رائحة السمن تسبق الكلام، وضحكات النساء تملأ الحارة قبل أن ترفع الصواني.. هكذا يبدأ العيد فى كوم الشقافة فى محافظة الإسكندرية ليس من تبادل التهاني، ولا من أسواق الملابس، بل من شارع يتحول كل عام إلى مطبخ مفتوح تحت السماء، حيث تجلس أكثر من 150 سيدة حول موائد العجين، يعدن صناعة الكحك كما كان يُصنع منذ زمن بالأيدي، وبالجيرة، وبقلوبٍ لم تنسَ بعد معنى المشاركة. ففى أحد شوارع منطقة كوم الشقافة، تتجدد حكاية إنسانية فريدة كل عام، حكاية بدأت بفكرة بسيطة، لكنها مع مرور السنوات تحولت إلى تقليدٍ سنوى يجمع مئات السيدات والأطفال حول مائدة واحدة، لصناعة الكحك وإحياء ذكريات العيد. تحكى السيدة وداد جودة، وهى تجلس إلى إحدى الموائد التى يعلوها العجين استعداداً للتشكيل، أن بداية هذه الحكاية تعود إلى ما يقرب من 10 سنوات، عندما قررت إدخال البهجة على الأسر البسيطة، فقامت بشراء كميات من الدقيق وقمنا بعجنها وتوزيعها عليهم احتفالاً بالعيد. وأضافت: أن هذا اليوم أصبح تقليداً سنوياً يحرص الأهالى على تنظيمه قبل عيد الفطر من كل عام، حيث يشارك سكان المنطقة فى شراء المكونات من خلال مساهماتٍ بسيطة، بينما تتولى السيدات مهمة العجن والتشكيل والنقش، فى حين يساعد آخرون فى نقل الصوانى وتسوية الكحك، ليصبح العمل الجماعى هو العنوان الأبرز لهذا اليوم. ولفتت السيدة وداد إلى أن البداية كانت متواضعة للغاية، إذ اقتصر الإنتاج فى العام الأول على نحو 50 كيلو فقط من الكحك، بمشاركة عدد محدود من السيدات، إلا أن الفكرة سرعان ما لاقت استحسان الأهالي، وبدأ عدد المشاركين يتزايد عاماً بعد عام، حتى أصبح هذا الحدث اليوم يجمع أكثر من 150 سيدة وفتاة من مختلف الأعمار، ويصل حجم الإنتاج إلى ما يزيد على 600 كيلو من الكحك. ومع هذا التوسع الكبير، لم تعد الأفران المنزلية قادرة على استيعاب الكميات الضخمة من الصواني، مما دفع الأهالى إلى الاتفاق مع أحد المخابز القريبة لتولى عملية التسوية، حيث يتم نقل الصوانى تباعاً إلى المخبز حتى تخرج الكعكات ساخنة تفوح منها رائحة العيد. وأكدت أم هدو، إحدى المشاركات فى هذا اليوم أنها تحرص كل عام على المشاركة فى هذا الحدث، مشيرة إلى أنها كانت فى السابق تصنع الكحك مع جيرانها فى منطقة كرموز، لكنها قررت لاحقاً الانضمام إلى أهالى كوم الشقافة لتعيش معهم أجواء العيد .. وأكثر ما يميز هذا اليوم هو روح البهجة التى تملأ المكان، حيث تتعالى الضحكات بين السيدات بينما يراقب الأطفال مراحل إعداد الكحك بشغف كبير. أما نجوى صلاح، من سكان كوم الشقافة، فأوضحت أنها تحرص على الحضور كل عام برفقة شقيقاتها وابنتها وحفيدتها، مؤكدة أن الهدف ليس فقط صناعة الكحك، بل أيضاً تعليم الأجيال الجديدة الطريقة التقليدية لإعداده، بدءاً من العجن وحتى خروجه من الفرن. وأشارت إلى أن العمل يتم من خلال تقسيم المشاركين إلى فرق، حيث تتولى مجموعة خلط المكونات، بينما تقوم أخرى بحشو الكحك ونقشه بالمنقاش الخاص، فى حين تتولى مجموعة ثالثة ترتيب الصوانى استعداداً لنقلها إلى المخبز، فى مشهد يعكس روح التعاون والتكاتف بين الأهالي. وشرحت سها محمد، إحدى المشاركات، خطوات إعداد الكحك البيتي، موضحة أن البداية تكون بخلط المكونات الأساسية، ثم يتم نقشه باستخدام المنقاش ووضعه فى الصاج، قبل أن يتولى شباب المنطقة نقل الصوانى إلى المخبز لتسويتها. وتابعت سها كلامها مؤكدة أن المرحلة الأخيرة تبدأ بعد خروج الكحك من الفرن، حيث يتم رش السكر البودرة عليه، ثم تغليفه وتوزيعه على الأهالي، ليصل فى النهاية إلى البيوت مُحملاً برائحة العيد ودفء المشاركة. وختمت حديثها قائلة: إن هذا اليوم يبدأ منذ الساعة العاشرة صباحاً ويستمر حتى المساء، وحتى بعد الإفطار، ورغم ما يرافقه من تعب وإرهاق، فإن الجميع ينتظرونه من عام إلى آخر، لأنه يمنح الأطفال فرحة خاصة، ويعيد للكبار ذكريات العيد القديمة، ويؤكد أن أجمل ما فى العيد ليس فقط ما نأكله، بل ما نصنعه معاً.