحقيق استدامة التغطية الشاملة في منظومة التأمين الصحي    أوقاف الأقصر تفتتح مسجدين في الجمعة الأولى من شهر رمضان المبارك    "الأعلى للجامعات" ينظم فعاليات لدعم البرامج البينية وتعزيز التعاون مع جامعة الأزهر    انطلاق المرصد الإعلامي لرصد الدراما الرمضانية للعام 11 على التوالي بالقومي للمرأة    إنجاز مصري مشرف في المعرض الدولي للاختراعات بالكويت 2026    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



د.حازم الرفاعي يكتب: في الطليعة دوما .. وداعا بهيج نصار
نشر في الأهالي يوم 27 - 06 - 2012

كان ناقدا لاوضاع الحركة الاشتراكية مؤمنا بانها سلاح التغيير
تحدث بشجاعة وقوة عن ضرورة الدفاع عن تجربة عبد الناصر
فاجأني منذ ايام خبر رحيل المناضل والقطب الاشتراكي الكبير بهيج نصار. عرفت الخبر وانا اتفقد بعض مرضاي من السيدات الحوامل في عنبر الولادة في العاصمة البريطانية لندن فاختلط الميلاد بالموت والوطن بالغربة وقيود التخلف والتبعية باليات التقدم والاستعمار. اقول عرفت الخبر من خلال ( تغريدة ! ) لبرنامج التواصل الاجتماعي تويتر. ذلك البرنامج وغيرة الذي صارا تعبيرا عما وصلتة الثورة العلمية والتكنولوجية من افاق. افاق تحول العلم لراسمال يتداولة الملايين من البشر وافاق اخري لربط العالم وصنع العولمة بشقيها ، احدهما يمهد للتبعية والاخر يدعم التمرد عليها. وقد كان هذا الموضوع في مقدمة ما انشغل بة بهيج نصار في السنين الاخيرة من حياتة وهو ما عبر عنة في عملة الكبير ( استراتيجية جديدة للثورة المصرية في عصر الثورة العلمية والتكنولوجية ) وكان ذلك قبل ثورة يناير 2011.
و لربما ايضا يبدو غريبا ان يستخدم المرء تعبير المفاجاة والحزن لوصف رحيل رجل تجاوز التسعين من عمره، وسر الغرابة يكمن في صفات عامة حملها بهيج نصار وجيلة الا وهي الوضوح الفكري الشديد في قضايا الوطنية المصرية وما تعنيه في مواجهة الاستعمار ومن ضرورة الكفاح ضد الاستغلال وحتمية التنمية المستقلة. كان للعديد من رموز وكوادر هذا الجيل مناعة ضد ما تروجه دوائر الراسمالية واذنابها حول فشل التنمية المستقلة واوهام الراسمالية الشعبية وتسييد دور المجتمع المدني علي الدولة وما يستتبعه هذا من غياب الاستقلال الوطني وما شابة هذا من ترهات. كان لبهيج نصار صفات اخري خاصة به واهمها هي جديتة وقدرتة علي استشراف المستقبل وهي صفة لازمته حتي نهاية حياته منذ ايام.
مهمة التوثيق
و لقد لفت اسم بهيج نصار نظري للمرة الاولي وانا اطالع وصف الدكتور رفعت السعيد لكيفية بدء اهتمامة بالتوثيق لتاريخ حركة الشيوعية المصرية. وكان وصفه دقيقا فقد وصف حال الشيوعين المصريين عند خروجهم من المعتقلات عام 1964 وعن كيف جاءه بهيج نصار يوما حاملا معة كتابا يحمل ادعاءات واكاذيب ضد الشيوعيين المصريين. وكان استنتاج بهيج نصار ان علي الشيوعين المصريين واجبا وهو كتابة تاريخهم وتاريخ الحركة الوطنية المصريه. وكان هذا ما قام بة الدكتور رفعت السعيد متجاوزا اطروحة الدكتوراة. فلقد تحول برنامج كتابة تاريخ الحركة الشيوعية لعمل كبير فكان الشيوعيون المصريون ياتون من كل فج وقرية ومدينة ونجع حاملين معهم وثائقهم المحظورة وتحول العمل وما نتج عنه الي مدرسة للنضال والمعرفة لاجيال جديدة تبحث عن الاشتراكية بين ضفاف تلك الكتب وما صاحبها من جدل فكري كبير.
