د. سلوى العنترى تنفيذا لتعهدات الحكومة المتعلقة بقرض صندوق النقد الدولى أعلن البنك المركزى المصرى يوم الخميس الماضى تعويم الجنيه ليتم تحديد سعر صرفه أمام العملات الأجنبية المختلفة وفقا لظروف العرض والطلب. اليوم الأول للتعويم بدأ بسعر صرف 13 جنيها وانتهى بسعر صرف يدور حول 16 جنيها. الرهان فى قرار التعويم هو أن يصبح سعر الصرف الذى تتعامل به البنوك مماثلا للسعر الذى يتم به التعامل خارجها، وبالتالى تختفى السوق السوداء ويعود حائزو النقد الأجنبى إلى استبداله داخل البنوك. قرار التعويم صاحبه إعلان البنوك العامة عن طرح أوعية ادخارية بأسعار فائدة تصل إلى 20%، لحث من يحتفظ بالدولار على بيعه وشراء تلك الأوعية الادخارية والإفادة من العائد المرتفع. البنك المركزى أصدر أيضا تعليماته للبنوك بعدم تقاضى أى عمولات عن صرف حوالات المصريين العاملين فى الخارج. التصريحات الرسمية تؤكد أن تلك الإجراءات ستؤدى إلى زيادة عرض النقد الأجنبى لدى البنوك واستقرار سعر الصرف، بما يوفر المناخ اللازم لعمل الاستثمار المحلى والأجنبى. قراءة تعليمات البنك المركزى للبنوك العاملة فى مصر بشأن التعويم تشير إلى أمر بالغ الأهمية. التعليمات تنص على إلغاء منح الأولوية للسلع الأساسية عند تدبير النقد الأجنبى للمستوردين. إذن البنوك أصبحت ملتزمة بتوفير النقد الأجنبى للمستوردين أيا ما كانت طبيعة السلع التى يريدون استيرادها، يستوى فى ذلك أن تكون سلعا ضرورية أو كمالية. البنوك أصبحت ملتزمة أيضا بتوفير النقد الأجنبى لكل من يريد السفر للخارج، سواء كان ذلك للعلاج والدراسة أو كان للسياحة والتسوق أو العمرة المتكررة. السؤال الآن هل ستكفى موارد البنوك لتغطية كل تلك الطلبات؟ وإذا كانت مواردها لا تكفى، والبنك المركزى لن يتدخل لتغطية العجز فى تلك الموارد، فهل يعنى ذلك أن علينا توقع المزيد من الانخفاض فى قيمة الجنيه المصرى؟ هل تراهن الحكومة على التزام التجار بتعهداتهم بوقف استيراد السلع غير الأساسية لمدة ثلاثة شهور؟ أم تراهن على أن يؤدى الارتفاع الكبير فى تكلفة استيراد السلع إلى تخفيض حجم الواردات؟ و كيف يكون الحال إذا كانت هذه الورادات سلعا ضرورية؟ التصريحات المتوالية من المسئولين تزعم أن تعويم الجنيه لن يؤدى إلى المزيد من ارتفاع الأسعار لأن التجار والمنتجين كانوا يحددون أسعارهم بالفعل وفقا للتكلفة التى تكبدوها فى شراء النقد الأجنبى من السوق السوداء. ولكن المسئولين يعرفون ونحن نعرف أن أسعار واردات السلع الأساسية وعلى رأسها الأدوية والمواد الغذائية ومستلزمات الإنتاج والوقود كانت تحتسب على أساس سعر الصرف الرسمى والذى قفز الآن من 8.8 جنيه إلى ما يقرب من 16 جنيها. أما بالنسبة للسلع التى كان التجار يحسبون تكلفة استيرادها بسعر صرف السوق السوداء، فالمؤكد أن الجمارك على تلك الواردات كانت تحتسب وفقا لقيمتها بسعر الصرف الرسمى. الآن سيتم دفع تلك الجمارك وفقا لقيمة السلعة بالسعر المعوم. رئيس مصلحة الجمارك صرح بعد بضع ساعات من قرار التعويم بأن تطبيق السعر المعوم قد أدى إلى رفع الرسوم الجمركية بما يتراوح بين 25% – 30%. وبما أن الرسوم الجمركية ستتحدد دوما وفقا لسعر الصرف المعوم، والمرشح للارتفاع المستمر فى الأجل المنظور، فإن هذا يعنى المزيد من الارتفاع فى الرسوم الجمركية التى تضاف إلى سعر السلع، والتى يضاف إليها بعد ذلك الضريبة على القيمة المضافة. إذن قرار التعويم سيؤدى إلى التهاب أسعار كل أنواع السلع المستوردة ضرورية كانت أو غير ضرورية. ومن ناحية أخرى فإن قرار التعويم أعقبه إعلان رفع أسعار كل أنواع المنتجات البترولية بنسب تتراوح بين 30% – 45%. كلنا يعرف أن المنتجات الزراعية سيتم تحميلها بأثر ارتفاع أسعار السولار المستخدم كوقود لآلات الرى والزراعة والحصاد، وارتفاع أسعار السماد الذى يعد الغاز الطبيعى أحد مكوناته الأساسية. كلنا يعرف أن رفع أسعار المنتجات البترولية يعنى رفع ثمن أنبوبة البوتاجاز وتكلفة إنتاج السلع المصنوعة ورفع تكلفة نقل البضائع وتكلفة التاكسى والميكروباص ووسائل النقل العام، وأن الأثر النهائى هو ارتفاع أسعار كل السلع والخدمات. المؤكد أن تخفيض قيمة الجنيه بنحو 50% ورفع أسعار المنتجات البترولية بنسب تتراوح بين 30% – 45%، يعنى الإطاحة بجزء معتبر من القوة الشرائية لدخول القاعدة العريضة من المواطنين أصحاب الدخول الثابتة و المحدودة والإطاحة بمستوى معيشتهم. هل يعقل أن يكون كل ما تقدمه الحكومة لمواجهة ذلك الزلزال هو زيادة دعم البطاقة التموينية بثلاثة جنيهات للفرد؟ أكيد الحكومة بتهزر معنا!