محافظ أسوان يشيد بجهود الطب البيطرى لحماية الثروة الحيوانية خلال 2025    محافظة بورسعيد: أعمال تطهير وتكريك وراء انخفاض ضغط مياه الشرب    نائب رئيس فلسطين يبحث مع المبعوث الأممي تطورات خطة ترامب بشأن غزة    إيران تنقطع عن العالم الخارجي.. وخامنئي يتهم المتظاهرين بإرضاء ترامب    مدرب كوت ديفوار: منتخب مصر متكامل.. ونصف نهائي أمم أفريقيا هدفنا    غزة: ارتفاع حصيلة الشهداء إلى 71،409 والإصابات إلى 171،304 منذ بدء العدوان الإسرائيلي    رئيسة وزراء إيطاليا تعارض أي محاولة أمريكية للسيطرة على جرينلاند    صافرة جزائرية تدير مباراة مصر وكوت ديفوار غدا    جوارديولا: الجميع يعرف قدرات سيمينيو    تفاصيل سقوط شبكة للمراهنات والعملات المشفرة عبر السوشيال ميديا    جوائز ساويرس والفريضة الغائبة    شهادات عسكرية ودبلوماسية.. كيف شاركت مصر في تجربة الزعيم الكونغولي باتريس لومومبا من الصعود إلى حماية أسرته بعد الاغتيال؟    رضوى الشربيني ل إيمان الزيدي: كنا حابين نشوفك بصور الزفاف الأول قبل الطلاق    «الصحة»: فحص 4 ملايين طالب ضمن أعمال الفحص الطبي الدوري الشامل بالمدارس    تنفيذ برامج تدريبية متخصصة لدعم خدمات الصحة النفسية بالمحافظات    وزير الخارجية يشدد على رفض مصر أي ممارسات من شأنها تقسيم قطاع غزة    شاهد.. لقطات من كواليس تصوير مسلسل «قسمة العدل» قبل عرضه على ON    «طوبة».. حين يتكلم البرد بلسان الأمثال الشعبية    محافظ سوهاج يتابع مقترح التطوير التنفيذي لشارع المحطة وفق الهوية البصرية    عاجل المركز الإعلامي لمجلس الوزراء ينفي ظهور إنفلونزا الطيور بالمزارع المصرية ويؤكد استقرار الأسعار    هيئة الرعاية الصحية تُطلق منصات مشروع السياحة العلاجية «نرعاك في مصر – In Egypt We Care»    ضبط قضايا اتجار في النقد الأجنبي بقيمة 11 مليون جنيه    مصرع شاب في انقلاب دراجة نارية بطريق اللاهون بالفيوم    أوقاف البحيرة تعقد 180 مقرأة قرآنية و تواصل عقد المجالس العلمية بالمساجد الكبرى    ترامب: ألغيت موجة ثانية من الهجمات العسكرية على فنزويلا بعد عملية السبت    تعرف على آخر تحديث لسعر الذهب اليوم.. عيار 24 ب6840 جنيها للجرام    محافظ الشرقية يُشيد بجهود فريق عمل وحدة «أيادي مصر»    شاهد رابط المباراة.. السنغال تواجه مالي اليوم في ربع نهائي كأس أمم إفريقيا 2025    الجيش السورى يمنح قسد مهلة جديدة لإجلاء عناصرها من حى الشيخ مقصود بحلب    وزيرة التخطيط تستقبل المشرف العام على المجلس القومي للأشخاص ذوي الإعاقة    حبس عامل 4 أيام لاتهامه بقتل زوجته الحامل إثر خلافات أسرية بقنا    محافظ أسوان يتابع تداعيات العاصفة الترابية ويقرر غلق الملاحة النهرية والتنبيه على قائدي المركبات    عضو مجلس الزمالك: فوجئت