مشهد الرجل اللبنانى الذى وقف باكيًا أمام أنقاض منزله فى منطقة «كورنيش حوش المزرعة» فى بيروت يوجع القلب فعلًا! لم يكن يتحدث بلغة السياسة ولا بصيغة البيانات العسكرية؛ بل كان يتحدث بلوعة القلب. قال ببساطة موجعة إن هذا البيت هو «شقا عمرى». عبارة يعرف معناها كل إنسان فى عالمنا العربى. ف«شقا العمر» ليس مجرد مال تم جمعه على مدى سنوات طويلة من العمل والصبر والتضحيات الصغيرة والكبيرة، وربما السفر والغربة من أجل أن يكون للإنسان بيت. ساعات العمل المرهقة، الأحلام المؤجلة، وربما الحرمان من أشياء كثيرة حتى يصبح للإنسان بيت يؤويه ويحمى أسرته. البيت فى ثقافتنا ليس جدرانا وسقفًا فحسب، بل هو ذاكرة. هو مكان ولادة الأطفال، وضحكات العائلة، ورائحة الطعام الآتية من المطبخ، وصوت الأذان فى رمضان، وبهجة الأعياد. حين يسقط البيت تحت القصف، لا يسقط الحجر وحده، بل تسقط معه أجزاء من أنفسنا، تملؤها الذكريات ويسكنها الدفء والأمان. أتعبنى مشهد الرجل اللبنانى، وجعت قلبى دموعه، هزتنى كلماته التى كانت تختنق داخل حنجرته وهو يروى مأساته. يقف أمام الركام وكأنه يحاول أن يستعيد بعينيه صورة البيت الذى كان هنا قبل دقائق أو ساعات. ربما كان يحاول أن يرى غرفته، أو شرفة تطل على الشارع، أو نافذة كانت تدخل منها شمس الصباح. لكن كل ما بقى هو الركام. بيانات الحروب عادة ما تروى بلغة الأرقام، عدد الضحايا، عدد الغارات، عدد المبانى المدمرة. حجم الخسائر المادية. غير أن الأثر الحقيقى للحرب يظهر فى لحظة صغيرة كهذه. فى دمعة رجل عادى، ليس سياسيًا ولا جنديًا، بل إنسان عادى مثل كل البشر، كل ما يطلبه هو أن يعيش حياة مستقرة تحت سقف صنعه بعرق جبينه، وسنوات شبابه وكفاحه من أجل هذا البيت الملاذ. ذلك المشهد يؤكد حقيقة مؤلمة وهى أن المدنيين، الناس العزل، هم دائمًا أكثر من يدفع ثمن الحروب بلا ذنب ولا جريرة. فالذين يبنون البيوت ليسوا هم الذين يقررون تدميرها. والذين يزرعون الحياة فى الأزقة والشوارع ليسوا هم الذين يختارون أن تتحول هذه الأماكن إلى ساحات نار وخراب. ربما لهذا السبب أثار هذا المشهد تعاطف الناس وحزنهم عندما نشر على مواقع التواصل الاجتماعى، فقد رأوا فيه شيئًا من أنفسهم. كل إنسان تخيل نفسه فى هذا الموقف، أن يقف فجأة أمام كومة من أنقاض ورماد لبيت جاهد طوال حياته ليحصل عليه ويصنع فيه عائلة وحياة. ورغم القسوة التى يحملها المشهد، فإنه يجعلنا نتأمل ما يحدث من زاوية أخرى، فنرى قوة الإنسان وإرادة البقاء أقوى من كل شىء. فالشعوب التى عاشت الحروب تعرف أن الركام ليس النهاية. قد تهدم البيوت، لكن إرادة الحياة تعود دائمًا لتبنى من جديد. دموع الرجل اللبنانى لم تكن فقط بكاء على منزل ضاع، بل كانت أيضًا شهادة إنسانية موجعة على عبث الحروب، وتوقظ ضمير العالم وتطالب حكامه بحماية حق هذا الإنسان البسيط الذى يحلم ببيت صغير وحياة آمنة.