محمد سالم عبادة فى تسع لوحاتٍ قصصيّةٍ، ضمن مجموعتها «لعنة ميدوسا والفيل أبو زلومة» (دار ميتابوك، لا تكاد الكاتبة ياسمين مجدى تلمس حدَثًا ينتمى إلى الواقع حتى تنتشله بعيدًا عن أرض هذا الواقع، ولا تكاد تستقيمُ لها مفردةٌ من قاموسنا الذى تُشير فيه الكلماتُ إلى أشياء متعيّنةٍ حَولَنا، حتى يُجاوِرَها تركيبٌ يَخرجُ بالفِقرة كلِّها إلى عالَمٍ حُلُميٍّ، يبدو أقربَ إلى لوحات مارك شاغال، حيث العلاقاتُ بين الوحدات المكوِّنة لكلِّ لوحةٍ جديدةٌ تمامًا، والعناصر سابحةٌ فى أثيرٍ لونيٍّ شفّافٍ بقَدر ما هو غامض. هكذا، تحدِّثُنا فى مَطلع القصّة الافتتاحيّة «التابوت» عمّا وجدَته بداخلِه: «بطًّا يعوم، وأيّامًا من ديسمبر..»، لتتجاور الملموساتُ والمجرَّدات، فتؤسِّس عالَم القصّة على لُغةٍ شِعريّةٍ تُخاطِب فى المتلقّى شيئًا أعمق من الوعى الحسّيّ المباشِر القائم على العلاقات المنطقيّة، يجعله يتأوّل ما يقرؤه استنادًا إلى سِياق كلِّ قصّةٍ، فضلًا عن السِّياق الذى يَنتظم قصصَ المجموعة كلَّها، إن كان ثَمّ مِثلُ هذا السِّياق. وفى «التابوت»، نقرأ عباراتٍ بلسان البطلة الراوية عن ضِيقِها بما يختزنه رأسُها من أفكارٍ ومشاعر. ونكتشف أنّها قد اشترَت التابوت (أون لاين). ولا يَمضى كثيرُ وقتٍ حتى نُدرك أنّ التابوت قد يمثِّل تجسُّدًا لِما يسمِّيه مُترجِمو كارل يُونغ (الخافِية)، أى الرُّكن المُظلم من أنفُسنا الذى تستكنُّ فيه دوافعُنا الأعمق وبواعثُ نشاطنا اللا واعية. تتخلّص البطلة ممّا يُثقلُها بالنوم فى التابوت، وتعود إلى واقعها بنفسٍ أخفّ تشكو أوّلًا أنّ التابوت يَسَعُ جسدَها بصعوبةٍ، ثمّ يتّسع التابوت – أو يَصغر جسدُها- حتى تستطيع أن تتدحرج فيه من ناحيةٍ إلى أخرى. ولعلّ الفقرة التى تتحدّث فيها عن محاولتِها تنظيفَ التابوت من الأفكار السوداء -بفَرشِه بلحافٍ ورديٍّ ثمّ غَسل اللحاف- تجسِّد جوهرَ ما تقومُ عليه قِصص المجموعة، وهو تمييع الخطوط الفاصلة بين الملموس والمجرَّد، وبين الواقع والحُلم، ما يَقترِح أن نتأوّل مفرداتِ الواقع، فيغدو الانطباع العامُّ الذى نَخرج به من «التابوت» هو ما يَشعر به الإنسان من حِصار أفكاره، فكلُّ مَهرَبٍ نحاولُه مآلُه إلى الفشَل. وتصدِّق على هذا الانطباع نهاية القصّة الكارثيّة، إذ تمدّدَت داخلَه مرّةً أخيرةً، وأغلقَت غطاءه، فلمّا ضاق نفَسُها وحاولَت دفع الغطاء لم يَنفتِح. لقد تحوّل المَهرَب إلى قبر، وبعد أن كان تابوتًا للأفكار، صار تابوتًا لصاحبته! تُفتتح قصّة «عادات النَّوم السيّئة» بعبارةٍ شِعريّةٍ أخرى: «عبَرَت القصّةُ إلى الرصيف الآخَر من رأسى، وسألَتنى إن كنتُ سأستيقظُ من النَّوم أو تهجرُنى كعادتها.» هكذا يُطلُّ برأسِه السَّرد الواعى بذاته، لنُدرك أنّنا إزاء كاتبةٍ مهمومةٍ بفِعل الكتابة. وكما ينتقل الرّاوى -الذى تخفَّت وراءه الكاتبةُ- من الحديث عن القصّة وهى فى رأسه إلى أحداث القصّة، تنتقل أمُّه –البطلة- بين النوم واليقظة، مع ملاحظة أنّها تمشى فى نومها، وربّما تخرج من البيت وتسير أيّامًا، وترقص فى النَّهر وهى نائمة! وفى فِقرةٍ دالّةٍ يقول مخاطبًا أمَّه: «أحتاجُ فى النهار أن أجمع فوضايَ وفوضاكِ فى قصّةٍ واحدةٍ، أرتِّب كلماتِها..