مع إشراقة صباح ربيعي دافئ، تبدأ الحكاية التي يعرفها المصريون جيدًا؛ عائلات تتجه إلى الحدائق، أطفال يركضون في المساحات الخضراء، وروائح الفسيخ والرنجة تملأ الأجواء. مشهد يبدو بسيطًا ومكررًا، لكنه يحمل وراءه تاريخًا طويلًا، وسؤالًا يتجدد كل عام: هل شم النسيم مجرد عادة مبهجة.. أم أنه يتعارض مع الأحكام الشرعية؟ اقرأ أيضا| شوربة السي فود.. بديل صحي ولذيذ للرنجة والفسيخ على مائدة شم النسيم تعود جذور شم النسيم إلى الحضارة المصرية القديمة، حيث ارتبط هذا اليوم ببداية فصل الربيع وتجدد الحياة، فكان المصريون يحتفلون به بالخروج إلى الطبيعة وتلوين البيض وتلوين أطعمة بعينها، وهي عادات لا يزال كثير منها حاضرًا حتى اليوم. ورغم مرور آلاف السنوات لم تتغير ملامح الاحتفال كثيرًا، لكن الجدل حول حكمه الشرعي ظل يتجدد، خاصة مع ارتباطه بتوقيتات دينية في بعض المناسبات. هل شم النسيم حلال أم حرام؟ وفي هذا السياق، حسمت وزارة الأوقاف المصرية الجدل، مؤكدة أن الاحتفال بشم النسيم مباح شرعًا، إذا كان مجرد عادة اجتماعية خالية من المحرمات، ولا يُعد عيدًا دينيًا في الإسلام. وأوضحت الوزارة الإسلامية، أنه في حالة كان الاحتفال بالترويح عن النفوس، وصلة الأرحام، وزيارة المنتزهات، وممارسة بعض العادات المصرية القومية؛ كتلوين البيض، وأكل السمك، فكلها أمور مباحة شرعًا، وبالطبع ذلك بشرط أن تكون الأطعمة صالحة وغير ضارة بالصحة مع عدم ترتب ضرر محقق منها فإن ثبت ضررها أو فسادها، يحرم تناولها لقاعدة "لا ضرر ولا ضرار". هل شم النسيم عيد في الإسلام؟ وإن كان في ظن البعض أنه من أعياد الإسلام، فالأوقاف بينت أن أعياد الإسلام محددة وواضحة، وهي عيد الفطر وعيد الأضحى فقط، مشددة على أن شم النسيم لا يندرج تحت هذا المفهوم، بل يعد من قبيل العادات التي يمارسها الناس للترويح عن أنفسهم. ضوابط الاحتفال وربما فهم البعض هذه المناسبة يوم أساسي للاحتفاظ بالربيع لذلك ظل المصريون متمسكين بهذا اليوم وبذات الأطعمة -السمك -الفسيخ والرنجة- والطقوس -البيض الملون، والتنزه بين الزروع وورود الربيع- التي مارسها أجدادهم، مما يجعله نموذجًا نادرًا للاستمرارية الحضارية التي لم تصطدم بالأديان التوحيدية بل تعايشت معها. ففي عهد الملك تحتمس الثالث، وبفضل الامتداد المصري، انتقلت طقوس عيد شم النسيم إلى حضارات الشرق القديم، فعرفه البابليون والفرس باسم عيد النيروز أو عشتار، لتظل الروح المصرية هي الملهمة الأولى لاحتفالات الربيع في العالم القديم. ومع تعاقب العصور، ظل مناسبة اجتماعية تجمع المصريين وتعكس روح التآلف والوحدة. التنزه والخروج في شم النسيم "يجوز الخروج والتنزه في شم النسيم مع الالتزام بالضوابط"، هذا ما أكدت عليه الأوقاف لافتة إلى أنه عيد مصري قديم يعود إلى «شمو» (فصل الحصاد)، وكان رمزًا لبداية الحياة الجديدة ومرتبطًا بالاعتدال الربيعي. ضوابط الاحتفال: حددت الوزارة مجموعة من الضوابط التي ينبغي الالتزام بها، حتى يظل الاحتفال في نطاقه المباح، وهي، عدم الاعتقاد بأن شمّ النسيم عيد ديني، تجنب أي ممارسات أو سلوكيات محرمة، والابتعاد عن الإسراف والمبالغة، والحرص على عدم الإضرار بالنفس، خاصة في تناول بعض الأطعمة، والالتزام بالآداب العامة أثناء التنزه والاحتفال وفي هذا التوازن، يأتي الرأي الديني ليضع حدودًا واضحة، الفرح مباح ما دام لا يتحول إلى اعتقاد أو ممارسة تخالف جوهر الدين. وهكذا، تستمر حكاية شمّ النسيم، لا كعيد ديني، بل كذكرى ربيعية متجددة، يحملها المصريون من جيل إلى جيل، بين بساطة الفرحة وحدود الشريعة.