غلبت علي أفلامنا التي تم إنتاجها في السنوات الخمس الأخيرة، الاستغراق والإسراف في التعامل مع أجواء العشوائيات والمناطق الشعبية، وماتقدمه من نماذج بشرية لا تخرج عن شخصية البلطجي، أو تاجر المخدرات، والمرأة المنحرفة أو القابلة للانحراف، وأصبح القبح بقصد أو دون قصد، هو المسيطر علي حياة المصريين، بحيث إنهم يشعرون بالدهشة والارتباك أمام الجمال في أي صورة من صوره، وخاصة إن كان متعلقا بامرأة! في رواية إحسان عبد القدوس، البنات والصيف التي تحولت بعض فصول منها إلي فيلم سينمائي، من ثلاث قصص، لايربط بينها إلا شواطئ الإسكندرية، ومجموعة من الشخصيات القادمة من القاهرة لقضاء إجازة صيف سواء في الشواطئ الراقية مثل المنتزه والمعمورة، أو الشواطئ الشعبية، ولعبت هذه الحكايات علي الحالة النفسية التي يكون عليها البشر، حين يتركون همومهم، ومشاكلهم حيث كانت، طمعا في وقت يقضونه في المتعة والمرح، والتخفف من ضغوط الحياة، ومن الملابس أيضاً.الشواطئ في أي مكان في الدنيا تعني ثيابا مختلفة، لا تصلح للاستخدام في الحياة العادية، هي ثياب للشواطئ نطلق عليها "مايوه"، وكانت أفلامنا القديمة تقدم نماذج من الواقع، عن حياة الناس علي الشواطئ، وكنا نستقبل هذه الأفلام بما يليق بمستواها الفني ونستمتع بها في حالة جودتها، دون أن نشغل أنفسنا بكون البطلة ترتدي "مايوه" أو تظهر بشورت فقط!ولم يكن احترام الفنان يقاس بما يرتديه بالأفلام، وبدرجة إجادته للأدوار التي يلعبها! ولكن شيئا ما حدث مع بداية الألفية الثالثة، واختفت مشاهد المايوهات من علي الشواطئ وأصبح مألوفا أن تشاهد جلاليب سوداء منتفخة بفعل المياه، تملأ مياه البحار وتعلن عن حالة من القبح سيطر علي الذوق العام! البعض يهاجم فيلما لم يشاهده، إذا لمح في مقدمته الإعلانية امرأة ترتدي "مايوه"، بغض النظر عن القيمة الفنية والفكرية للموضوع، وهذا ماحدث مع "رغبات غير عادية"، ومع فيلم "قبل زحمة الصيف" للمخرج محمد خان الذي بدأ عرضه يوم الأربعاء الماضي! الفيلم عن سيناريو لغادة شهبندر، كتب المخرج فكرته وشارك في صياغة السيناريو، شخصيات الفيلم محدودة ولكن يحمل كل منها ملامح قطاع كبير من المجتمع! تدور الأحداث علي أحد شواطئ الساحل الشمالي، المستوي الاقتصادي للأبطال يؤكد أنهم من الطبقة المتميزة، المرفهة، ولكن هل هذا يعني أنهم بلا مشاكل أو أزمات نفسية واجتماعية! يقودنا إلي الحدث، شخصية جمعة "محمد داود" وهو شاب صعيدي يعمل علي خدمة أهل القرية السياحية، وهو يتفاني في خدمتهم، عسي أن يستعين به أي منهم أو يعرض عليه فرصة عمل، حيث يتواجد بشكل مؤقت بدلا من شقيقه الذي حصل علي إجازة للزواج، يذهب جمعة للمدينة صباح كل يوم، ويعود بالجرائد وبعض طلبات لأهل القرية، الزمن الذي تتحرك فيه أحداث الفيلم، قبل زحمة الصيف، حيث قرر دكتور "يحيي" أو ماجد