، وأنتِ تسيرين بجِوارى ترسُمين قصّتَكِ بأصابعك على الهواء» ما يوحى بأنّ فِعلَ كتابة القصّة يسير محاذيًا فِعل السَّير أثناء النوم! وفى فقرةٍ أخرى يقول: «تتدحرجين فتكادين تسقطين من حافة السرير. أُعيدُكِ فى صمتٍ، فلا يسمعنا أبى لأنه يَرفع صوته فيغطّى على الكراسيّ التى نزيحها... . أغطّيكِ فى سريرِكِ، فلا أعرف إن كنتُ دخلتُ حُلمكِ أم أنّك جئتِ من قصّتي!» هنا يتعضّد استنتاجُنا أنّ الكاتبة تؤسِّس رؤيةً للكاتب، بوَصفِه إنسانًا يسير أثناء نومه، فيَخلق عالَمًا يتقاطع مع الواقع ويفترق عنه فى آن. وبقَدر ما يتضاءل اهتمامُ الآخَرين بالأدَب، يتضاءل إدراكُهم لعالَم هؤلاء السائرين فى نومهم، فالأبُ رافعٌ صوتَه الواقعيَّ، حتى إنّه لا يَسمع ما يَحدث فى عالَم الأمّ وابنِها الرّاوي! لكنّ الكاتبة فى قصّة «تجارة التفّاح» تأخذ فِعلَ القَصّ إلى ساحةٍ أخرى تبدو مدمِّرة. هنا نجِد الموضوع الأساسيَّ برنامجًا من برامج عروض الحقيقة المتَلفَزة reality show يستضيف فى كلّ حلقةٍ زوجَين يكشف كلٌّ منهما عن مدى معرفته برفيقِه، وخلال ذلك تنكشِف أسرارُهما على الملأ، ويظلّ الجمهور يتابعهما فى الواقع بعد انقضاء الحلقة، ومن الأزواج من يُصاب باكتئابٍ وينتحر. ما يَحدث هنا هو أنّ فِعل القصّ/ الكتابة يتحوّل من مغامَرةٍ فرديّةٍ مأمونة العواقبِ بالنسبة إلى المجتمَع، إلى فِعلٍ مؤسَّسيٍّ، تتناول فيه الآلةُ الإعلاميّةُ قطاعًا من المجتمَع، فتحوِّله من واقعٍ حيٍّ له حُرمتُه المصونة، إلى قصّةٍ مرئيّةٍ يتابعها الناس ويُدلون بآرائهم فيها وفى فقرةٍ يقول الراوى العليم: «تُتداوَل أوصافٌ عن المبنى أنّه مِثلُ بيت الرُّعب. ركنٌ مُظلمٌ لا تطلُّ منه أيّةُ كاميراتٍ أو إضاءة الدخول إليه من الجراچ..» ألا يذكِّرنا هذا –على نحوٍ ما- بالتابوت فى القصّة الأولى؟! فى الجراچ لعبة سيّاراتٍ كهربائيّة، وتجهيزاتٌ تبدو أشبه بمُحاكَياتٍ للأفلام العاطفيّة التى تنطوى على الحركة والمغامَرة. فإذا سِرنا وراء خيط التأويل، فإنّ المبنى المظلم والجراچ يبدُوان لنا أشبه بغرفةٍ للّاوعى الجَمعيّ، مسكونةٍ بنماذج للحياة العاطفيّة المُثيرة، زرعها الإعلامُ فى أذهاننا. والمهمُّ أنّ مصادرةَ مؤسسة الإعلام لفِعل القَصّ تُخرجه إلى منطقةٍ شيطانيّةٍ، فالزوجان سيّد وقشطة فى نهاية الحلقة شَعَرَا أنهما عاريان «حتى راح سيّد يشدّ ملابس فريق البرنامج ليغطّى نفسَه". لقد أخرجَ العَرضُ الزوجَين من جنّة الغَفلة إلى