تقدم لنا ضحى عاصي، في روايتها (104 القاهرة ) لوحة نابضة لمجموعة من البشر غالبيتهم من النساء، الذين يواجهون تحديات مصيرية، فرضتها عليهم تغييرات خارجية. وهو ما ينعكس على أسلوبهم في التعاطي مع الحياة كل حسب قيمه الروحية و سماته الشخصية وموقعه الاجتماعي. وهو الشىء الذي يجعل لكل منهم حراكا مميزا خاصا به وحده، يتجاور مع حراك آخر لشخصية أخرى ويتفاعل معه في عرض شيق و حي وحقيقي بطولته للنساء اللواتي يتحلقن حول انشراح بطلة الرواية والتي تمثل بؤرة مركزية تتفرع منها الحكايات تتلاقى لتكتمل الصورة وتتقاطع ليبرز الاختلاف عن قرب لكن ما لاشك فيه أن الأحداث كلها تمثل ما هو يومي ومعاش, ببساطة ومباشرة ماكرة،لأن خلفية الأحداث تمثل عمقا للسرد وبعدا ثالثا، فلا ننزعج حينما ترد الأشياء إلى أصلها أو تأخذنا لعوالم السحر والشعر والجن والعلم والتصوف والسياسة وهو ما يتكشف لنا من خلال التناول الفني لبناء للرواية. 1- حينما تكون البطولة في رواية ما للمرأة يطرق ذاكرتنا اسم جدتنا الحكاءة الأولى, شهرزاد. وعندما يتشابك النسيج الحكائي للنساء في الرواية تقفز إلى رأسنا حكاياتهن عن الرجال باعتبارهم الطرف الآخر في الحياة، وهو ما يدفعنا للوهلة الأولى كمتلقين إلى توقع تقليدي لجلدٍ ما، لهم. أو لهتافات ما ضدهم, و تتقافز أمامنا نظريات النقد النسوي على اختلافها. فهل تقدم لنا ضحى عاصي وبطلتها انشراح ما يكسر هذا التوقع المُعَدّ سلفًا لرواية كاتبتها من النساء وتتحدث بالفعل عن النساء، في مجتمعنا؟. رغم الكتابات الكثيرة عن نظرية نقد نسوية إلا أنني أميل إلى قراءة العمل من منظور ينأى بي عن ارتباك المصطلح فحتى الآن توجد من يشجعن وتوجد من تعارضن. حينما نقرأ آراء ماري ايجلتون و باتريشيا سباكس وقبلهما فرجينياوولف من ناحية. تقف آراء لوسي أرجاري وجوليا كريستيفا في صف المعارضة على الناحية الأخرى. ولذا أفضل أن أتعامل مع الرواية بعيدا عن إطار الهوية النسوية لإيماني أولا: لصعوبة تأطيرها بملامح قابلة للقياس الكافي اللازم للتنظير وثانيا: لإيماني بأن الحراك اللغوي والاجتماعي والخبرات الحياتية بل والظروف السياسية ذاتها بيئة متغيرة ومؤثرة بشكل كبير فكيف يكون النتاج الأدبي ثابت الملامح. إنها ببساطة رواية واقعية اشتراكية تعنى بقضايا المجتمع، وتصويب مساره، بعيداً عن الانهيار وخوفا من التمزق. لا فرق لدي إن كانت من منظور أنثوي أو ذكوري. 2- يرسم مخطط الرواية شجرة نسائية بامتياز تبدأ من الجذر الذي هو الجدة نرجس, والجذع الذي تمثله شخصيتان هما حياة و ضرتها فاطمة ثم الفروع الرئسية التي ثمثلها ستة أفرع خمسة أولاد وبنات لحياة واختهم بيسه من فاطمة وهم الأبناء،ثم تتوالى التكوينات المتشابكة لما يتوالد من فروع أصغر لتمتلئ فراغاتها بأووراق هي الأحداث والتي لاشك تختلف في ظهورها أوتواريها وفق زاوية الرؤية وكمية الإضاءة التي تسقط عليها ليكتمل الشكل