بتعيين معتمد جمال مديرًا فنيًا للزمالك من الإعلام    ختام فعاليات أوبريت «الليلة الكبيرة» بقرى حياة كريمة في أسيوط    فضل عظيم ووقاية من الفتن.... قراءة سورة الكهف يوم الجمعه    خشوع وسكينه..... ابرز أذكار الصباح والمساء يوم الجمعه    «رجال سلة الأهلي» يواجه الاتحاد فى دوري السوبر    حبس عامل دليفري لاتهامه بالتحرش بفتاتين بالسلام    الجيل الديمقراطي: ذكرى السد العالي تجسد قدرة مصر على حماية أمنها القومي    محافظ المنيا يوجّه بتقديم كافة تيسيرات الكشف الطبي والتطعيمات لحجاج بيت الله الحرام    13 قطاعًا تتصدر قيم التداول بالبورصة بجلسات نهاية الأسبوع    الحوافز المقدمة في إطار البرنامج الوطني لتنمية صناعة السيارات    دار الإفتاء تحسم الجدل: الخمار أم النقاب.. أيهما الأفضل للمرأة؟    قراران جمهوريان وتكليفات حاسمة من السيسي للحكومة ورسائل قوية للمصريين    إصابة 13 شخصا فى حادث انقلاب ميكروباص بالمنيا    تعليم سوهاج تنهي استعداداتها لاستقبال امتحانات النقل للفصل الدراسي الأول    استقرار بيتكوين قرب 91 ألف دولار مع ترقب بيانات الوظائف الأمريكية    خطوة بخطوة، طريقة عمل شيش الكبدة بمذاق مميز وشهي    مدحت عبد الهادي: لا بد من تواجد مهاجم صريح لمنتخب مصر أمام كوت ديفوار    سنن وآداب يوم الجمعة يوم بركة وعبادة في حياة المسلم    الأعلى للجامعات يبحث نظم الدراسة بين مصر والولايات المتحدة الأمريكية    تفاصيل إطلاق تاجر خضار النار على موظف بمركز لعلاج إدمان في مدينة 6 أكتوبر    «الشؤون النيابية» تنشر إنفوجرافات جديدة من سلسلة «توعية وتواصل»    انقطاع الكهرباء عن أكثر من نصف مليون شخص في بيلجورود بعد هجوم أوكراني    هويدا حافظ يكتب: من الميلاد.. إلى المعراج    مصطفى بكري: الرئيس السيسي تحمل ما تنوء عنه الجبال.. وبكره التاريخ سيعطيه حقه    نتيجة مباراة مالي والسنغال الآن.. صراع شرس على بطاقة نصف النهائي    ألونسو ينتقد سيميوني.. ويؤكد: قدمنا شوطا مميزا أمام أتلتيكو مدريد    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



كاتبات في المواجهة 5
أليفة رفعت، قاومت العزلة والإزاحة بعالمها القصصي المدهش
نشر في أخبار الأدب يوم 19 - 01 - 2019

لا بد أن نكرر بشكل أو بآخر، أن عقد الخمسينيات من القرن العشرين، كان عقد القصة القصيرة بامتياز، رغم أنه حمل لنا ثلاثية نجيب محفوظ "بين القصرين، وقصر الشوك، والسكرية"، وكذلك رواية "الأرض" لعبد الرحمن الشرقاوي، وأيضا روايات يوسف السباعي وإحسان عبد القدوس وغيرهم من الكتّاب والمبدعين، وفي مقابل ذلك، نشأت ظاهرة التجديد في القصة القصيرة بدرجات ومستويات عالية، وصدرت مجموعات قصصية مازالت تمارس فاعليتها حتي الآن، وتمد بظلها علي كافة الأجيال اللاحقة.
