وكأن التاريخ.. يعيد نفسه من وعد بلفور لهيرتزل.. لوعد ترامب لنتنياهو ..من لا يملك أعطي لمن لا يستحق. فبعد مائة عام بالتمام والكمال، تعيد الدول الكبري مؤامراتها حول القدس، ففي المرة الأولي جاء وعد بلفور ليعطي اليهود وطنا لا يستحقونه، وفي المرة الثانية جاء قرار ترامب ليعطيهم أرضا تمثل الكثير لأصحاب الديانات الثلاثة: المسلمين والمسيحيين واليهود، رغم توافق العالم كله من شرقه لغربه، علي أن وضع القدس متروك للمرحلة النهائية في مباحثات التفاوض بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وهم وحدهم الذين سيقررون. وعلي أساس مبدأ الدولتين وضع القدس بالضبط: شرقية كانت أم غربية ووضع عاصمة كل دولة. جاء قرار ترامب أيضا ليترك العديد من التساؤلات التي مازالت بلا أجوبة حتي الآن. وأول تلك التساؤلات هو: أن البيان مطاطي وليس محددا بالمرة فهو لم يحدد أي قدس يقصد شرقية أم غربية؟ ووفقا للأرض فالقدس هي مدينة عربية تحوي الكثير من المقدسات وأبرزها: المسجد الأقصي وكنيسة القيامة، وفي حرب 1948 وماعرف ب "النكبة".. استطاعت العصابات اليهودية وعلي رأسها الهاجانات، احتلال نحو 78٪ من أرض فلسطين مع احتلالها أجزاء كبيرة من القدس، فسميت المنطقة التي احتلوها بغربي القدس، والمنطقة التي بقيت تحت سيطرة القوات الأردنية بشرقي الأردن، وعلي الفور بدأت إسرائيل في العمل الجدي في غرب المدينة وضمت إليها العديد من المعالم والمنشآت والمؤسسات التابعة للحكومة، وبالفعل ضمت مباني مثل البرلمان "الكنيست" ووزارة العدل ومجلس الوزراء، ومتحف إسرائيل الذي يضم لفافات وقراطيس الكتاب المقدس أو مايعرف ب (مخطوطات البحر الميت) إضافة لمبني المحكمة العليا وسلسلة جبل الذكري التي تضم قبور الجنود الإسرائيليين القتلي، وقادة وزعماء الدولة الوليدة، والجامعة العبرية وجامعة القدس وبعض المنشآت الثقافية والاجتماعية اليهودية. وبقي المسجد الأقصي في قلب المدينة القديمة في القدسالشرقية بأيدي الأردنيين والعرب، إلي أن جاءت النكسة في عام 1967، واحتل اليهود شرقي القدس، ورغم صدور قرار مجلس الأمن 242 الذي يقضي بأن تعيد دولة الاحتلال ما احتلته عام 1967 ومن بين تلك الأراضي: القدس، إلا أن القرار لم ينفذ أبدا ومنذ عام 1967 قامت إسرائيل بمصادرة ثلث أراضي القدسالشرقية وبناء المستوطنات، في البلدة القديمة التي يعيش فيها حسب الإحصائيات الرسمية الإسرائيلية عام 2015 نحو 300 ألف مستوطن. وحسب مكتب الإحصاء الإسرائيلي.. فإن المستوطنات الإسرائيلية قد توسعت بشكل مخيف، ومع بدايات العام الماضي فقط، يستوطن حوالي 407 آلاف مستوطن في الضفة الغربية، ونحو 375 ألفا في القدسالشرقية، والنتيجة أن نحو 59٪ هي أغلبية اليهود الذين يعيشون علي الأرض فعليا في القدس وبالذات في شمالها. • ماذا يعني ذلك؟ - يعني كما تقول صحيفة واشنطن بوست الأمريكية إن إسرائيل موجودة فعليا علي أراضي القدسالشرقيةوالغربية إما بمنشآتها الحكومية والهامة، وإما بالتواجد الفعلي بالسكان اليهود عن طريق المستوطنات والتي يتم بناؤها علي قدم وساق منذ العام 1948 وحتي الآن، أي منذ مايقارب السبعين عاما، كما أن إسرائيل استغلت قرار ترامب الأخير بالاعتراف بالقدس عاصمة للإسرائيليين، في الإعلان بعد يوم واحد من القرار بالنية لبناء نحو 14 ألف مستوطنة جديدة بالقدس، لتضيف سكانا جددا قد يغيرون من الطبيعة السكانية للبلدة القديمة، ويجعل الأمور واقعية أكثر عند أي مفاوضات محتملة للحل النهائي مع الفلسطينيين. كل تلك الأمور علي الأرض وبالذات في القدس جعلت الإدارة الأمريكية تمهد للقرار بعدة خطوات: أولها كما تذكر صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية ألا يشار بالموقع المقترح بالضبط للسفارة الأمريكية