تُحيى مصر فى 25 مارس من كل عام، ذكرى تأسيس إذاعة القرآن الكريم، التى انطلقت يوم الأربعاء الموافق 25 مارس 1964 (11 ذى القعدة 1383ه)، لتصبح بركة من بركات مصر، وصوتًا خالدًا ل«دولة التلاوة المصرية»، وواحدة من أعظم منابر نشر الإسلام الوسطى والقراءات القرآنية الصحيحة بحناجر كبار القراء عبر التاريخ. لقد جاءت إذاعة القرآن الكريم لتؤكد عظمة مصر وقدرها، فهى التى حملت رسالة القرآن إلى العالم، وجعلت من القاهرة عاصمة التلاوة ومركزًا عالميًا للقوة الدينية الناعمة، حيث مثلت مشروعًا حضاريًا وروحيًا، وأول جمع صوتى منظم للقرآن الكريم منذ وفاة الرسول -صلى الله عليه وسلم-، وحفظت تراث الأمة الصوتى، وأوصلت أصوات القراء المصريين إلى كل بيت فى العالم الإسلامى. ومن خلال هذه الإذاعة، صار الشيخ محمد رفعت، والشيخ محمود خليل الحصرى، والشيخ مصطفى إسماعيل، والشيخ عبد الباسط عبد الصمد، والشيخ محمد صديق المنشاوى، والشيخ شعبان الصياد وعبدالعزيز حصان وأحمد نعينع وغيرهم، رموزًا عالمية للتلاوة، وأصبح الأداء المصرى مدرسة قائمة بذاتها. لقد ارتبطت الإذاعة بوجدان المصريين والعرب والمسلمين فى كل البقاع، حتى باتت جزءًا أصيلًا من تفاصيل حياتهم اليومية، تذكرهم بالقرآن صباحًا ومساءً، وتعيد ربطهم بالقيم الروحية فى كل لحظة. وما يميز إذاعة القرآن الكريم أنها لم تقتصر على التلاوة فقط، بل قدمت برامج تفسيرية وتعليمية ودروسًا فى الفقه والسيرة، لتكون جامعة مفتوحة عبر الأثير، فهى مؤسسة تعليمية وثقافية بقدر ما هى إذاعة دينية، تجمع بين الأصالة والحداثة، بين التراث والرسالة المستمرة. وامتد تأثيرها إلى العالم الإسلامى كله، وكانت سببًا مباشرًا فى تأسيس أكثر من 100 إذاعة للقرآن الكريم فى نحو 100 دولة، خاصة فى دول منظمة التعاون الإسلامى، لتصبح القاهرة بحق منبع الصوت القرآنى الذى يتردد فى أرجاء الأرض. واليوم ونحن نحتفل بذكرى تأسيسها، ندرك أنها نهر من البركة يتدفق فى وجدان الأمة، منذ أكثر من 6 عقود، وصوت مصر الذى حمل القرآن إلى العالم، وصار مرآة لعظمة هذا البلد ومكانته الروحية، فى كل تلاوة يصدح بها قارئ مصرى، يتجلى تاريخ طويل من الإيمان والوسطية، فأصبحت ذاكرة جماعية تحفظ للأمة أصواتها الخالدة، وتعيد وصل الأجيال بالقرآن. وهنا يحسب للدولة المصرية دعم مشروع تطويرها، الذى قاده المفكر والكاتب الصحفى الكبير أحمد المسلمانى رئيس الهيئة الوطنية للإعلام، كأكبر عملية تطوير فى تاريخها، بإعادة تأسيسها فى العصر الرقمى عبر مشروع شامل للرقمنة وحماية تراثها الصوتى، كما أطلق التطبيق الرسمى للإذاعة وموقعها الإلكترونى ليتيح للمسلمين حول العالم الوصول إلى التلاوات المصرية مباشرة، وتصدر التطبيق مؤشرات البحث، ما أكد أن التراث لا يتعارض مع التحديث، بل يتكامل معه ليضمن استمرار دور الإذاعة كمنارة عالمية للقرآن الكريم.