1 لقد اخضرّ العشبُ مرّةً أخرى وهناك حرب فى مكان آخر مرّة أخرى الحزن دائرة أيضاً يلتفُّ حول جسدى مثل ذراعين ويحدّق معى بصمت فى الأزهار التى تفتحت فى الليل الشعر الذى أكتبه هو الارتداد الذى يحدث بعد التحديق بالأشياء كان علىَّ أن أكتب حين كنت قادرة على ذلك لكننى تركت الوقت يمرّ والأشياء تستقرّ فيما كنت أراقب فورانها وأحدّق بها تتخذ شكلها النهائى مثل الماء فى الوعاء الآن أحدّق فى اللون الأخضر فيرتدّ إلىَّ صاعقاً ومدمّراً مثل طبقة من العشب فوق أرض متجمدة من قصائد فات أوان كتابتها أتذكّر كيف جرحنى الجماد وأنا واقفة أمام أجساد التماثيل فى كاتدرائية ميلانو أتذكر أننى حدّقت طويلاً فى عيونها الميتة فارتدّت نظرتى إلىَّ خائفة وحزينة أخاف أن يتحجر قلبى أن يموت الليلة فى أوّل المساء أو غداً عند الفجر حين تكون الغيوم نائمة فى الأفق كل شىء أصبح أقلّ حسية والأغنية انسلّت منا إلى غير رجعة هذه لحظة عادية يا حبيبى لكنها ستكرر نفسها أمام عيوننا إلى الأبد «عندما أبكى بجوار زهرة/ تنمو بوتيرة أسرع» أقتات الآن على الضرورى فقط الشعر والماء والتحديق فى الأشياء بنهم لا أفلح بالبكاء حين أسمع أخبار مدينتى ولا بالكتابة حين تكون الغيوم بيضاء وشفافة هناك إيقاع أبطأ للتنفس ضربات أخفّ للقلب كل شىء يتحرّك مثل مشهد بطىء هذا جسد متعب لم تغادره الحياة لكنها تتنفّض فى داخله مكسورة وهشّة لقد اخضرّ العشب والحرب ليست فى مكان آخر أسمعها تدقّ داخل رأسى مطوّلاً أحدّق فى الخضرة وأتركها ترتدّ إلىَّ لا شىء سوى الصمت وموسيقى لجملة تبالغ فى الأمل نسختها -مع ذلك- على هامش دفترى علنى أفلح على الأقل بألا أموت «الفجر أخضر/ رغم أنها مغطاة بالجليد/ الأشجار لا تتجمد فى الداخل» 2 هذه ليست خدعة لغوية: الوهم شىء حقيقى أكثر من كل الأشياء الملموسة لا وجود للحياة الحقيقية إلا هناك داخل عينى شخص آخر كان كل شىء بارداً ورمادياً مثل أول يوم فى العام وكانت أوهامنا عن الأشياء تجعلها تتوهّج داخلنا مثل النجوم كيف تكون حرّاً وأنت ما تزال ترغب بشدّة بشىءٍ ما؟ باستطاعتك ألا تكفّ عن التوهم لقد قلتُ بالفعل كلّ شىء على العالم أن يظل الآن هكذا ملفوفاً بالصمت العذب مثل هدية الحاجة للقول هل تكون وهماً آخر؟ كل شىء سينتهى القصص والأغانى ونحن إلا الأوهام الأوهام يا حبيبى لا تنتهى أبدا 3 لقد متّ أو ربما لم أمت لا أعرف ماذا حدث لكننى أشعر به لو كنتُ زهرة فى عاصفة ربما شعرتُ بموتى وهو يأخذنى على دفعات تاركاً جذعى واقفاً فى الريح لو كنتُ نافذة فى هذا الجدار ربما رأيتُ بوضوح كيف يتحوّل الماء إلى غبش والمشهد إلى غيمة كيف تنفصل الأشياء عن أسمائها ويتفكك العالم إلى عناصر يبتلعها الصمت لقد متّ أو ربما لم أمت لكن الصمت يولّد العتمة والعتمة تبتلع العالم هل تذكر قبل هذا الصمت حين كان هناك عالماً يرتعش باستمرار؟ هل تذكر الحياة الصغيرة التى كانت تنمو دوماً من حولى وكيف كان يمكن أن أصنع من الكلمات سلّماً كأننى أريد الصعود إلى نجمة أو إلى الإله الذى أوحى لى بالغناء لقد رحلت الكلمات جَرَت بجانبى مثل نهر كئيب قلت بأنه علىَّ أن أرحل أنا أيضاً ثم ظللتُ أنظر إلى السماء حتى الفجر 4 أين يوجد الشِّعر فى اليد أو فى اللمسة؟ كلما لَمَسَتْ اليد شيئاً بدت كأنها خَلَقَتْهُ للتو ترتجف يدى كلما قصفت عنق زهرة أشير إلى نجمة فى السماء البعيدة وأشعر بالخدر يسرى من الكتف حتى الأصابع يسرى الشِّعر فى عروق اليد وهى تمتد وحيدة فى الليل بلا عنف كآبة فقط أرقّ حتى من الحزن 5 لسنا من كناه بالأمس لكننا لسنا غيره أيضاً ما زلنا الصدى الخفىّ للأمس البعيد الأشياء تنام لكنها لا تموت لا تراها لكنك تشعر بها فى الغيب بمسّها البارد حيناً والدافئ حيناً والعالم الذى تُلهِمُهُ لك -كل هذه الأشياء النائمة- بإمكانك أن تراه أيضاً هو ليس بعيداً لكنه مكتفٍ بنفسه حتى أنه صار نائياً وقصيّاً مثل كوخ يتبدّى فى أعلى الجبل والنهر أتراه؟ لا يلمس الضفة لكنها ترتجف حين يمرّ أنت ترتجف أيضاً الكلمات زهرة بلا بتلات والليل يزحف ببطء والأشياء نائمة لكنها لا تموت. لبنان