كانوا كلما سدوا بالطوب منفذا انهدم آخر.. كنت معهم.. أدور حاجا مثلهم حول جدرانها المتآكلة التي جئنا لترميمها.. السقف كان مائلا ومسنودا بأركان عتيقة. نحن شباب العائلة نشعر بالحنين إلي موتانا المكومين عظاما نخرة.. نري الموت لايزال بعيدا عنا فلا تخور قوانا. ربما اختارنا كبار العائلة لهذا السبب.. لكنني لست متأكدا بالضبط ممن كلفنا بهذا الأمر من البداية. غالبا ما واريت عيني بأصابعي.. كيلا أري ما بالداخل.. أعرف أن عظامهم المستباحة لن تتركني.. ستقتحم علي وحدتي في الليل.. وتؤرق منامي. لقد تبادلنا النكات أكثر من مرة علي بعد خطوة واحدة من الموتي.. كان الموقف قويا لا يحتمل.. ضجيجنا غطي أحيانا علي كوكب الوحدة التي أتوق لاستنطاقها. مللنا من تكرار المحاولة والفشل, فرأينا فجأة شابا عاريا يرقد علي بطنه فوق سطح المقبرة.. كان يخفي وجهه في الناحية الأخري كلما أحدق فيه.. ويلمزني كنوع من المشاكسة بأصابع قدميه الكبيرتين.. لم أفلح في النجاة من مشاكساته.. لأن الممر بين المقابر كان ضيقا. كنت مشغولا من قبل بحماية ما تركوه لنا.. كل ورقة خطها أحدهم.. أو بابا طلاه.. أو حائطا ترك عليه هاو للرسم منهم بعض أفكاره.. الآن أنا أحفظ عظامهم العارية من العيون المتلصصة بعدما تهاوت المقبرة.. كنوع من التبجيل. يتمدد الجسد العاري الحي كاسرا ألفتنا.. يزيد مساحة التساؤل الصامت القلق بيننا.. يداه بعد قليل تدليتا ونحن نراقبه بخوف إلي الأرض.. غاصت أصابعه كالجذور.. وتمدد جسده ليحتوي المقبرة.. لم نجد من حل سوي الهرب قبل أن تدهمنا المفاجآت.. لا أعرف بالضبط هل كانوا معي داخل حلم يخصني.. أم أننا نعيش واقعا غريبا لاقانون له. حين وصلنا البيت الكبير مددت يدي.. لكنها لم تمسك بأي شيء.. كانت أياديهم تخترقني.. وتعبر إلي الناحية الأخري.. كأنما صرت شبحا. عيونهم حدقت بشراسة في مصدر الصراخ الذي أعلنت به عن وجودي.. اتخذوا جميعا وضع الاستعداد للهجوم. أنا.. صرخت باسمي في محاولة أخري ليروني. قال ابن عم لي: كيف نصدق أنك أخونا يا من تحدثنا؟ تشجع الباقون.. ووجهوا حديثهم إلي الفراغ الذي أقف فيه: كيف جئت أصلا من فوق سطح المقبرة؟! ألم تعلن أنك سوف تحمي العظام التي لم نجد فائدة لحمايتها؟ أوشكت أن أصرخ فيهم: لقد هربنا معا.. وإن كنت قد استحضرت عطر أجدادي من قبل.. لكنني لا أتوق لاحتواء عظامهم.. ماذا أفعل بها؟! كان الجو قد بدأ يغيم أكثر مما كان.. وشعوري بجسدي المتعب قد بدأ يتضح وكأنني أكسر جدار عالم هش فكري عمر الدقهلية