تمكن فريق دولي من الباحثين على رأسهم علماء من جامعة المنصورة، من الكشف عن حفريات تعود لنوع جديد من القردة القديمة، أُطلق عليه اسم «مصريبثيكوس موغراينسيس»، في منطقة وادي المغرة بالصحراء الغربية في مصر، ليشكل هذا الاكتشاف إضافة علمية مهمة في دراسة تطور القردة العليا، والذي يُعد أول دليل حفري مؤكد على وجود القردة في هذه المنطقة خلال عصر الميوسين. ويعود هذا النوع الذي امتد بين 23 و5.3 ملايين سنة، وهي فترة شهدت تغيرات مناخية وبيئية ضخمة، حيث كانت البيئة في مصر آنذاك أقرب إلى منطقة استوائية غنية بالنباتات الكثيفة، الأشجار العملاقة، الأنهار، والمستنقعات. وأوضح الباحثون، أن اسم القرد المكتشف يحمل دلالة علمية وجغرافية، إذ يتكون اسم «مصريبثيكوس» من كلمة مصر نسبة إلى بلد الاكتشاف، وكلمة يونانية تعني قرد، بينما يشير اسم النوع موغراينسيس إلى موقع وادي المغرة الذي عُثر فيه على الحفريات. اقرأ أيضا| مرح الطفولة في بلاط أخناتون.. لعبة القرود تكشف وجهاً إنسانياً من عصر العمارنة وبحسب شروق الأشقر، الباحثة بمركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية والمؤلف الرئيسي للدراسة، فإن هذا الاكتشاف يمثل نافذة جديدة لفهم بدايات القردة العليا، وهي المجموعة التي تشمل اليوم الغوريلا والشمبانزي والأورانغوتان. وأضافت أن المشروع بدأ عام 2021، بهدف تتبع أصول هذه الكائنات التي لا تزال محل جدل علمي واسع، وتابعت أن الفريق واجه صعوبة في البداية، قبل أن يتمكن من العثور على أجزاء حفريات مهمة شملت جزءا من الفك وضرسين، مؤكدة أن اللحظة كانت فارقة بعد التأكد من القيمة العلمية الكبيرة للعينات المكتشفة، حتى إنها احتفظت بها بحذر شديد أثناء نقلها إلى جامعة المنصورة. وكشفت الدراسة أن «مصريبيثيكوس»، يتميز بتركيب تشريحي خاص في الفك والأسنان، يعكس قوة مضغ عالية وقدرة غذائية مرنة، حيث اعتمد بشكل أساسي على الفواكه، مع إمكانية التعامل مع أطعمة أكثر صلابة، وهو ما يشير إلى قدرته المبكرة على التكيف مع البيئات المتغيرة، وهي سمة مهمة في تطور وانتشار القردة العليا. وقال الدكتور هشام سلام، قائد الفريق البحثي، إن أعمال التنقيب استمرت لأكثر من خمس سنوات في منطقة المغرة، مشيرًا إلى أن الفريق كان على يقين بوجود حفريات مهمة هناك، وأن الصعوبة كانت في الوصول إليها وهو ما تحقق أخيرًا في هذا الاكتشاف. من جانبه، أوضح الباحث إيريك سيفرت من جامعة جنوب كاليفورنيا، أن الدراسة اعتمدت على تحليل واسع وغير مسبوق شمل نحو 60 ألف قاعدة وراثية مستخلصة من جينات نووية وميتوكوندرية للقردة الحديثة، إلى جانب تحليل 268 سمة تشريحية للقردة الحالية والمنقرضة، ما ساعد في بناء شجرة تطورية دقيقة لتحديد موقع الحفرية علميًا، ورغم عدم احتواء الحفرية على حمض نووي محفوظ، فإن دمج البيانات الجينية مع التحليل التشريحي أتاح للعلماء تحديد موقع مصريبيثيكوس بدقة داخل شجرة تطور القردة العليا. وقد نُشرت نتائج الدراسة في مجلة «ساينس» العلمية المرموقة، وهو ما اعتبره الباحثون إنجازا للعلم المصري، خاصة وأن المجلة تعد من أعرق الدوريات العلمية عالميًا، حيث يبلغ معامل تأثيرها 49.7، وتستقبل سنويا أكثر من 12 ألف بحث، بينما لا تتجاوز نسبة قبولها 6% فقط.