اقتربت من بهيج نصار في السنوات الاخيرة اثناء الاعداد للاحتفال بالذكري الخمسين لاغتيال المناضل شهدي عطية الشافعي، ذلك الاحتفال الذي تم في حزب التجمع تحت شعار( الشعب يريد حزبا من نوع جديد) وهو عنوان مقال لشهدي عطية عام 1947. وخلال الاعداد لهذا الاحتفال تفاعلت مع بهيج نصار ودارت بيننا قبلة وبعدة واثناءه العديد من الحوارات ومما اذكرة من هذه الحوارات هو رؤيتة المتميزة لازمة الثورة المصرية بين عامي 1953 مارس 1954 حينما تداخلت تخوم قوي الثورة مع قوي الثورة المضادة فاختلط الحابل بالنابل وغاب وضوح الرؤية. ولقد درجنا لسنوات طويلة علي تمجيد دور المناضل خالد محيي الدين في هذه الازمة باعتبارة رمزا عظيما للدفاع عن الديمقراطية لماثرته في الاستقالة من مجلس قيادة الثورة اثناء تلك الازمة. الا ان بهيج نصار كان يري الامر بشكل مختلف فقد كان يري ان الصدام الذي حدث حينئذ كان صداما بين الثورة ويمثلها جمال عبد الناصر والثورة المضادة من جانب اخر. كان بهيج نصار يري ( رغم تقديرة العالي لخالد محي الدين) ان تمجيد هذا الموقف في هذه الازمة يقف بمعزل عن تاريخ الحركة الشيوعية المصرية ومنظمة الحركة الديمقراطية للتحرر الوطني (حدتو). وقد كان تنظيم الضباط الاحرار مستندا تنظيميا وسياسيا علي منظمة حدتو التي شاركت وساهمت في صنع ثورة يولية وخلقت التفاعل الضروري مع عبد الناصر لدفعة لافاق اكثر تقدما.
و لقد سمعت بهيج نصار يتحدث بشجاعة وقوة عن ضرورة الدفاع عن تجربة عبد الناصر وصراعة وتحالفة مع الشيوعيين ككل متكامل. وقد وثق لهذا الموقف كتابة حيث يقول ( لقد ترك عبد الناصر والماركسيون المصريون وديعة من الخبرات الغنية للاجيال القادمة من قوي الثورة المصرية هي ثمرة نجاحات باهرة حققها الطرفان واخفاقات جسيمة تم ارتكابها لتعينها علي تحديد معالم الثورة المصرية… فماذا فعل القادة بهذة الوديعة ؟ )( من كتاب حوار مع اطروحات حزب التجمع 0102 صفحة 9).
الأيام الأخيرة
في الشهور الاخيرة من حياة بهيج نصار كنت ازورة في منزلة بالدقي حيث كان يعيش وحيدا بعد رحيل زوجتة وشريكة حياته. كان الرجل يحيا في منزل معتم يخيم علية الصمت فيرتب كل امورة الشخصية بذاته من ضرورات الحياة اليومية رغم محدودية قدرته علي الحركة وما يعانية من الام من هذا. كان علي اتصال دائم برفاقة بهدوء من يعرف انه يوشك ان يغادر مسرح الاحداث او الحياة ذاتها فقد كان لا يعنيه الا ان يساهم ويرتب لاجيال قادمة ستتحمل المسئولية.