ونريد أن نذكّر فقط، وعلي سبيل المثال بالمجموعات القصصية التالية، "أرخص ليالي" ليوسف ادريس أغسطس 1954، »العشاق الخمسة»‬ ليوسف الشاروني، »‬عم فرج» لنعمان عاشور، »‬السماء السوداء» لمحمود السعدني، 1955، »‬أكل عيش» لمصطفي محمود، »‬مسا الخير ياجدعان» لبدر نشأت، »‬زهر البنفسج» لزكريا الحجاوي، »‬حيطان عالية» لإدوار الخراط، وغير ذلك مجموعات قصصية لألفريد فرج، وسعد الدين وهبة، وصبري العسكري، هذا عدا أن جميع المجلات الأسبوعية غير الأدبية تقريبا، كانت تنشر قصة كل أسبوع، مثل مجلات آخر ساعة والتحرير والإذاعة والجيل وصباح الخير وروز اليوسف، فضلا عن الصحف اليومية مثل الأخبار والجمهورية والأهرام والمساء والزمان والقاهرة، أما المجلات الأدبية فكانت معنية بشكل خاص بنشر القصص القصيرة، والاهتمام بمتابعة كافة القضايا المتعلقة بذلك الفن البديع، فكانت مجلة مثل "الرسالة الجديدة"، والتي كان يرأس تحريرها يوسف السباعي، تنشر أكثر من قصة في كل عدد، وكذلك تتابع المسابقات الأدبية التي كان يقيمها نادي القصة، وتنشر تحقيقات تتعلق بهذا الفن.
ومن خلال الإنتاج القصصي الكثيف، تفجرت قضايا عديدة، وبالتالي توزعّت المناقشات حول طبيعة هذا الفن، وبالتأكيد كانت النزعات النقدية التي تنحاز للواقعية، أو الواقعية الجديدة، أو الواقعية الاشتراكية، هي التي كانت سائدة،ومن الطبيعي أيضا كانت المفاهيم في طور التأسيس، والمعارك علي أشدها، وكان قد صدر كتاب "في الثقافة المصرية" لمحمود أمين العالم ود عبد العظيم أنيس في بيروت، وطرح تلك القضايا بقوة، تلك القضايا التي تصدّت للمفاهيم أولا، ثم تعرضت للنتاج الأدبي المتعدد من جهة ثانية، وفي هذا السياق حدثت اشتباكات حادة بين الأجيال الجديدة، والتي كان يمثلها المؤلفان محمود العالم ود أنيس، ومعهما كتلة من الكتاب الجدد مثل صلاح حافظ وفتحي غانم وإحسان عبد القدوس ويوسف إدريس وغيرهم، والأجيال القديمة، والتي كانت الأهداف الرئيسية للمعركة، وكان يمثلها بامتياز د طه حسين وعباس محمود العقاد ومحمود تيمور وتوفيق الحكيم وغيرهم.
وكما نلاحظ في السرد السريع السالف، أن المرأة الكاتبة لم تكن بارزة علي السطح، رغم أن هناك نتاجات واضحة وبديعة ظهرت في فن القصة القصيرة آنذاك، إبداعات لصوفي عبدالله وملك عبد العزيز ونوال السعداوي وجاذبية صدقي وفوزية مهران وسعاد زهير وأمينة السعيد وفيكتوريا نجيب وغيرهن، ومنهن من أصدرن مجموعات قصصية كثيرة، مثل جاذبية صدقي وصوفي عبدالله، ومنهن كاتبات أخريات نشرن قصصهن في الدوريات، وكانت تنتظر تلك القصص أن تجتمع في مجموعات وكتب لتضمها، وقد حدث ذلك لكثير من الكاتبات.
وفي ظل ذلك المناخ الطارد للكاتبات، حيث الحديث والنقد والجدل والاهتمام يدور دوما حول الكتّاب والمبدعين، دون الكاتبات، ظهرت الكاتبة الشابة أليفة رفعت، ونشرت بعض قصصها في مجلات ذلك الزمان، وكانت عائلتها المحافظة جدا، مثل غالبية العائلات حريصة كل الحرص علي الاهتمام بتزويج ابنتها، وكانت مواهب أليفة بدأت في الظهور بكثافة، ونشرت بضعة قصص قصيرة، ولكن حدث الزواج، ومنعت أليفة من الكتابة والنشر، لكي تنتبه لبيتها ولأسرتها، وتكون ربة بيت صالحة، وتتفرغ تماما لذلك البيت، وكذلك الزوج، وكأن الانتباه للبيت وللزوج وللأسرة، نقيض للكتابة وللإبداع والثقافة بشكل عام، وفكرة اقتصار البيت والأسرة علي اهتمامات المرأة فقط، لم تكن مقصورة علي الناس العاديين فقط، بل امتدت إلي الكتاب والمثقفين كذلك.