أرضِ الريبة والشكّ. فى «قصّة المؤلِّفة» يُضاء جانبٌ آخَر من الكتابة الواعية بذاتها، فتتحدّث الراوية عن بطلٍ خلقَته على الورَق، لتُحبَّه! تُلقى فى طريقه بآثار خَلقِها إيّاه: حِبرًا على ملابسه، وأغطية أقلامها التى تكتبُه بها. والمفاجأة أنّ البطلَ عُمَر يَخرج من القصّة ويتجسّد فى غرفة خالِقته! تتطوّر الأمور بينهما، وتترك خاطبها، ويقتحم عُمَر حياتها الواقعيّة بقوّةٍ، وفى لحظةٍ تجد نفسها تتساءل: مَن منهما كتبَ الآخَر؟ ويصل التداخلُ بين العالَمَين إلى ذروته فى السطرين الأخيرين: «فى المسوَّدة الأخيرة وجدتُ سيّدةً تشبهنى، تزحفُ على ركبتيها، تلمُّ حبّات البامية من الأرض، وتنادى بدلالٍ يا عُمَر، يا عُمَر.» إننا إزاء انقلابٍ فى دورَى الكاتب والمكتوب، فالمكتوب قد غيّر حياة كاتبه تمامًا، بل لقد شدَّه إلى داخلِه وامتصَّه! فى «مُفرَدات» لا نلمح من العالَم الحُلُميِّ الذى اعتدناه منذ بداية المجموعة إلّا ملامح قليلةً، منها الجناحان النابتان من ظَهر الصّحافيّة التى يحبُّها الرّاوى فى الجزء الأوَّل من القصّة (الزُّهرة). لكنّ الكاتبة تكشِف أمامَنا المجتمَع وهو يَلعبُ بالمفرَدات ويضع منها واحدةً مكان الأخرى، فالفعل الواحد يسمَّى «مقاومةً» أو «تخريبًا»، وتبدو العلاقة بين صحافيٍّ فى الستّين وتلميذته الشابّة وسطًا مناسبًا لعَرض الاختلاف الكبير فى مدلول كلمة الحُبّ بين شخصَين. فى «فضولٌ عِلمىّ» تختصر صفحاتٌ قليلةٌ مشروع روايةٍ طويلةٍ قائمةٍ على فكرة السفر عبر الزمن، فلدينا امرأةٌ تتلصّص على أسفار زوجها العالِم عبرَ الزمن، فتقفز وراءه من زمنها الحاضر إلى أزمانٍ مختلفةٍ، ويقع فى حبِّها فى كلّ مرّةٍ وهو لا يعرف أنّها هى، فتسمّيه «حصّالتها الكونيّة للحُبّ"! والمهمّ أنّنا أمام نموذجَين تقليديَّين لرجُلٍ مستعدٍّ أن يَشهد دَمار العالَم فى سبيل الفضول العلمى، وامرأةٍ تحاول الحفاظ على الوضع القائم، مبتدئةً بأُسرتها التى تَحملُ أعباءها فى ظلّ تكرار غياب الزوج، ومنتهيةً بمُعارَضة استخدام القنبلة النووية فى زمن الحرب العالمية الثانية. أمّا فى «الفيل أبو زلُّومة» فتعود النَّزعة التى بدأَت بها المجموعة، حيث التراكيب اللغويّة تنقشُ الأحداث فى عالَمٍ لا هو من الواقع ولا هو من الخَيال المَحض. يبدأ الأمر بتغيُّرٍ فى أنف البطل كالدُّمَّل، يَكبر تدريجيًّا ثمّ يختفى، وتختفى معه حاسّة الشّمّ. لكنّها تعود أقوى من ذى قَبل، ومكان الأنف يَنبت خرطومٌ قادرٌ على أن يشُمَّ حقائق الناس الخفيّة، فيُعامل الناسُ البطل كما يعاملون الأولياء. ولعلّ أبرز تلك التراكيب اللغويّة المُشار إليها قولُ الكاتبة «الفيل يمدُّ قدمَيه ويدوسُ على صدرى، أشعر بثقلٍ، تنمو معه غاباتٌ فوق مجرى تنفُّسى، كى يأكل الفيل ويرشَّ الماء.» ويظلُّ هذا الفيل المجازيُّ/ الحقيقيُّ يسيطر على حياة