كان ناقدا لاوضاع الحركة الاشتراكية اليوم الا انه كان مؤمنا بشدة ايضا بضرورة (ان نعمل معا حتي النهاية مهما ضعفت امكانيات المساهمين في العمل وتعقدت الازمه). كان يضرب المثل بحال الاشتراكيين المصريين بعد حل تنظيماتهم المستقلة عام 64 ثم اعادة تكوين التنظيم الشيوعي في بدايات 75. كان يقول (هناك في المستقبل من سيبحث عنا مثلما جاء الشباب يبحث عنا بعد هزيمة 1967) كان يتحدث عن واقع اليوم قائلا( سيبحثون عنا او عما تركناه لهم من ترتيبات واوضاع). كان بهيج نصار ناقدا لاوضاع حزب التجمع ويبدو هذا بوضوح في كتابة الجاد المفصل الذي تابع فية التطور الفكري لوثائق الحزب حتي نهاية عام 2009 الذي ارتأي فية في صفحة 129 ان (برنامجا حزب التجمع وضعا في ظروف ردة نضال الشعوب وقوي ثوراتها بينما الشعوب تعيش الان ظروف ازمة حادة يتعرض لها النظام الراسمالي العالمي مشكلة عالم مختلف عن عالم ما قبل الازمة يتطلب معالجة مختلفة لقضاياه ). هذه العبارة وغيرها كتبت توقعا لعالم قد يثور قريبا علي اوضاعة وهو ما قد حدث في ثورة يناير في مصر وما يحدث اليوم في اليونان والبقية تاتي. اقول كان بهيج نصار ناقدا لاوضاع حزب التجمع مثلة مثل محمد الجندي واخرين من قبلة الا انه ايضا كان مثلهم ينقد من موقع المسئولية وموقع المناضل الذي يفرق بدقة بين جوقة انشاد الخصوم والاعداء وبين من يعرفون صعوبة ودقة الاختيارات وما يتبعها ويستلزمها من مواقف جادة اقلها الاستمرار في ابسط اشكال العمل المشترك وهو ما كان مهجورا من اصحاب اعلي الاصوات نقدا.
الإسلام السياسي والامبريالية
اقول هذا واشير الي انه بالرغم من الرؤية النقدية لبهيج نصار لمواقف حزب التجمع فإنه كان يوافق بوضوح علي موقف حزب التجمع من الاسلام السياسي وقد وصل في هذا لآفاق محددة شديدة الوضوح والجراة، فهو يفرد كتابا كاملا لمناقشة هذا الموضوع (جماعات الاسلام السياسي واليسار المصري). يقف في القلب من هذا الكتاب فصل ( توافق جماعات الاسلام السياسي مع سياسات الامبريالية) يستعرض فية توافق جماعات الاسلام السياسي مع سياسات قوي الامبريالية وتوثق العلاقة بينهما في احداث افغانستان ..، وارتباط سياسة المملكة العربية السعودية مع مخططات امريكا وكذلك سياسات الحزب الاسلامي الحاكم في تركيا مع مخططات حلف الاطلسي….ثم هناك محاولات اوباما عقد مصالحة مع الاسلام). في هذا الكتاب الصغير يدرك بهيج نصار (ان العلمانية والديمقراطية والحداثة هي معالم لا وجود لها مستقلة بذاتها فوجودها مرتبط بمجتمع معين ..فهكذا تكون العلمانية والديمقراطية مرتبطة باوضاع فرنسا الطبقية ، اما خارج فرنسا وراسماليتها التي تسعي للسيطرة علي بلدان اخري فلا ديمقراطية ولا علمانية صفحة 26 من نفس الكتاب). يصل بهيج نصار في الصفحة الاخيرة من كتابة هذا الي اهم استنتاجاته قاطبة وهي ان( مهام حزب الاشتراكية العلمية في بلدان العالم الثالث هي تصفية سياسات جماعات الاسلام السياسي السلفية الماضوية ويذهب في هذا الي ان هذه المهمة اصبحت تواكب في اهميتها مهمة تصفية سياسات الاميريالية وعولمتها في مصر وما يشابهها من بلدان.)
