تحولت حياة العديد من القضاة في فرنسا وأوروبا، أعضاء في المحكمة الدولية الجنائية، إلى جحيم بعد إدراجهم في القائمة السوداء الأمريكية، بسبب قراراتهم السيادية، مما جعلهم ينقطعون مصرفيًا عن كل شيء، ووصفوا الأمر بأنه أشبه بالعودة إلى القرن الماضي، ولكنهم في الوقت ذاته يقفون بثبات أمام تلك التهديدات. في البداية، كان الهدف من إنشاء المحكمة الجنائية الدولية هو معالجة انتهاكات حقوق الإنسان ومكافحة الإرهاب وتهريب المخدرات، كما هو الحال مع قائمة العقوبات الأمريكية، التي تشمل ما يقارب 15 ألف شخص، معظمهم أعضاء في تنظيم القاعدة، وتنظيم الدولة الإسلامية، ومنظمات المافيا، وقادة أنظمة وصفوها ب الاستبدادية. ولكن من بين هذه القائمة الطويلة يوجد 11 قاضيًا تسعة منهم من المحكمة الجنائية الدولية، في مفارقة وصفها الخبراء بالمتناقضة، حيث يتجاوز الأمر مجرد الحظر من دخول الأراضي الأمريكية، وباتت تؤثر على جميع الجوانب الحياتية اليومية لهؤلاء القضاة، ومنع أي أفراد أو كيانات من تقديم الخدمات لهم. بدأت القصة في أغسطس 2025، عندما اهتزت أروقة المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي على وقع قرار صادر من البيت الأبيض، بحسب صحيفة لوموند؛ حيث القرار لم يكن يدين مجرمًا، بل كان يستهدف ستة قضاة وثلاثة مدعين عامين، على رأسهم القاضي الفرنسي نيكولا جيو والمدعي العام كريم خان. في البداية استهدف أربعة قضاة في المحكمة الجنائية الدولية، وهم بيتي هولر، القاضية الأوروبية من سلوفينيا، و رين ألابيني-جانسو من بنين، وسولومي بالونجي بوسا من أوغندا، ولوز ديل كارمن إيبانيز كارانزا من بيرو، وقد أذن اثنان منهم بإجراء تحقيق المحكمة الجنائية الدولية في أفغانستان، والذي شمل أيضًا جرائم مزعومة ارتكبها أفراد من الجيش الأمريكي. كما وافق اثنان آخران على إصدار مذكرات توقيف بحق رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف جالانت، على خلفية اتهامات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية لدورهما في تدمير قطاع غزة، ثم أضيف القاضيان كيمبرلي بروست من كندا، ونيكولا حيو من فرنسا. وكذلك نائبا المدعي العام نزهات شميم خان من فيجي، ومامي ماندياي نيانغ من السنغال إلى القائمة، ثم استُهدف قاضيان آخران، هما جوتشا لوردكيبانيدزه من جورجيا، وإردينيبالسورين دامدين من منغوليا، لرفضهما استئنافًا قدمته إسرائيل في التحقيق في جرائم الحرب في فلسطين، وقبل بضعة أشهر، فرضت الولاياتالمتحدة وتحديداً في 6 فبراير 2025، عقوبات على كريم خان، المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية نفسه. ومن نتائج الإدراج على القائمة السوداء الأمريكية، هي عقوبات النظام المصرفي، التي تعد الأكثر صرامة في هذا المجال، وتشمل معظم الأنظمة المصرفية العالمية، حيث تغلق البنوك، حسابات الأفراد الخاضعين للعقوبات، ويُحظر أي تعامل مصرفي يشمل فردًا أو شركة أمريكية، أو يُجرى بالدولار الأمريكي، أو بعملة تستخدم الدولار في التحويل. من جانبه أكد القاضي نيكولا جيو، قاضي المحكمة الجنائية الدولية الفرنسي؛ أنه تم غلق جميع حساباته لدى الشركات الأمريكية، مثل أمازون، وإير بي إن بي، وباي بال، وغيرها من