البطل، حتى الجُملة الأخيرة التى يستسلم فيها البطل لسكّين شحّاذٍ قاتلٍ، فى مأساة إنسانٍ معذَّبٍ ومغتربٍ برَهافة إحساسه، تمامًا كاغتراب الرّاوى بفِعل الكتابة أو اغتراب أمِّه بفعل السَّير فى النوم فى قصّة «عادات النوم السيّئة". وفى «الجرجونة» نلمح انحيازًا غنوصيًّا إلى الرمز الأسطوريّ السَّلبيّ، فميدوسا المُرعبة القادمة من أساطير الإغريق، والتى تحوِّل نظرتُها مَن تنظر إليهم إلى حجارةٍ، عادت فى شخصيّة فتاةٍ مُعاصرةٍ، لكنّها حَسُودٌ «تفلق عيناها الحجَر"! وتجرِّد كاتبتُنا من نفسِها راويًا يقع فى غرام ميدوسا الجديدة، ويُدرك جَمالها بالرغم من شؤمها، كما يُدرك دوافع نظرتها الشرّيرة التى تبدو مُبرَّرةً تمامًا. وكما يَجثُم الفيل على صدر البطل فى «الفيل أبو زلّومة»، يصِف الرّاوى هنا حجَرًا ينمو فى صدر ميدوسا مكانَ قلبها حين يفوتُها قطار الزواج. ويمثِّل هذا التشيُّؤ فى القصّتين قُطبًا مضادًّا للتأنسُن الذى يتجلّى فى التابوت فى القصّة الافتتاحيّة. وهذا التأرجُح بين قُطبَى التأنسُن والتشيُّؤ يُعَدُّ ملمحًا من ملامح ذوَبان الحدود بين الواقع والحُلم. فى «كَلبة المَشاعر» تحدِّثنا الرّاوية البطلة عن غربة مَن يَشعر بآلام الآخَرين ويتعاطف معهم لكنّه لا يملِك دفعًا لمعاناتهم. وامتدادًا للخَيط العِرفانيّ الظاهر فى «الفيل أبو زلّومة» و"الجرجونة»، نرى البطلةَ هنا تتمتّع بقدرةٍ فوق الطبيعيّة على معرفة أماكن مكسورى القُلوب منذ طفولتها، وهى تستسلِم لهذه القدرة فتهَب حياتَها لمحاولة مواساتِهم والتخفيف عنهم. وحين تعجز عن المواساة لا تجد إلّا الكتابة، فتَكتب بأيّة أداةٍ (غصن شجرة- سِكّين- قلَم) على أيّ حجَرٍ تجِدُه قصّة الجريمة أو الإساءة التى شَهِدَتها، محاوِلةً لَفت انتباه الغافلين إلى معاناة مَن يُعانون وفى النهاية تَطير كالأرواح فى لوحات مارك شاغال، لتنبِّه غيرَها إلى مَن يعانون. وباستقراءٍ هذه القصص ، يَلوح لنا أنّنا أمام كاتبةٍ تَرثى لحال البشَريّة الساقطة فى أوحال العداوة، وهى فى رهافة شعورها بمعاناة البشَر تَخلُق أبطالَها بالِغى الرّهافة، إلى درجة الغُربة بين الناس. وأبطالها يتمتّعون بقُدراتٍ عِرفانيّةٍ تمكِّنهم من إدراك الحقائق كالخِضر، لكنّ كُلًّا منهم أقربُ إلى خِضرٍ عاجزٍ عن التدخُّل الإيجابيّ، وليس أمامه إلّا الكتابة. وقد تستغرِق الكتابةُ الكاتبةَ حتى تلتهمَها تمامًا، كما فى «قصّة المؤلِّفة»، وكما فى «التابوت» إذا أوَّلنا التابوت على أنّه المَلاذُ الوحيدُ للأفكار المكبوتة، أى أنّه ليس إلّا الكتابة! أمّا إذا ما تحوّلَت الكتابة من مَلاذٍ فرديٍّ إلى فِعلٍ مؤسَّسيٍّ، كما فى عرض الحقيقة المتلفَزة فى «تجارة التفّاح» أو الصحافة فى «مُفرَدات» فإنّ النتيجة انكشافُ السَّوءاتِ، أو اختلافٌ فى المَفاهيم لا يَخلُق إلّا صُدوعًا لا أملَ فى رأبها.