الكدواني، أن يهرب إلي الساحل الشمالي، ويتابع عن بعد أخبار التحقيقات التي تدور في المستشفي الخاص الذي يشارك في ملكيته من الباطن، وقد وقع فيه بعض المخالفات المهنية، د. يحيي من تلك النوعية التي تعشق الجمال، ويراقبه عن بعد ولكن ليس لديه الشجاعة للاقتراب ، وهو متزوج من ماجدة "لانا مشتاق" وهي نموذج للمرأة أو الزوجة النكدية، التي تفتقد لجمال الروح والشكل، ولاتحاول أبدا أن تشارك زوجها في أي نشاط يفضله، الحياة بين الزوجين رتيبة مملة، يقطعها الزوج بالفرجة علي صور المانيكانات، والجميلات اللائي يرتدين المايوهات، ولكنه يقلع مؤقتا عن هوايته في البحث عن صور النساء علي الإنترنت ، ويتفرغ لمراقبة هالة "هنا شيحة" وهي امرأة فاتنة تقيم في شاليه بالقرية السياحية، وقد جاءت بمفردها لتستمتع بالهدوء، وتهرب من بعض مشاكلها الأسرية، وتقضي وقتا ممتعا مع رجل تحبه، ويستغلها! تنتاب د. يحيي حالة من الفضول لمعرفة حياة هالة وتحركاتها ولا يكف عن سؤال جمعة عن أحوالها، الجميع يراقبون هالة سواء يحيي وزوجته أو جمعة الذي يجد فيها ما يداعب خياله ويثير شهيته، مع تفاصيل بسيطة نتعرف علي عالم وتاريخ كل شخصية، وأزماتها وصراعها الداخلي، الفيلم لا يحوي انقلابات صادمة ولا صراعات معلنة، وصعوبة الأمر تكمن في قلة الشخصيات والأحداث، ومع ذلك فالمشاهد يجد نفسه وكأنه الطرف الخامس الذي يتابع كل مايجري ومحاولات كل شخصيه للاقتراب أو البعد عن بقية الشخصيات! أهم شخصيات الفيلم في رأيي هو "جمعة" هذا الشاب الصعيدي الذي أنهي فترة خدمته العسكرية ويحاول بشتي الطرق أن يبحث لنفسه عن مكان تحت الشمس، يعيش وسط بشر من مستوي أعلي كثيرا من أحلامه، ويتفاني في خدمتهم حتي يضمن أن يظل قريبا منهم، ولكنه يفشل في العثور علي فرصته ويعود في نهاية الأمر إلي حيث ينتمي، محمد داود يثبت مع كل دور يلعبه أنه ممثل بارع يدرس جيدا طبيعة الشخصية من داخلها وخارجها ويمنحها الكثير من ذاته، هنا شيحة شاطرة وتعاملت بذكاء مع مشاعر امرأة تقترب من خريف العمر وتحاول أن تتعلق بأهداب السنين وتستمتع بما هو متاح، ورغم جمالها وثرائها إلا أنها تفشل في إيجاد الأمان مع رجل تحبه!ماجد الكدواني يثير الدهشة والإعجاب بحضوره الطاغي واهتمامه بتفاصيل كل شخصية يقدمها!من أجمل مشاهده وهو يرجو زوجته أن تفتح له الباب الذي أوصدته وتركته خارج الشاليه في ليلة ممطرة! من عناصر تميز الفيلم كاميرا فيكتور كريدي، ومونتاج دينا فاروق، موسيقي ليال وطفه، المخرج محمد خان يسيطر بروحه المرحة علي كل تفاصيل الفيلم، وجمالياته، وشخوصه وأحداثه! مشاهد إعداد الطعام لها طقوس في أفلام محمد خان، باعتباره أحد أهم متع الحياة، وكما كانت مشاهد الطعام مميزة جدا في فليم خرج ولم يعد، سوف تجدها أيضا مثيرة للمتعة رغم اختلاف البيئة الاجتماعية للشخصيات في الفيلمين!