النهائي الذي تقدمه لنا الروائية. من هذا المنظور تبرز لنا الشخصيات بتسلسها التاريخي الضارب في عمق الماضي والمتجه لحاضرها و التي تحمل معها ملامح عصرها عبر تداعيات ملحوظة أو ملفوظة تترك أثرها لدى القارئ وتتشارك معه ذاكرته أو معرفته أو ثقافته و تجر معها عائلتها التي هي قصتهاومجتمعها وزمنها كالتالي: الجدة نرجس: التي تركت بيت المناديلي الذي كان يسمى القصر وفضلت أن تخرج منه هي وأولادها, بعد وفاة زوجها فلم يكن لها فرصة للعيش به بعد أن رفضت عرض الزواج المقدم من أخيه المحامي. ذهبت لتسكن في تحت الربع وتعمل خياطة. فضلت أن تبقى وفية لزوجها الراحل- والذي كان يكبرها بثلاثين عاما- لترعى أطفاله متمسكة بوفائها ووصية لم يمهله الموت أن يكملها ورحل. حياة المناديلي: ابنة نرجس التي تعمل تمرجية و تزوجت من عويضة وانجبت منه خمسة أولاد منهم انشراح . وتزوج هو عليها فاطمة الراقصة وانجب منها بنتا هي بيسة. ودخل السجن وانشراح طفلة ابنة أربعين يوما. هذه السيدة ظلت وفية لزوجها ورفضت الطلاق منه عندما سجن ولم ترضخ لرغبة اخوتها الذكور أبناء نرجس وأيضا تركت تحت الربع حيث يسكنون وانتقلت إلى درب شغلان لتكمل حياتها ورسالتها. ليلي: زوجة سيد ابن حياة المناديلي وأخو انشراح. والتي سكنت أولا في درب شغلان ثم انتقلت و زوجها الى المعادي في فيلا ثم عادت ثانية الى دار السلام بعد بنائهم لعمارة تسكنها هي و ابنها طارق و ابنتها هدى. 2- انشراح، تلك التركيبة الهجين من الثقافات التي تشبه الأبطال الشعبيين في الملاحم تحرك الأحداث دونما ضجيج وفاعلة دونما استعراض للبطولة, تلك السيدة التي اكتسبت من المهارات الاجتماعية ما جعلها صاحبة كاريزما رغم فقرها وعدم استكمال تعليمها بل وانكسار أحلامها أيضا وبرغم ذلك كانت قادرة على العطاء طوال الوقت. قادرة على الإبداع ذات حيلة. وعفوية و متساهلة ومحبة للحياة. وفوق ذلك، ملهمة وفصيحة بل وتطلق الأفكار وصاحبة رأي إذاء الأحداث. في كل ما يجري في حياة الأشخاص المحيطين بها والمشتبكين في دراما الرواية. و هي البطلة بلا منازع مخزن الفلكلور وسيدة الحقيقة و بئر المرأة العميق وصوت الحقيقة العارية الذي لا يحاكم أحدا و لايشوه أحدا ولا يقيم المعركة المتوقعة مع الرجل الشرقي فيجلده أو يوحي بأنه مغتصب أو متكاسل أو جبان فيما يخص المرأة التي يتعامل معها أو يتمتس معها في طريق الحياة. إنها تؤمن ببساطة بإنسانية الإنسان. بطاقة الخير التي لا تنتهي والتي لا تعرف فرقا بين مصري أو أجنيبي عاش بها و تمسك بترابها أو عاد إلى بلاده.إن ضحى عاصي، في هذه الرواية التي أمتعتنا بها وقدمت فيها حياة متشابكة على مرآة الواقع لم ترتد زي العالم ببواطن الأمور ولم تتعال على القارئ و لم تقدم رؤية واحدة أو زاوية واحدة نري من خلالها كل هذه الدراما لكنها تركت للمتلقي مساحة خاصة به يكون رؤيه الخاصة بما يتفق والنظريات المتجهة إلى القارئ.