تلك المنصات الخدمية، التي تحتكر السوق تقريبا في أوروبا، مشيرًا إلى الآن الأمر أشبه بالعودة إلى تسعينيات القرض الماضي. سيادة القانون الدولي على سبيل المثال، حجز القاضي فندقًا في فرنسا عبر منصة إكسبيديا، وبعد ساعات قليلة، أرسلت له الشركة بريدًا إلكترونيًا لإلغاء الحجز، مُعللةً ذلك بالعقوبات الأمريكية؛ حيث عمليًا لم يعد بإمكانه التسوق عبر الإنترنت. وحول القرار الذي شارك في اتخاذه ضد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، أكد أن سيادة القانون الدولي مشروعٌ يمتد عبر الأجيال، بدأ بعد الحرب العالمية الثانية، وقد أُنشئت المحكمة لتكون الملاذ الأخير في نظامٍ مصمم لحماية ضحايا الحرب أو أخطر الجرائم، محذرًا من أن أساس القيم الإنسانية المشتركة الآن باتت مهددة. وشدد على أنه في السنوات الأخيرة، صدرت مذكرات توقيف على خلفية النزاعات في أوكرانياوفلسطين وأفغانستان، كما نُفذت اعتقالات في الفلبين وليبيا، وتُطبّق محكمة العدل الدولية برامج تعويضات للضحايا في مالي وجمهورية افريقيا الوسطى وجمهورية الكونغو الديمقراطية. وأكد أنه يطبق القانون الذي اعتمدته 125 دولة من الأطراف في معاهدة إنشاء المحكمة الجنائية الدولية، وهي البوصلة التي يسيرون عليها، وكقضاة يدركون تماما أن إقامة العدل ليست بالأمر الهيّن دائمًا، ولكن في مواجهة هذه الهجمات، نقف كقضاة المحكمة الجنائية الدولية والمدعون العامون بثبات وسنواصل ذلك. في السياق ذاته، أكدت، بيتي هولر، القاضية الأوروبية من سلوفينيا، والعضوة في المحكمة الجنائية الدولية، وواحدة ممن شملتهم العقوبات الأمريكية؛ أنه بات من المستحيل القيام بمهام يومية بسيطة مثل حجز طاولة، أو شراء تذكرة طائرة، أو الاشتراك في موقع إخباري إلكتروني. وبموجب العقوبات، باتت ممنوعة بجانب أفراد أسرتها من من السفر إلى الولاياتالمتحدة وتجميد الأصول، وحظر وإغلاق جميع حساباتهم، محذرة كل عضو في البرلمان الأوروبي بتخيل ما سيحدث لو كان مكانها، و لو انقلبت قوة الولاياتالمتحدة ضدهم لمجرد قيامهم بواجبهم. حاليا، وفقا لها، تشهد دول كثيرة حول العالم ما تسميه لحظة «استبداد»، حيث تحاول السلطات السياسية، ولا سيما السلطات التنفيذية القوية، إما السيطرة على القضاء أو تقييد قدرته على أداء وظيفته، وهي كبح جماح سلطة السلطة التنفيذية، ويعتبرون القضاة أهداف مشروعة وعرضة للتأثر السياسي عبر الضغوط. ووصفت الحلول القليلة التي تم التوصل إليها حتى الآن لمواجهة العقوبات بأنها مؤقتة وفردية تقريبًا، مضيفةً أن الدول والاتحاد الأوروبي لم يجدا حلولًا هيكلية، وهذا يعني، كما تقول، إن وضع الشخص المُدرج على قائمة العقوبات يختلف باختلاف جنسيته واستعداد حكومته وقدرتها على معالجة هذه القضية». استقلال القضاء الوطني لم تكن تلك المرة الأولى التي تقوم فيها الولاياتالمتحدة باستهداف القضاة والمسئولين في الاتحاد الأوروبي، عبر إجراءات مختلفة، فبينما كان القاضي الفرنسي يواجه عقوبات نتنياهو، تفجرت أزمة أخرى في باريس، وفق تقارير استخباراتية ألمانية، نشرتها الصحف الأوروبية، كشفت عن نية واشنطن فرض عقوبات على ثلاثة قضاة فرنسيين أصدروا حكمً hبالسجن والحرمان السياسي على مارين لوبان. هذا الأمر