صادفنى مؤخرًا ما وُصِف بأنه «دراسة نقدية وتحليلية» باللغة الإنجليزية، منشورة على الإنترنت، وتتناول إحدى رواياتى، بدأت قراءتها من باب الفضول، خاصة أن كاتبتها، كما فهمت من اللقب الذى يسبق اسمها، أكاديمية فى جامعة غير مصرية. للوهلة الأولى، بدا المكتوب منمقًا، والناقدة الأكاديمية ملمة بموضوعها بدرجة كبيرة، وتنتقل من نقطة إلى أخرى بتسلسل منطقى مدروس، وثمة ثبت بمصادر عديدة فى نهاية الدراسة. كل شىء بدا على ما يرام باستثناء أمر واحد أصابنى بدهشة ممزوجة بالانزعاج: معظم الأحداث الواردة فى الدراسة وكذلك الشخصيات وملامح البنية الروائية لا علاقة لها بروايتى على الإطلاق! ظننت فى البداية أن الناقدة قد خلطت بين روايتين لى، ثم مع إكمال القراءة أدركت أن المسألة أعقد من هذا، فحجم الاختلاق كبير وعصى على تحديد مصدره. قلت لنفسى: ربما هى طالبة دراسات عليا لم تقرأ العمل، وفبركت دراستها لنيل الدرجة المطلوبة، لكننى تذكرت ال«د.» التى تسبق اسمها. ثم فى لحظة إدراك مفاجئة، استنتجت أن الدراسة مولدة، فى الغالب، بالذكاء الاصطناعى، إذ لا تفسير آخر لهذا التماسك الظاهرى المنطوى فى أعماقه على اللغو والفراغ. هذه ليست قصة شخصية وإن بدت كذلك، فهى مؤشر على مقدار التضليل الذى سينتشر إن أمعن البشر فى تسليم قيادهم للذكاء الاصطناعى دون تدبر أو انتباه للمخاطر المترتبة على مسلكهم هذا. ويكفى للتأكد من هذا تخيل كم «الدراسات» والمعلومات المغلوطة الأخرى التى تم توليدها به منذ بدء الاعتماد عليه، والتساؤل: كم منها سيُكشَف؟ وكم منها قد يُعتمَد -فى ظل الفوضى الراهنة- باعتباره مراجع «موثوقة»؟ وفق المعطيات الحالية، لا شك أننا سنخوض خلال فترة وجيزة فى مستنقع من الاختلاق والتلفيق بدرجة لا نعرف معها أين تنتهى الحقيقة لتبدأ الأكاذيب. حين يتناول كثيرون الذكاء الاصطناعى فى علاقته بالإبداع، يقصرون حدود رؤيتهم على ما قد يترتب على الاعتماد عليه فى الكتابة من تحويل النصوص إلى نتاجات آلية بلا روح، لكن ثمة مشكلة أخرى لا تقل خطورة وهى أنه مضخة للفبركة والاختلاق مع ما يمكن أن ينتج عن هذا الضخ المتواصل من تشويش وجهل مركب وترسيخ ذاكرة مزيفة.