نشات الحركة الاشتراكية المصرية في بلد محتل يعاني الفقر والتخلف، فتحددت هويتها الفكرية والنضالية بناء علي هذا. كان بهيج نصار من جيل تابع معركة فكرية كبيرة وهي المعركة التي خاضها تنظيم حدتو حول تعريف (قوي الثوره) في مصر. تلك القوي التي اسمتها حدتو خط القوات الوطنية الديمقراطية. كان هذا الفكر في حينة خارج عن مفاهيم الماركسية التقليدية المتمترسة خلف عبارة (حزب الطبقة العاملة). لم يكن بهيج نصار في الاصل عضوا في حدتو ولكنة استطاع ببصيرته وروحه العملية ان يتفهم ان اي خط سياسي اخر سيكون خطا نظريا منعزلا عن الجماهير. تبنت حدتو هذا الموقف المتفرد وحدد هويتها وهوية امتداداتها في التاريخ المصري الحديث. كان هذا الخط السياسي هو ما دفعها لتغليب مفهوم الاعمال الجبهوية كالعمل وسط االجيش ووسط الاقليات والفئات المختلفة في مصر من نوبيين وسودانيين وازهريين الخ. وكان هذا المفهوم هو سر النجاحات الباهرة التي حققها الشيوعيون في الكفاح المسلح في القناة في عام 1951 ثم في التحامهم العضوي بتنظيم الضباط الاحرار وبثورة يولية ثم بقيادة المقاومة ضد العدوان الثلاثي في 1951 ثم في تبنيهم لفكرة بناء حزب واحد مع جمال عبد الناصر. تبني بهيج نصار هذه المواقف وظل يعتبرها مواقف نضالية فاصلة للحركة الاشتراكية المصرية.
بالرغم من ابداعات الحركة الاشتراكية في مصرفإن هناك قضايا اخري ذات طابع اممي لم تكن علي قائمة اولوياتها ومنها سباق التسلح في السبعينيات ثم قضايا البيئة والارهاب حتي وقتنا هذا. ودون حركة انصار السلام في الخمسينات ظلت الحركة الشيوعية المصرية منغمسة في قضايا مصر والمنطقة. كان بهيج نصار قادرا دوما علي اضفاء الملمح الاممي والكوني لنضال اليسار في مصر والعالم. وانني لا اعتقد انني قرأت لاي من الاشتراكيين المصريين مقالا او دراسة عميقة بشان هذه القضايا الا لبهيج نصار وظل هذا واضحا حتي ايامه الاخيرة فهو يقول..( تواجه الشعوب الان قضايا كونية تهددها بكل طبقاتها وعلي اختلاف انماط انتاجها بدمار شامل بسبب توحش استغلال اشد القوي الراسمالية رجعيه، ويقتضي ذلك تعاون بين اطراف من مختلف الطبقات لتجنب هذا الدمار ، وكان اول ما نشا من هذه الاخطار هو الاسلحة النووية وغيرها من اسلحة الدمار الشامل ثم لحقتها اخطار اخري بسبب العدوان علي البيئة وتدمير انساقها …و كانت اطروحات الاشتراكية العلمية تري ان تجنب هذه الاخطار سيتم مع تشييد الاشتراكية ..غير انه من اللازم العمل فورا لتجنب هذه الاخطار حتي لا يحل الدمار فلا تكون راسمالية ولا تكون اشتراكية..) صفحة 231 دليل الاشتراكية العلمية).
الاشتراكية كعلم
كان بهيج نصار مهتما بالاشتراكية كعلم تغير المجتمع وسلاح الثوار في التمرد علي الاستغلال. كان مهتما ببنيانها النظري ورؤيتها ككيان حي يستلزمة تطويرا فلسفيا ونظريا دائما. كانت (الاشتراكية العلمية )في نظرة هي العلم الذي توصل في مطلع القرن الماضي الي افلاس سياسات الراسمالية وكشف طبيعة الاستغلال اللاانساني المصاحب لها. وعندما هبت ثورة يناير 2011 كنت اناقشة عن ضرورة ان نسعي معا لايجاد كتاب يبسط مفاهيم الاشتراكية لشباب الثورة المصرية الذي اتي يبحث عنا ورفع شعارة الخالد ( عيش حرية عدالة اجتماعية).
