يشهد سوق السيارات المصرية واحدة من أعنف موجات التصحيح السعرى منذ سنوات، حيث لم يعد الحديث يدور عن تخفيضات محدودة أو عروض موسمية، بل عن هبوط حاد ومباشر في الأسعار وصل في بعض الطرازات إلى نصف مليون جنيه، بينما تراجعت أسعار سيارات اقتصادية بنحو 200 ألف جنيه، وهو مشهد يعكس تحولًا جذريًا في معادلة العرض والطلب داخل السوق. هذا التحول لم يأت من فراغ، بل هو نتيجة تداخل عدة عوامل اقتصادية وسوقية، أبرزها الركود، وشح السيولة النقدية لدى المستهلكين، إلى جانب الطفرة الكبيرة فى المعروض، خاصة من السيارات الصينية، وما تبع ذلك من تغيرات فى سياسات التسعير لدى العلامات التجارية الكبرى. يمكن القول دون مبالغة إن الركود هو المحرك الأساسى لما يحدث الآن، فالقوة الشرائية للمستهلك المصرى تراجعت بشكل ملحوظ خلال الفترة الماضية، نتيجة الضغوط الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة، ما جعل قرار شراء سيارة «خصوصًا الجديدة» قرار مستبعد لدى شريحة واسعة من المواطنين. هذا التراجع فى الطلب خلق فجوة واضحة بين حجم المعروض وحجم المبيعات الفعلية، لتجد الشركات نفسها أمام مخزون متراكم، وسيارات متكدسة فى المعارض، دون حركة بيع تتناسب مع التوقعات التى بُنيت عليها خطط الاستيراد والتسعير السابقة. العامل الثاني المؤثر بقوة هو الزيادة الكبيرة فى المعروض، لا سيما من السيارات الصينية، فخلال السنوات الأخيرة، توسع الحضور الصينى فى السوق المصرية بشكل لافت، مدفوعًا بتنوع الطرازات، وتعدد العلامات، وسياسات تسعير كانت - فى وقت سابق - أقل من المنافسين الأوروبيين واليابانيين. لكن مع تراجع الطلب، تحولت هذه الميزة إلى عبء، فالسوق لم تعد قادرة على استيعاب هذا الكم من السيارات، ما دفع الوكلاء إلى خفض الأسعار بشكل كبير لتصريف المخزون، والدخول فى منافسة سعرية مباشرة، أضرّت بالأسعار العامة للسوق، ولم تقتصر آثارها على السيارات الصينية فقط، بل امتدت إلى جميع العلامات. اللافت في المشهد الحالي أن التخفيضات لم تقتصر على الموديلات المتوفرة بالفعل، بل امتدت إلى السيارات التي تستعد لدخول السوق خلال الأيام المقبلة، وقد لجأت علامات كبيرة إلى إعادة صياغة سياسات التسعير من البداية، وطرح موديلات جديدة بأسعار أقل من التوقعات، فى محاولة لجذب الطلب المفقود، واستعادة جزء من الثقة لدى المستهلك. هذه الخطوة تعكس إدراكًا متزايدًا لدى الشركات بأن زمن التسعير المرتفع، المعتمد على ندرة المعروض أو توقعات التضخم المستمر، قد انتهى «على الأقل فى المدى القصير» وأن السوق تفرض الآن معادلة مختلفة عنوانها: سعر أقل مقابل حجم مبيعات أعلى. ورغم كل ما سبق، تبرز إشكالية حقيقية فى سوق السيارات المستعملة، حيث لم يواكب هذا السوق موجة الهبوط الحالية، بل على العكس، ما زالت أسعار المستعمل مرتفعة نسبيًا، وفى بعض الفئات متقاربة «أو حتى مساوية» لأسعار السيارات الجديدة بعد التخفيضات. هذه المفارقة تطرح عدة تساؤلات: هل يعكس تسعير المستعمل واقع السوق أم أوهامًا قديمة؟ وهل ما زال بعض البائعين يراهنون على عودة الأسعار للارتفاع؟ أم أن السوق لم تستوعب بعد حجم التحول الذى حدث في الجديد؟ في الواقع، يمكن تفسير هذا الجمود فى أسعار المستعمل بعدة عوامل، منها تمسك الملاك بأسعار الشراء السابقة المرتفعة، ورفضهم البيع بخسارة، إضافة إلى بطء انتقال الصدمات السعرية من سوق الجديد إلى المستعمل، لكن منطق السوق يشير إلى أن هذا الوضع لن يستمر طويلًا، وأن المستعمل سيكون مضطرًا «عاجلًا أو آجلًا» إلى التصحيح، خاصة إذا استمرت التخفيضات فى الجديد. والسؤال: إلى أين يتجه السوق؟ المؤشرات الحالية توحى بأن سوق السيارات المصري يمر بمرحلة إعادة تسعير شاملة، قد تستمر خلال الأشهر المقبلة. ومن المرجح أن نشهد مزيدًا من التخفيضات، خاصة على الموديلات بطيئة الحركة، وضغطًا متزايدًا على سوق المستعمل للتكيف مع الأسعار الجديدة، وتغيرًا فى سلوك المستهلك، الذى بات أكثر انتظارًا وترقبًا وأقل اندفاعًا. في المقابل، قد تمثل هذه المرحلة فرصة حقيقية للمشترى النهائى، الذى صبر طويلًا على أسعار مبالغ فيها، لكنها فى الوقت ذاته اختبار قاسى للوكلاء والتجار، وقدرتهم على التكيف مع واقع سوق لم يعد يحتمل التسعير المرتفع أو المخزون الراكد. خلاصة القول: ما يحدث اليوم ليس مجرد تخفيضات وقتية، بل تصحيح قاسى فرضه الركود وتخمة المعروض وتغير قواعد اللعبة، والسؤال لم يعد: هل ستنخفض الأسعار؟ بل: إلى أى مدى ستستمر موجة الهبوط، ومن سيتمكن من النجاة منها بأقل الخسائر؟