اختارت دول الخليج سياسة «ضبط النفس» تجاه الحرب الامريكية الإسرائيلية الإيرانية، وعلى الرغم من تعرضها لاعتداءات مستمرة، وامتلاكها قدرات عسكرية وترسانات من أحدث الأسلحة، فإنها لم تنجرف إلى دائرة التصعيد العسكرى، وحافظت على خطاب يدعو إلى الحلول السياسية، وعدم توسيع نطاق الصراع. واجهت دول الخليج خلال السنوات الأخيرة سلسلة من التحديات الأمنية المرتبطة بالسياسات الإيرانية فى المنطقة، ومنذ قيام الثورة الإيرانية عام 1979، تبنت طهران سياسة توسع إقليمى عبر «الوكلاء» فى عدد من الدول العربية، وهو ما خلق حالة من التوتر الدائم فى المنطقة، بجانب البرنامج النووى الإيراني، الذى ظل مصدر قلق إقليمى ودولي، خصوصاً مع الشكوك المتزايدة حول طبيعته العسكرية المحتملة. ومع اندلاع الحرب الأخيرة، وجدت دول الخليج نفسها فى موقف بالغ الحساسية، فهى من ناحية حليفة للولايات المتحدة، وتربطها بها علاقات أمنية واستراتيجية، ومن ناحية أخرى تقع جغرافياً فى قلب منطقة الصراع، وتدرك أن أى مواجهة واسعة تجعل أراضيها واقتصاداتها فى مرمى النيران، لذلك كان الخيار الخليجى واضحاً، رفض الانخراط المباشر فى الحرب. وهذا الموقف ليس ضعفاً، بقدر ما يعكس إدراكاً عميقاً لتعقيدات الواقع الإقليمى، واختارت سياسة «ضبط النفس الاستراتيجى»، حيث ركزت على الدفاع عن أراضيها، عبر منظومات الدفاع الجوى واعتراض الصواريخ والطائرات المسيّرة، دون الانتقال إلى ردود هجومية قد تؤدى إلى توسيع دائرة الحرب، وفى الوقت نفسه، تحركت دبلوماسياً فى المحافل الدولية، لفضح الاعتداءات التى طالت منشآتها وأمنها. ولعبت الدول الخليجية أدواراً مهمة فى جهود الوساطة، خاصة سلطنة عُمان وقطر، حفاظا على قنوات اتصال مع مختلف الأطراف، واستضافت مسقط جولات من المفاوضات، فى محاولة لإيجاد مخارج سياسية للأزمة، انطلاقاً من قناعة خليجية بأن انهيار الدولة الإيرانية أو انزلاق المنطقة إلى فوضى شاملة، لن يكون فى مصلحة أحد. ومن الناحية الاقتصادية، تدرك دول الخليج أن استمرار الحرب يمثل تهديداً مباشراً لمشاريعها التنموية الكبرى، فالتوتر فى مضيق هرمز يؤثر فى حركة التجارة العالمية وأسعار الطاقة، وينعكس سلباً على قطاعات السياحة والاستثمار والطيران، ولذلك فإن الحفاظ على الاستقرار الإقليمى أصبح شرطاً أساسياً لحماية الخطط التنموية المستقبلية، والمبادرات الاقتصادية فى المنطقة. والموقف الخليجى فى الأزمة يعكس تحولاً مهماً فى التفكير الاستراتيجى لدول المنطقة، فبدلاً من الانجرار إلى صراعات مفتوحة، تسعى إلى بناء نموذج للاستقرار والتنمية، مع الحفاظ على قدرتها الدفاعية وردع أى تهديد لأمنها. فى النهاية، يمكن القول إن ما قامت به دول الخليج خلال هذه الأزمة يمثل العقلانية السياسية فى منطقة تعانى تاريخياً من الصراعات، واختيار التهدئة والحلول الدبلوماسية ليس موقفاً سهلاً، لكنه الخيار الأكثر حكمة، لحماية شعوب المنطقة ومستقبلها، ولهذا، فإن موقف دول الخليج فى هذه الحرب يستحق الاحترام .