في القدس وإن كانت أنباء قد تناثرت هنا وهناك بأن أمريكا قد استأجرت بالفعل أرضا جنوبالقدس مساحتها نحو 32 ألف متر، ولمدة 99 عاما وبإيجار رمزي قدره دولار أمريكي واحد! ولكن وكالة رويترز للأنباء ذكرت أن هناك 6 مناطق مقترحة للسفارة الأمريكية في القدس، أولها: في شارع جيرشون أجرون، وهو الشارع الذي تقع فيه القنصلية الأمريكيةبالقدس، ويتم التعامل من خلالها مع قضايا الضفة الغربيةوالقدس وغزة وثانيها: مقر المركز الثقافي الأمريكي بالقدس، وثالثها: البيت الأمريكي أو المركز الثقافي للقنصلية الأمريكيةبالقدس، ورابعها: بشارع ديفيد فلوسر وهو مقر آخر للقنصلية الأمريكية ويعد ملحقا لها، إضافة لمكانين آخرين أحدهما في منطقة تالبيوت والثاني فهو فندق دبلومات الذي تمتلك الولاياتالمتحدةالأمريكية الأرض المقام عليها وحسب ماذكرته رويترز فإن الأقرب للسفارة هو البيت الأمريكي والأبعد هو فندق دبلومات. وأمريكا .. وقبل قرار ترامب سربت عبر رويترز أيضا، وثيقة لوزارة الخارجية الأمريكية، تدعو فيها إسرائيل لتخفيف ردود أفعالها حول قرار ترامب بالاعتراف بالقدس عاصمة لها، لتجنب ردود الفعل الإسلامية والعربية بوجه خاص بعد صدوره وتحمل الوثيقة التي صدرت في 6 ديسمبر الحالي، عدة نقاط تطالب الإسرائيليين "بكبح جماح ردهم الرسمي علي القرار" لأن الجانب الأمريكي يتوقع أن تكون هناك مقاومة لذلك، مع تأثيره علي المنشآت والأفراد الأمريكيين في الخارج، وهو ما يحدث الآن بالفعل علي الأرض، حيث لم تبالغ إسرائيل كثيرا في تعليقاتها حول القرار الأمريكي، والذي اعتبره البعض داخل إسرائيل طوق نجاة لنتنياهو الذي يواجه هو وحكومته وعائلته وحزبه، اتهامات منذ نحو العامين بالفساد، مازالت منظورة أمام المحاكم الإسرائيلية إضافة إلي تصريحات خرجت من الخارجية الأمريكية تركز علي أمرين أساسيين وهما: أن القدس متروكة للمفاوضات النهائية بين الإسرائيليين والفلسطينيين والجانبان هما وحدهما المخولان بتقرير مصيرها.. والأهم أن القرار النهائي لنقل السفارة بالفعل لتكون مقامة فوق أراضي القدس، قد يستغرق ليس أقل من عامين من الآن. وأضيف لذلك.. تصريحات خرجت من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تؤكد علي أنه يتعهد بعدم إجراء أي تغييرات علي الوضع القائم في الأماكن المقدسة في القدس، وهو ما يعني حرية العبادة والزيارة لأصحاب الديانات الثلاث دون تفرقة، مع وصفه القرار الصادر من ترامب ب "التاريخي"و"الشجاع" و"العادل". ذلك كله.. أضيف إليه أخبار خرجت من الولاياتالمتحدةالأمريكية ذاتها بعد 3 أيام فقط من قرار ترامب، ونقلتها صحيفة الإندبندنت البريطانية وتقول إن ترامب اتخذ قراره لكي يكسب ثقة 50 مليون أمريكي من المسيحيين الإنجيليين الذين يؤمنون بنبوءة "نهاية الزمن" التي يربطونها بسيطرة اليهود علي القدس بالكامل وصدام الحضارات أي المعركة الأخيرة، وظهور المسيح في النهاية ليؤمن به اليهود، وتلك المقولات تعزز سيطرة اليمين الديني المتطرف داخل أمريكا، والذي يميل لمناصرة اليهود بصفة عامة، رغم أن نقل السفارة الأمريكية للقدس لايحظي بدعم واسع بين الأمريكيين بشكل عام، إلا أن كبار المسئولين في الإدارة الأمريكية ومن بينهم نائب ترامب نفسه "مايك نيس" يؤيدون القرار ومعهم السفيرة الأمريكية في الأممالمتحدة. الكل إذن.. في أمريكا وإسرائيل.. يلعبون علي عنصر الوقت والأمر الواقع. الوقت كما تقول الواشنطن بوست الذي سيضمن لين المواقف الإسلامية والعربية تجاه القرار، في مقابل تسريع عملية السلام والدخول مباشرة لمفاوضات الحل الشامل وبمباركة أمريكية ودولية والأمر الواقع كما تقول صحيفة هاآرتس الإسرائيلية لما تبنيه وتقيمه إسرائيل بالفعل، من مستوطنات ومنشآت فوق أراضي القدس ب :شرقه وغربه.