بين سقوط بغداد «9 أبريل 2003» وتدمير طهران «الآن».. التاريخ يعيد نفسه، بأسباب متشابهة ونتائج متقاربة، فالأحداث تدور فى دوائر مغلقة، وما حدث فى العراق، نموذج يتكرر فى سياق مختلف مع إيران، وسط تصاعد التوترات والصراعات الإقليمية. كان سقوط بغداد نتيجة تراكمات من السياسات الخاطئة وسوء التقدير، وبرّرت الولاياتالمتحدة حربها على العراق بامتلاكه أسلحة دمار شامل وتهديده لأمن المنطقة، وهى نفس الذرائع التى تتكرر اليوم، فى الحديث عن إيران وبرنامجها النووى وقدراتها العسكرية، ويكشف هذا التشابه أن من لا يتعلم من التاريخ، يعيد السيناريوهات نفسها، حتى وإن اختلفت التفاصيل. لم يوجّه صدام حسين قوة جيشه لحماية بلاده بقدر ما استخدمها للهيمنة وتهديد دول الجوار، وبلغت هذه السياسة ذروتها بغزو الكويت، الدولة التى كانت تمثل عمقًا عربيًا داعمًا، فكان ذلك القرار نقطة التحول التى عجّلت بنهاية النظام العراقي، ولم يجلب الغزو سوى الدمار، وانتهى بسقوط الدولة وتفكك مؤسساتها، ودفع الشعب العراقى الثمن الأكبر. وتتكرر ملامح هذا المشهد مع إيران فى تطوير ترسانتها من الصواريخ والطائرات المسيّرة، وسعيها لامتلاك قدرات نووية، كأدوات ضغط وهيمنة على دول الخليج، ورغم الشعارات الإيرانية حول دعم القضية الفلسطينية، أكدت الممارسات على الأرض أنها أولويات ترتبط بالنفوذ الإقليمى، أكثر من المواجهة المباشرة مع إسرائيل. والأكثر خطورة أن الهجمات الإيرانية لم تقتصر على أهداف عسكرية، بل طالت منشآت مدنية وحيوية، فى دول لم تبادر بالعدوان، ويعكس هذا السلوك نهجًا تصعيديًا يضع المنطقة بأكملها على حافة مواجهات أخرى مفتوحة، وكان من الممكن أن تجد إيران بعض التبرير، لو وجّهت ضرباتها نحو أهداف عسكرية أمريكية أو إسرائيلية، لكنها اختارت مسارًا يزيد من عزلتها ويعزز المخاوف منها. ما حدث فى العراق بعد سقوط صدام يمثل درسًا قاسيًا، فبدلاً من الاستقرار دخلت البلاد فى دوامة من الفوضى، وتعرضت بنيتها التحتية للتدمير واستُنزفت ثرواتها، وظهرت الميليشيات المسلحة التى ملأت الفراغ، وصعدت تنظيمات متطرفة مثل داعش، ويوضح هذا النموذج أن سقوط الأنظمة لا يعنى بالضرورة بناء دول قوية، بل يفتح الباب أمام سنوات طويلة من عدم الاستقرار. ويبدو أن مستقبل إيران هو دخول مرحلة طويلة ومريرة من عدم الاستقرار والانهيار الداخلى، مما يجعلها دولة مخترقة، يصعب التنبؤ بمسارها أو السيطرة على تداعياتها الأمنية. وتظل علاقة إيران بدول الخليج رهينة لما ستخلفه الحرب من ركام، فإما أن تدفع جسامة الخسائر وحاجة البلاد إلى إعادة الإعمار، نحو تبنى نهج جديد يقوم على التهدئة وتصفير الأزمات وبناء جسور الثقة مع الجيران، أو أن تزداد فجوة الريبة والشكوك المتبادلة، وتبقى المنطقة فى دوامة الاستنزاف. والحقيقة الثابتة وسط كل هذه الاحتمالات هى أن أمن الخليج واستقرار إيران يظلان مسارين متداخلين، فإما أن يولد من رحم الدمار نظام إقليمى أكثر نضجًا وتوازنًا، أو تظل المنطقة تدفع ثمن الفراغ الذى يخلفه السقوط الكبير.