رحلت عن عالمنا مساء أمس الاثنين الدكتورة هالة فؤاد أستاذ الفلسفة بجامعة القاهرة، وأرملة الناقد الكبير الراحل الدكتور جابر عصفور، وقد أصدرت الدكتورة هالة فؤاد عددًا من المؤلفات التي تناولت الفكر الصوفي والفلسفة الإسلامية، وأسهمت في إعادة تقديم التراث الفلسفي بصورة حديثة تتناسب مع متطلبات البحث العلمي المعاصر، وفي ضوء ذلك نستعرض ثلاثة من أبرز إصداراتها. التوحيدي.. الغفلة.. الانتباه حسب ما جاء في مقدمة الكتاب: أبو حيان التوحيدي نموذج إشكالي لمفكر موسوعي، يتأبّى على التصنيف، أو الحصر في مجال معرفي بعينه، وربما يمكن أن نطلق عليه "المفكر البيني"، ذلك أنه بوصفه ذاتاً مفكرة وكاتبة، يتحرك بيسر ورشاقة عقلية لافتة بين الحقول المعرفية المتنوعة والمتباينة، ولا أبالغ إن إدّعيت أنه ينشئ نصوصه المتعددة يصوغها، في تلك المساحات البينية الملتبسة والمتفاعلة والمتداخلة بين الحقول المعرفية المختلفة، ومن هنا تتسم نصوص التوحيدي بالزخم المعرفي والقيمي المترع بالمفارقات والتناقضات والاحتمالات التأويلية المفتوحة والثرية، وحين يخوض الباحث مغامرة البحث في نصوص التوحيدي، فإنه يجازف في مسارب خطرة، ولعلها أقرب إلى المتاهة التي كلما أوغلت فيها الذات القارئة، أدركت أنها واقعة لا محالة في فخاخ النصوص المراوغة المخايلة، والتي تهدم تماماً أي تصور يقيني على أن الفهم هو امتلاك المفهوم! بل يمكننا القول: إنه لا سبيل إلى السيطرة العقلية أو أوهام التفسير النهائي أو مزاعم القراءة الموضوعية المحايدة فيما يتعلق بنصوص التوحيدي، أو هذا ما أتصوره وأدعيه!
قراءات صوفية فى أدب نجيب محفوظ الكتاب من تأليف الدكتورة هالة أحمد فؤاد، وتقديم الدكتورة رجاء بن سلامة وصدر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، وينقسم الكتاب إلى مبحثين، المبحث الأول "الطريق بين الأسطورة والتصوف"، والمبحث الثانى "قراءة الحرافيش.. جدل الإمكان / الاستحالة". سلاح الكاتبة هنا ليس سردية الوظائف والبنى المطقية بل سلاحها ترك السلاح على طريقة أهل التصوف، واتخاذ الذاكرة الأدبية والصوفية والميثولوجية معينًا، ومدادًا أو بالأحرى خيوطا؛ لكنها ليست خيوطًا عنكبوتية بل هى خيوط الطرازة التى تملأ الفراغات وتسد البياض، تاركة للآخرين سبل الاستمرار فى الملء والسد المتجددين.
المثقف بين السلطة والعامة في كتابها "المثقف بين السلطة والعامة.. نموذج القرن الرابع الهجري - أبو حيان التوحيدي" تبدأ الدكتورة هالة أحمد فؤاد بالبحث في الذاكرة التاريخية العربية الإسلامية فتتخذ من القرن الرابع الهجري، عصر الدويلات نموذجاً لدراسة مأزق المثقف الذي لا يزال يرزح ما بين سندان السلطة، ومطرقة العامة، هو إشكالية قديمة حديثة تقليدية بقدر ما هي متجددة، ولكنها لا تزال تطرح نفسها باستمرار، وتعلن عن حضورها في الواقع الراهن. تقدم المؤلفة في هذا الكتاب الاستشرافي رؤيتها المبدئية لظاهرة معقدة ومتشابكة، حيث تطرح تساؤلاتها وتقدم تحليلاتها، وتقارب تخوم المشهد، لتكشف عن هواجسها الخبيثة، ونوازعها. يتكون الكتاب من الأقسام التالية: مدخل يحتفي بإشكاليات الكتابة السالبة من وجهة نظر تحليل الخطاب، ونموذجها المثير للانتباه مجسداً في كتاب أبو حيان التوحيدي (مثالب الوزيرين) حيث تسعى المؤلفة إلى تقديم قراءة للحي المثالب، بوصفه نصاً سرديا تخليلياً ينطوي على شيء من العجائبية الصادمة والمدهشة في الصادقة والمدهشة في أن وبينما تعمل الباحثة على كشف العمق الإشكالي المراوع لكتابة القلب (أي الكتابة التي تبرز العيوب، فإنها ترحل غير مراياها النصية المجايلة لفهم مدى تعقيد وتشابك علاقة المثقف بالسلطة من خلال ما كتبه التوحيدي عن الوزيرين الصاحب بن عباد، وأبو الفضل بن العميد في كتابة المثالب ناهيك عن أبي الفتح ابن العميد الابن، ثلاثة فصول، بل ثلاث مرايا كاشفة لمدى تعقيد الطاهرة وعلاقاتها المتشابكة، ونموذج مثير، بل مستغر المثقفي القرن الرابع الهجري. التوحيدي، مثقف كبير من مثقفى عصره، ورغم هذا عاني عاني التهميش على مستويات عديدة وعاش . بات عديدة وعاش علاقة مركبة مليئة بالتناقض والمفارقة من اصحاب السلطان من جانب، والعامة من جانب آخر، ناهيك بأقرانه من المتفقين لمت بأقرانه من المتفقين الكبار على اختلاف انتماءاتهم وتنوع مناهجهم ومشاربهم، وتباين مواقعهم من السلطة. تكتسب هذه الدراسة أهميتها من كونها تشكل آلية التفسير وفهم بنية اللاوعي الجمعي لحاضرنا الإشكالي المتردي على مستوى النخب بتنويعاتها المتباينة، أو على مستوى العامة والبسطاء من الناس، وهو ما نجحت المؤلفة في الكشف عنه.