أحمد الزناتى إن الكتابة فى أسمى صورها لا تكتفى بالإشارة إلى أشياء مرئية ومعروفة سلفاً، بل تشير إلى ما أفلت من انتباهنا حتى الآن، وبذلك تنير ما عجزنا عن رؤيته رغم كونه ماثلاً أمام أعيننا. ديفيد أرندت فى دفاتر مالتى لوريدس بريجِه، يوصى ريلكه الشاعرَ بالصبر حتى يستطيع تحويل ذكرياته وتجاربه إلى دماء ونظرة وإيماء، وأن يصبر على بقاء الفكرة الأصلية فى أذنيه وعقله وجسده، انتظارًا لقدوم اللحظة التى يُكشف فيها غطاء المعنى، وهى عملية تراكمية تشبه عملية خَلقْ الجنين، فإما أن تخرج الجُملة فيها الروح، وإما أن تخرج ميْتَة. قبل شهرين صدر «كتاب فلسفة» عن الكتابة دار نشر بلومزبرى (Philosophy of Writing) لديفيد أرندت، وهو مدرس فى برنامج الفنون الحرة بكلية سانت مارى فى كاليفورنيا. مرَّ بى عنوان الكتاب من شهرين على منصة (X)، وعندما بحثتُ وتصفحت المحتويات، وجدت أنه يطرح أفكارًا جديرة بالنقاش، وإن كان الكتاب يغلب عليه نزعة تعليمية واضحة، لكنها مصوغة فى قالب سهل وجذاب. السؤال الأول الذى يطرحه المؤلفُ: هل نكتب لأننا نعرف شيئَا أو مررنا بتجربة ونريد الكتابة عنها، أم لأننا نريد أن نعرف شيئًا؟ قد يبدو سؤالًا بسيطًا للوهلة الأولى، لكنه يشق فجوة عميقة فى تصوّرنا الشائع للكتابة؛ فالشائع أننا نميل إلى النظر للكتابة بوصفها أداة للتعبير عما استقرّ فى ذهننا وذاكرتنا من تجارب ومشاعر، ووسيلة لترتيب الأفكار وتوصيلها، لا أكثر. غير أن الكتاب يقترح زاوية أخرى، أكثر حميمية وأشد عمقًا؛ الكتابة من حيث هى فعل اكتشاف، ومسار تتكون فيه الفكرة بقدر ما تُصاغ، وهى وإن كانت فكرة معروفة، لكن المؤلف يقدمها من سياق خبرة طويلة فى تدريس النصوص الأدبية، والكتابة الإبداعية. من واقع خبرته الممتدة لعقود فى برنامج (Great Books) ، يرى أرندت أنه كان حينما يُشجع الطلاب على التعامل مع الكتابة بوصفها بحثًا واستقصاء، وليس مجرد «أداء وأداةً»، سرعان ما تنشط البصيرة من تلقاء نفسها. فهو يرى أن حرفة الكتابة هى وسيلة للبحث الأصيل عن الفهم، وهى فكرة ليست جديدة بالطبع، ربما نجد أصداءً لها عند هايديجير فى انكشاف الوجود من خلال الشِعر عندما حلّل قصائد تراكل وهولدرلين وريلكه. يبدأ المؤلف كتابه بفصل قصير عنوانه: لماذا نكتب؟ فيشير إلى الكاتبة تونى موريسون، وكلامها عن باعث الكتابة عندها إذ قالت: «لا أظن أننى كنت لأطيق البقاء فى هذا العالم لولا أن لى سبيلاً للتفكير فيه، وهذا هو جوهر الكتابة بالنسبة إليَّ، إنها وسيلة للتفكير». يضيف المؤلف: «قال إبيكتيتوس إن الكتابة حوار مع الذات، ألم يكن سقراط كاتباً؟ نعم، ولكن لأى غاية؟ بما أنه لم يكن يجد دائماً شخصاً متاحاً ليفحص أفكاره أو يفحص ذلك الشخص أفكار سقراط فى المقابل، فإنه كان يختبر ويمتحن نفسه أحياناً، مخضعاً افتراضاته الواحد تلو الآخر للتمحيص. تلك هى كتابة الفيلسوف الحق. لم تكن غاية الكتابة عند إبيكتيتوس مجرد إيصال الأفكار، بل اختبارها وفحصها. وممارسة الكتابة هى وسيلة لجعل الأفكار جزءاً من ذات الإنسان، بحيث تكون طوع بنانه دوماً: «اجعل أفكاراً كهذه طوع يدك ليلاً ونهاراً؛ اكتبها، واقرأها، واجعلها مادة حديثك، وناجِ بها نفسك. كما ربط نيتشه بين الكتابة والتفكير بقوله: «إن تكتب كتابة أفضل يعنى، فى الوقت نفسه، أن تفكر تفكيرًا أفضل». يذهب المؤلف إلى أن نيتشه قَلَب الطريقة التى يُتصور بها هذا الرابط رأسًا على عقب؛ فليس المهم أننا نملك الأفكار أولاً ثم نصبّها فى كلمات بحيث يؤدى التفكير الواضح إلى كتابة جيدة، بل إن الجهد المبذول فى سبيل الكتابة الجيدة [وسأتطرق فى النهاية إلى معيار تحديد الكتابة الجيّدة أو الخيّرة وفق تعبير المؤلف] هو ما يتيح لنا توضيح تفكيرنا وتنقيته من الشوائب. إننا نميل لبدء الكتابة، لا بأفكار تامة التكوين، بل بحدوس وهواجس لا تزال هشة وغامضة، ثم نحيل تلك الحدوس إلى أفكار دقيقة عبر عملية التأليف الطويلة والبطيئة والصبورة. والتأليف يعنى إيجاد الكلمات، وبناء الجمل، وصياغة الفقرات، وهندسة بنية النص؛ لكنه يعنى أيضاً ضبط النبرة، وإيجاد الصور، وابتكار الصيغ البيانية، واستشعار إيقاع الخطاب وسرعته؛ أى كل ما نشير إليه بكلمة «الأسلوب، تحسين المرء لأسلوبه يعنى تحسينه لأفكاره، ولا شيء غير ذلك.» ثم ينتقل إلى المفكرة حنّه أرندت التى تبنّت فكرة مماثلة؛ حيث لم تكن غاية الكتابة عندها توصيل أفكار مفهومة عندها سلفًا، بل إنها اتخذت الكتابة سبيلاً لاستجلاء الفهم وتعميقه وصقله. حيث تقول نصًّا: «حينما أعمل، لا أهتم بكيفية تأثير عملى فى الناس، لأن بيت القصيد عندى أن أفهم. فالكتابة عندى هى مسألة سعى وراء هذا الفهم، وجزء من عملية الفهم ذاتها، لأن ما يهمنى هو عملية التفكير بحد ذاتها». أما ميشيل فوكو، فقد كتب – والكلام لا يزال على لسان المؤلف - من أجل صياغة أفكاره وتطويرها، حيث ينقل عنه: «تشكّل الأعمال التى أكتبها تجربة خاصة، وأود أن تكون هذه التجربة ثرية قدر الإمكان. والتجربة هى الشيء الذى تخرج منه بجلدٍ جديد. لو كان عليَّ أن أضع كتاباً لمجرد إيصال فكرة معروفة سلفًا، فلن تواتينى الشجاعة للبدء فيه أبدًا؛ فأنا أكتب لأننى لا أعرف بعدُ ما الذى يتوجب عليَّ التفكير فيه تجاه موضوع يثير اهتمامى. وعبر فعل الكتابة، يصنع منى الكتاب شيئًا آخر، ويغير ما أفكر فيه. ونتيجة لذلك، فإن كل عمل جديد يغير شروط التفكير التى كنت قد وصلت إليها فى العمل السابق تغييرًا عميقًا، فحينما أكتب، فأنا أكتب بالدرجة الأولى لأغير نفسى، منطلقاً من مبدأ يملى على ألا أفكر فى الشيء ذاته كما كنت أفعل من قبل». يعلق المؤلف بقوله إنَّ هذا النوع من الكتابة يغيرنا. وهو، بطريقة ما، يشبه ممارسات مثل الرياضة للجسد أو التأمل للعقل؛ فكما أن ممارسة التمرين البدنى تغير بنية الجسد، فإن ممارسة الكتابة تغير الروح. فى فصل آخر يتساءل المؤلف: كيف يمكن للكتابة أن تكون شكلاً من أشكال التأمل؟ وكيف يمكن للكتابة التأملية أن تتيح لنا المضى صوب الحقيقة؟ ويجيب: من المستحيل الإجابة على هذه الأسئلة إذا سلمنا بالمفاهيم الشائعة كحقائق مطلقة. فاللغة ليست مجرد أداة للتواصل، أو وسيلة للتعبير عن الذات، أو بديلاً عن الكلام، بل هى أيضاً الوسيط الذى نتشارك فيه فهماً مشتركاً للعالم. والفكر لا يهدف فقط إلى «المعرفة»، بل يهدف إلى تعميق ذلك الفهم المشترك وتوضيحه وشحذه وتعقيده وصقله. والفهم الحقيقى لا يقتصر على مطابقة الاعتقاد للواقع، بل هو إنارة لما كان مخفياً أو مرئياً بضبابية، ومن ثمَّ فتجربة الكتابة نفسها تدفعنا إلى إعادة التفكير فى طبيعة اللغة، والفكر، والحقيقة، والخير، والجمال، والإلهام، والحكمة. هنا يطرح المؤلف سؤالًا مهمًا: لماذا نسعى وراء الحكمة عبر الكتابة؟ أليس من الممكن تعلم الحكمة من الآخرين؟ ثم يجيب من واقع قراءته لمحاورة «المأدبة» لأفلاطون، حيث يرثى سقراط استحالة تعليم الحكمة مباشرة من شخص لآخر، فيقول نقلًا عنه: «كم سيكون أمراً رائعاً يا أغاثون، لو كانت الحكمة من النوع الذى ينساب من الطرف الأكثر امتلاءً منا إلى الطرف الأكثر فراغاً، كما ينساب الماء عبر خيط من الصوف من الكأس المترعة إلى الكأس الفارغة. لماذا تستعصى الحكمة على التلقين؟ إن المعارف يمكن تعليمها، والمعلومات يمكن بثها، وحتى المهارات العملية يمكن نقلها للغير. بيد أن الحكمة عصيّة على ذلك كله؛ لأنها مرتبطة بالكيفية التى يتبدى بها العالم فى أعيننا على ضوء إيثوس Ethos الخاص بنا، أى سمتنا الأخلاقى وطابعنا الوجودى [الإيثوس فى الفلسفة الإغريقية هو الطابع الوجودى للإنسان، أى مجموع مزاجه وعاداته وطباعه وردود فعله وطريقة إحساسه بالعالم—كلها مجتمعة فى هيئة رؤية] . قال مارسيل بروست: «نحن لا نتلقى الحكمة جاهزة، بل يجب علينا اكتشافها بأنفسنا، بعد رحلة فى القفار لا يقطعها غيرنا، ولا يملك أحد أن يجنبنا وعثاءها؛ لأن حكمتنا هى «وجهة النظر» التى نصل إليها فى خاتمة المطاف لننظر من خلالها إلى العالم». من بين الفصول التى استرعت انتباهى بشكل خاص فصل قصير بعنوان الحقيقة، وفيها يقدم المؤلف طرحًا لافتًا حول علاقة الكتابة بالحقيقة. عادةً ما يُنظر إلى الحقيقة بوصفها مسألة «مطابقة»؛ فالكتابة تكون حقيقية إذا ما طابقت الواقع، والنظريات تصدق إذا وافقتْ الوقائع، والحوار يكون حقيقيًا إذا حاكى منطق الناس فى حديثهم، والقصص تكون حقيقية إذا صوّرت أحوال الأشياء كما هى. يرى المؤلف أننا نستشعر قصور هذه الرؤية للحقيقة كلما قرأنا رواية بالغة الرداءة؛ فقد تكون كل جملة فى نص رديء «صادقة وحقيقية وقريبة من الحياة اليومية» بمعنى مطابقتها لحال الواقع، ومع ذلك تظل كتابة ضحلة، ومشوشة، مسروقة، وغير أصيلة ولا تخصّ صاحبها (بل تخص صاحب صاحبها فى رأيي). ويضيف المؤلف: «قد