أحدث حالة من الغليان في المحاكم الفرنسية، وفق صحيفة لوباريسيان الفرنسية، وحذر بيمان مرزبان، رئيس المحكمة القضائية في باريس، من تدخل غير مقبول ومساس بسيادة الدولة، حيث لم تعد القضية هنا قضية غزة أو المحكمة الدولية، بل أصبحت تهديدًا مباشرًا لاستقلال القضاء الوطني الفرنسي. وفي جلسة استجواب بلجنة القانون في الجمعية الوطنية الفرنسية، شدد المدعي العام الفرنسي، ريمي هايتز، أنهم يعيشون في مناخ من القلق، ويجب أن نتجنب الرقابة الذاتية للقضاة خوفًا من سوط العقوبات الأمريكية، فإما أن ينتصر القانون وتتحقق السيادة الأوروبية، أو تذوب استقلالية القضاء تحت وطأة الدولار الرقمي. كما استهدفت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، صحفيين من ألمانيا، حيث مُنعت الصحفية آنا لينا فون هندنبرج ومحاميتها، الناشطتان في مجال مكافحة خطاب الكراهية على الإنترنت، من دخول الولاياتالمتحدة منذ ديسمبر 2025، وتعتبرهما واشنطن يشكلان خطرًا على حرية التعبير. الاستهداف يطال الجميع كما منعت الولاياتالمتحدةالأمريكية خمس شخصيات أوروبية منخرطة في تنظيم صارم لقطاع التكنولوجيا، من بينهم الفرنسي تيري بريتون، المفوض السابق للاتحاد الأوروبي، من دخول الولاياتالمتحدة، حيث ترى الولاياتالمتحدة أنهم يقودون جهودًا منظمة لمعاقبة المنصات الأمريكية. لم يقتصر الاستهداف على الأوروبيين فقط، وفقا لفرانس انفو، ففي البرازيل، فقد ألكسندر دي مورايس، رئيس المحكمة الانتخابية العليا الذي قاد التحقيق رئيس البرازيل السابق جاير بولسونارو عام 2022، تأشيرته الأمريكية مع زملائه، كما تم إلغاء بطاقاته المصرفية الدولية. وأعلنت وزارة الخزانة الأمريكية تجميد جميع الأصول الأمريكية المملوكة لزوجته، بالإضافة إلى شركة عائلية، ومنعت المواطنين والشركات الأمريكية من التعامل معهم تحت طائلة الملاحقة القضائية، وبعد ذلك رفعت الخزانة الأمريكية العقوبات مشروع قانون برازيلي كان من شأنه تخفيف عقوبة الرئيس اليميني السابق، الذي حُكم عليه بالسجن 27 عامًا بتهمة التآمر. في الأسبوع الماضي فقط، وفقا لموقع، justiceinfo أفادت التقارير بإلغاء الولاياتالمتحدة تأشيرة دخول قضاة أجانب، بينهم قاضٍ كوستاريكي كان يدافع عن المهاجرين إلى الولاياتالمتحدة، وهو ما وصفته مقررة الأممالمتحدة بأنه محاولة للتدخل في استقلال القضاء في دولة أخرى، وهو أمر صادم للغاية. وطالب القضاة، بتفعيل قانون الحظر وهي آلية قانونية أوروبية تحمي مواطني الاتحاد من آثار العقوبات العابرة للحدود، بجانب إنشاء بدائل أوروبية لشبكات الدفع والاعتماد على «اليورو الرقمي»، وضمان عدم توقف الشركات التي تورد الخدمات للمحكمة الجنائية الدولية خوفًا من واشنطن. وفقا لهم، فإن الدول التي ترفض الانضمام للمحكمة الجنائية الدولية تمتلك طموحات إمبريالية، وتريد أن تجعل القانون خادمًا للقوة وليس العكس، فالعقوبات الأمريكية لا تستهدف الأشخاص فحسب، بل تستهدف رمزية العدالة، عندما يُعاقب القاضي لأنه حقق في استخدام التجويع كسلاح حرب، فإن الرسالة الموجهة للعالم هي أن هناك أشخاصًا فوق القانون الدولي. اقرأ أيضا: الجنائية الدولية تبدأ جلسة تمهيدية الاثنين لمحاكمة الرئيس الفيليبيني السابق