برغبة حقيقية فى تجنب كارثة لن ينجو من آثارها أحد، كان العالم يتابع السباق المُحتدم بين التوجه نحو تصعيد خطير فى الحرب على إيران، وبين جهود التهدئة والوساطة التى تحاول إيقاف حرب لن يكون فيها طرف غير خاسر. أو على الأقل التوصل إلى مؤشرات إيجابية على إمكانية الاتفاق وإعطاء جهود التهدئة الوقت والدعم الكفيلين بإنجاز المهمة الصعبة. لم تكن الصعوبة فى الملفات الأساسية، فقد رأينا قبل ذلك أن التفاوض غير المباشر كان قد وصل إلى نقطة قريبة جدًا من الاتفاق الكامل بشأن الملف النووى ثم كانت المفاجأة باندلاع الحرب بدلًا من توقيع الاتفاق(!!) وقضية مضيق هرمز لم تكن موجودة أصلًا قبل اندلاع الحرب وحلها سيتم فى نفس اللحظة التى تتوقف فيها المدافع(!!) الصعوبة الحقيقية كانت دائمًا هى الثقة المُفتقدة بين واشنطنوطهران، والتى جعلت طهران تصر منذ اندلاع الحرب على أن يكون الحل هو «إنهاء الحرب» بضمانات دولية مُؤكدة وليس الإيقاف «المؤقت» لإطلاق النار. بالطبع هناك نقاط خلاف عديدة أخرى لكنها قابلة للتفاوض فى مراحل تالية، أما هذه العقدة الأساسية فهى الأصعب بلا شك، والأخطر فى تقرير مصير الجهود المبذولة لمنع الكارثة!! فى ظروف اعتيادية لم يكن لهذه المشكلة أن تثور، لكن إيران تدرك أنها دولة مُحاصرة بالعقوبات الصارمة منذ سنوات، وأن الهدنة المؤقتة (إذا كانت بدون ضمانات) قد تمنحها فرصة لالتقاط الأنفاس لكنها لن تسمح لها بتعويض الخسائر الفادحة التى تعرضت لها، وبينما على الطرف الآخر فإن استكمال الاستعدادات العسكرية سيتواصل، والأهم أن مصانع السلاح الأمريكية ستكون قادرة على سد أى نقص فى السلاح أو الذخائر، وعلى مد إسرائيل بما تحتاجه وخاصة من الصواريخ المضادة للصواريخ والمُسيّرات التى كاد مخزونها منها أن ينفد!! فى الأيام الأخيرة كان التشدد فى المواقف هو السائد من الطرفين، لكن هذا لم يمنع جهود الوساطة من مضاعفة الضغوط من أجل إيقاف التصعيد. وحتى الساعات الأخيرة كانت هناك تعديلات مُقترحة على المبادرة الأساسية للهدنة، وكان البحث مستمرًا من أجل «الضمانات المطلوبة» لكى لا تعود الحرب، ولكى يكون «التفاوض الجاد» هو الاختيار النهائى للطرفين من أجل التوصل للحل الشامل الذى ينقذ المنطقة والعالم من أزمة أشعلها الجنون الصهيونى لتتحمل البشرية كلها فواتيرها الباهظة، وليدفع العرب وخاصة فى دول الخليج الجزء الأكبر من هذه الفواتير!! عندما تقرأ هذه السطور سيكون الموقف قد اتضح، وسنكون قد عرفنا هل انتصر العقل وتوقف التصعيد الجنونى فى هذه الحرب العبثية.. أم أصبح علينا وعلى العالم كله أن يواجه آثار أزمة تديرها القوة الغاشمة ويغيب فيها العقل.. والقانون؟!