كانت ثورة يناير وستظل انتصارا هائلا لقوي الاشتراكية في مصر، فها هي الامة تهب مطالبة بشعارات الاشتراكية التي دخلت في ضميرها وتمثلتها صارت بسيطة مفهومة محسوسة قريبة المنال. كانت هبة يناير هبة وطنية معادية للتبعية في محتواها كذلك منذ اليوم الاول. فلقد فتحت ملفات سيناء والغاز ، كرامة المصريين العاملين الكادحين في دول النفط، فتحت ملفات علاقة مصر بالسعودية وكذا المسكوت عنة في احداث وطنية غامضة كالطائرة المصرية التي سقطت حاملة الطيارين المصريين علي تخوم نيويورك او ذاك للضابط المصري السجين غيلة في الولايات المتحدة (عبد القادر حلمي) بعد انتهاء فترة سجنة في الولايات المتحدة بتهمة التجسس لصالح مصر. لم يكن بهيج نصار ذو التسعين عاما مغيبا عن هذا واقتنع بعد الحاح مني بضرورة العمل من اجل كتاب جديد موجة لشباب الثورة المصرية ولحزب الاشتراكية العلميه. اقترحت اسما للكتاب وكان في ذهني مماثلا لكتاب برنارد شو ( دليل المراة الذكية الي الاشتراكية والراسماليه). ذلك الكتاب الموسوعي البسيط الخفيف الظل الذي اثر في شابا ووضح لي الكثير من خلفيات الفكر الاشتراكي.
اختفي بهيج نصار او اختفيت انا واذا به ياتي بالعمل الذي جاء مختلفا تماما عما توقعت. في اواخر عام 2011 نشرت دار الثقافة الجديدة كتابه الاخير وهو ( دليل الاشتراكية العلمية لشباب الثورة المصريه). جاء الكتاب ككل كتاباته ثقيلا صعبا فهو يكتب جملا طويلة محملة بالمعاني الفلسفية والسياسة قد تغيب عن القارئ البعيد عن هذا العالم. يصف الكتاب بصفاء كيف ان المعلومات والمعارف والعلوم صارت هي المدخلات الاساسية في صنع الثروة وكيف صارت هي المحرك الاساسي لتنمية العولمة. ووصف في كتابة عجز الاتحاد السوفيتي عن توطين الثورة العلمية التكنولوجية بين الجماهير علي اوسع نطاق وبلا عقبات الامر الذي نجحت الولايات المتحدة في تطبيقة وجعلة متاحا للمواطن الامريكي علي اوسع نطاق.
اتي كتاب بهيج نصار مختلفا عما تصورت ولكنة كان متسقا مع مناضل كبير ومفكر ثقيل بقي علي ولائة للاشتراكية العلمية وحزبها واعيا بضرورة تطويرها مع الواقع المتجدد. كان بهيج نصار لذلك واعيا بمسئولية المثقف المصري فهو يقول ( ان القضية المطروحة هي قضية مصر واشباهها من بلدان العالم الثالث ، وليس منتظرا ان نجد حلولا لهذه القضية فيما طرحه رواد الاشتراكية العلمية الاوائل في بلدان الراسماليات المتطوره. انها مسئوليتنا اساسا املا في ان يصبح لدي المفكر والمناضل المصري مرجعية مصرية تضاف الي مرجعياته الاخري.). تصدي بهيج نصار كسمير امين وفوزي منصور وابراهيم سعد الدين وفؤاد مرسي ومحمود امين العالم لقضية جد صعبة مهمة وهي تطوير الاشتراكية العلمية. يقول بهيج نصار في بدايات كتابة الاخير هذا ( كان مفكرو عصر النهضة والتنوير قد اكتشفوا ان الانسان لة تاريخ هو صانعة وصاحبة وليس منزلا مفروضا عليه). يكفي بهيج نصار فخرا انه هو ورفاقة المناضلون منذ اوائل الاربعينيات كانوا صناعا للتاريخ في مصر ولصنع اليات التغيير والمستقبل فيها حتي النفس الاخير.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.