تكون النصوص المكتوبة صادقة، بيد أنها لا تعدو كونها لغواً، وتقليدًا لأساليب آخرين وأفكارهم. مثل هذه الكتابة «صحيحة» نظريًا على نحو لا تشوبه شائبة، لكنها فى الوقت ذاته لا تنطوى على أى لحظة كشف أو تنوير. إننا لا نستطيع التفكير بوضوح فى الكتابة الرديئة إذا حصرنا رؤيتنا للحقيقة فى مجرد «مطابقة» الفكر للواقعى. نحن نستعمل هذا التعبير حين ينكشف أمر كان مستوراً؛ فالأم التى لا تعرف جنس وليدها تقول عند المخاض: إن «لحظة الحقيقة» قد حانت. وحين يتوجه الناخبون إلى صناديق الاقتراع فى انتخابات غير محسومة، يكون فرز الأصوات هو «لحظة الحقيقة». وحين تستطيع تجربة ما أن تثبت صحة فرضية أو تفندها، فإن لحظة الحقيقة تبزغ حين تظهر النتائج . وفى كل حالة، تقع لحظة الحقيقة حين يتجلى ما كان خفيًا؛ ونمسى قادرين على رؤية ما لم نكن نراه. فالحقيقة بهذا المعنى ليست مسألة «مطابقة ما جرى لما كتبناه»، بل هى مسألة كشف، وإفصاح، وتجل، واستنارة». والحقيقة أن هذه الجملة جرّتنى لفقرة كنت قد قرأتها فى كتاب أبعاد الرواية الحديثة لتيودور زيولكوفسكى (ت: إحسان عباس وبكر عباس)، فقرة أرشدتنى قبل سنوات طويلة إلى جوهر فكرة الكتابة؛ وهى أن اللحظات الكبرى فى الأدب الحديث هى لحظات رؤية مفاجئة خوارقية مكثفة تكاد تخطف الأبصار بقوة صدقها؛ إنها ما أسمته فيرجينيا وولف بحلقات النور فى رواية الأمواج، ورؤية هانز كاستورب بطل توماس مان وسط العاصفة الثلجية العاتية فى رواية الجبل السحرى، وإدراك يوزيف كا المؤلم فى نهاية حياته أنه يموت ميتة كلب، وما أطلق عليها جيمس جويس لحظات التجلّى، وما برق فى ذهن أحدهم وهو يقطع مشاوير التمشية الليلية الطويلة، ثم دوّن ما رآه فى سطرين مُشَّفرين فى إحدى يومياته وقال: «نعم، قلت نعم، سأرضى..نعم»، وحوار فرانتس بيبركوبف مع الموت فى رواية الكاتب الألمانى ألفريد دوبلن (ميدان ألكسندر – برلين). فدور القصة ليس محصورًا فى الخروج من صدر الكاتب فقط، بل هى لحظة كشف بالمعنى العرفانى للكلمة، لحظة تجلٍّ. وهنا أحب الإشارة إلى فكرة أوردها بيتر هاندكه ذات مرة حول ارتباط كلمة يوم القيامة (Apocalypse ) بالإبداع ، فالدلالة الاشتقاقية للكلمة اليونانية (Apokalypsis) تعنى إماطة اللثام أو كشف الغطاء. يمنحنا المقطع (apo) المستمد من اليونانية القديمة (ἀπό) دلالة الانفصال أو الابتعاد (away from)، فهو يشير إلى حركة مفارقة للشيء أو خروج عن مألوفه. لذلك فإن «القيامة» أو «نهاية العالم» فى المنظور الإبداعى لا تعنى الفناء، بل تعنى لحظة انكشاف الحقيقة، وهكذا الكتابة أيضًا، وهو ما سبق أن نوّهتُ إليه فى مقالة سابقة. ثم يسأل المؤلف: كيف يمكن للكتابة أن تكون «حقيقية» بهذا المعنى؟ فيقول إن الكتابة فى أسمى صورها لا تكتفى بالإشارة إلى أشياء مرئية ومعروفة سلفاً، بل هى تشيرُ إلى ما أفلتَ من انتباهنا حتى الآن، وبذلك تُنيرُ ما عجزنا عن رؤيته رغم كونه ماثلاً أمام أعيننا، مضيفًا : لقد وصف بروست هذا الإشراق فى «فى جانب منزل سوان» حين كتب عن تجربة قراءة مؤلفه المفضل قائلًا: كلما تحدَّث ذلك المؤلف عن شىء ظل جماله حتى ذلك الحين متواريًا عنى، عن غابات الصنوبر أو عواصف البرد، عن كاتدرائية نوتردام، أو عن مسرحيتى «أتالى» أو «فيدر»؛ فإنه [أى كاتبه المفضل] كان يجعل جمالها ينفجر فى وعيى عبر صورة ما. يصف بروست هنا القوة الكشفية للكلمات؛ فالكلمات قد تشير إلى ما نغفله عادة، وإلى ما يظل غير مرئى لنا رغم أنه شاخص أمام أعيننا، وبذلك تكشف عما كان محجوباً بسب غفلتنا. وهذا النوع من الكشف يأتى أيضاً فى ممارسة الكتابة. قال ريلكه إن الكتابة الأصيلة تبدأ بحركة تبتعد عن الوضوح السطحى لكلامنا اليومى باتجاه شيء شعرنا به بغموض، شيء يتجاوز إدراكنا ولا نملك له كلمات. أن تكتب يعنى أن تتبع ذلك الشعور وتصل إلى ما وراء حدود فهمك، أن تتحسس فى الظلمة كلمات يمكنها القبض على ما كان مبهماً وإخراجه إلى ضياء الفهم، أن تكتب يعنى أن تدع كل انطباع وكل جنين لشعور يكتمل، تماماً فى ذاته، فى الظلمة، فى ما لا يقال، فى اللاوعى، بعيداً عن متناول فهم المرء، وبخضوع عميق وصبرٍ تنتظر الساعة التى يولد فيها جلاءٌ جديد: هذا وحده هو معنى العيش كفنان. والأسلوب هو كلمة السرّ. فالأساليب تفصح عن طرق فى التفكير والشعور. والنص الذى ينقل أسلوبه طريقة جديدة فى الفكر والشعور قد يتيح لنا رؤية العالم بنور وقد وضع بروست الرابط بين الأسلوب والرؤية بوضوح حين قال: إن منزلة الأسلوب عند الكاتب، تماماً مثل منزل الألوان عند الرسام، ليس مسألة تقنية بل هو مسألة رؤية: إنه الكشف، الذى سيكون مستحيلاً بالوسائل المباشرة والواعية". فى اعتقاد المؤلف تهدف الكتابة فى أسمى صورها إلى كشف الحقيقة (وأظنه يقصد حقيقة الكاتب أولًا)؛ فهو يرى أن الكتابة الحقيقية خيّرة، بينما الكتابة الرديئة هى بطريقة ما شريرة؛ بمعنى: كتابة مفبركة، أو واهمة، أو مُخادعة، أو فارغة، أو مُقلِّدة لأساليب وثيمات ذائعة، أو زائفة. ولكن ما الرابط بين الحقيقة والخير؟ ما الصِلة بين الأبعاد القِيمية [خير وشر] والأبعاد الأخلاقية للكتابة؟ وبأى معنى تمتلك الكتابة بُعداً أخلاقياً؟ وما علاقة الأخلاق أصلًا بالأدب وسعيه للوصول إلى الحقيقة؟ تكمن الإجابة فى رأيى فى أن الأخلاق، فى جوهرها الفلسفى، ليست ورقة ساذجة مكتوب فيها «افعل ولا تفعل وأوامر ومحظورات»، بل هى استقامة الرؤية وأصالة التعبير. والكتابة الرديئة هى كتابة «لا أخلاقية»، أو شريرة وفق تعبير المؤلف، لأنها تغش القارئ بتقديم نصوص غير أصيلة، أو مُقلَّدة، أو منحولة، أو مسروقة من أساليب وأفكار الآخرين، أو ثيمات سهلة رائجة، لا تقول شيئًا عن نفس صاحبها. لا أخلاقية الكتابة (أو شرّها) تحجب صدق التجربة، فتطمس حقيقة المؤلف بدلاً من كشفها، وتوهم القاريء أنها تقدِّم إليه فنًا.