ظلّ هذا الأمر قائما في حياة أليفة رفعت لما يقرب من عقدين، كانت خلالهما تكتب في صمت، وتقاوم في صلابة، وذلك لتحافظ علي جمرة الإبداع مشتعلة كل هذا الزمن، وكان من الممكن أن تذبل كل عناصر الإبداع لديها، ولكنها عادت بقوة، وراحت تنشر إبداعها منذ مطلع عقد السبعينيات، فنشرت قصصها في مجلات الثقافة الشهرية، والثقافة الأسبوعية، والتحرير، والزهور، والهلال، والقصة، ونشرت أول مجموعة قصصية لها في يونيو 1975 ، وعنوانها »‬حواء تعود لآدم»، وبحكم علاقتها الوطيدة بالمترجم جيمس ديفيز، فترجم لها بعض قصصها، وراجت تلك القصص في أوروبا وأمريكا، قبل أن تنتشر هنا في مصر، وربما يكون رواجها بالنسبة للقارئ العربي يكون معدوما أو شبه معدوم.
كان من الذين كتبوا عنها فور صدور مجموعتها الأولي هذه، القاص الراحل يوسف الشاروني كتب يقول عنها في أبريل 1976 :"السيدة أليفة رفعت بدأت تنشر منذ عامين فقط، لكنها فيما يبدو كانت تمارس كتابتها منذ زمن أبعد من ذلك، وقد لفت نظري إلي قصصها قصة كانت قد تقدمت بها للنشر في مجلة الزهور الملحقة بمجلة الهلال منذ أكثر من عام بعنوان "عالمي المجهول"، وفيها قدمت بصورة فنية ناضجة ورائعة هذا المزيج المتناقض بين الرغبة والخوف الذي يعصف بقلب إحدي الزوجات التي ارتادت هذا العالم الفانتازي الذي يضرب بجذوره في التراث الشعبي..".
يسترسل الشاروني في قراءة قصص أليفة، وينتصر للجوانب الفيزيائية التي تطرحها القصص، وفي الحقيقة تعتبر قراءة الشاروني لقصص أليف، قراءة إيجابية من حيث الرؤية الفنية، فهو لم يكن يصنّف الكتابة إلي يمين ويسار، ولم يكن مدعيّا علي وجه الإطلاق أي بطولات وهمية ذكورية، وتقريبا هو الوحيد الذي اهتم علي مدي عقود الستينات والسبعينات بكتابة المرأة، فقدم كتابين مرجعيين، الكتاب الأول هو "الليلة الثانية بعد الألف"، وضم هذا الكتاب الذي ضم مختارات من القصة النسائية في مصر عام 1975 عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، وشملت المختارات قصصا لمي زيادة وسهير القلماوي وعائشة عبد الرحمن ونجيبة العسال وهدي جاد وصوفي عبدالله وسعاد زهير ولطيفة الزيات وجاذبية صدقي وفوزية مهران ونوال السعداوي وأليفة رفعت ووفية خيري وإحسان كمال ونادية كامل وإقبال بركة وزينب صادق وزينب رشدي وسكينة فؤاد وسعاد شلش، وتضمن الكتاب السيرة الذاتية لكل كاتبة، وهذا جهد يشكر للشاروني، كما أنه أصدر كتابا آخر عنوانه "حفيدات شهرزاد .. قراءات في إبداعات"، تضمن قراءات في كتابات وقصص كثر من الكاتبات، وصدر الكتاب عن الهيئة المصرية العامة للكتاب عام 2009، والكتابان في غاية الأهمية، حيث أن المادة المنشورة فيهما، لن نجدها في أي مصادر أخري.
وكما كتب الشاروني عن مجموعة أليفة الأولي، كتب كذلك عن مجموعتها الثانية "من يكون الرجل"، والتي صدرت عن سلسلة »‬كتاب المواهب» عام 1981، وجاء علي غلافها : أليفة رفعت كاتبة قصة متميزة، فهي تجيد التعبير الفني النافذ، عن أشواق المرأة الفكرية والروحية، ولها طاقة كبيرة علي تصوير أحاسيس المرأة المستكنة، وعواطفها المتقلبة الفوّارة، وخصوصياتها الدقيقة.. ولها شغف بالرسم للعوالم المجهولة وتصوير المشكلات الدقيقة بين الرجل والمرأة، ثم هي تجيد تصوير الطبيعة المصرية وتحولها إلي لوحات نابضة بالحياة، وإذا كانت طبيعة حياتها وظروفها قد حجبتها فترة طويلة عن الحياة الأدبية، فإنها تحاول الآن تعويض هذا الزمن الضائع بما تكتبه من روايات وقصص ترجم بعضها إلي اللغة الانجليزية ونشر في بعض المجلات الأجنبية".
كما جاءت عدة تقريرات عن الكاتبة والمجموعة في نهاية الكتاب، نقتبس أحدها كتبه الناقد مصطفي عبد اللطيف السحرتي، إذ يقول :"السيدة أليفة رفعت نابغة من كتّاب القصة، وهي نجم ثاقب من نجوم الأدب القصصي بلا مراء، وهي تنزع إلي بثّ القيم الخلقية في المجتمع، وتبدو أصالة الكاتبة وجرأتها في أكثر من قصة...والملاحظ أن الكاتبة لم تنزع إلي قصص الحب الشهوي كما يفعل الكثيرون، ولكنها ترتفع بهذا الحب وتنادي بالحب الروحي ..".
وفي هذا التقرير يحاول الناقد أن يطرح وجهة نظره المعتدلة، والتي نختلف عنها، ونراها محاولة لليّ عنق القصص بطريقة ما، حيث أنه يريد أن يعطي بعض الإيحاءات الأخلاقية المحافظة والتقليدية، والتي لم تكن الكاتبة تهتم بها، بل إنها ضربت بها عرض الحائط، واستطاعت أن تقفز علي تلك المفاهيم البالية، وفي وجهة نظري المتواضعة، أنها رائدة كتابة الجسد بامتياز، تلك الكتابة التي راحت كاتبات كثيرات في التسعينات تقلدها، وهناك من نسبن لأنفسهن ريادة هذا المجال، رغم أن الأصل كان يكمن في كتابات أليفة رفعت.
يكتب الكاتب الراحل محمد الراوي عنها عندما التقي بها في عقد السبعينات يقول :"يومها تكلمنا عن قصة لها نشرت في مجلة الزهور، أثارت تلك القصة العديد من الآراء ، قفزت أليفة في هذه القصة الحواجز، حاجز الخوف، حاجز الخجل، حاجز كونها أنثي تكتب ، ولو نشرت قصصها في أواخر السبعينات لأطلق عليها النقاد أنها تكتب بالجسد حسب مقولتهم التي شاعت علي الكتابة النسوية، وأنا أعتبر أن أليفة هي رائدة هذا الاتجاه الذي لم يتبلور اسمه إلا بعد سنوات"، ويستطرد الراوي قائلا: "..خلال المناقشة قالت لي : أرجو الا يعتبرني الآخرون كاتبة جنس" ، قلت لها : الفنان والمبدع الحقيقي لا يخشي هذا الاتهام أو الشعار، اياك أن تنفي عن نفسك هذه التهمة وإلا فأنت غير جديرة بقصتك"، وفي بقية الحوار يطرح الراوي وأليفة عدة قضايا شائكة في هذا المجال، وظل الاهتمام بأليفة رفعت اهتماما خاصا، لعدد محدود من النقاد والمبدعين والكتاب، قد صدرت لها عدة مجموعات قصصية فيما بعد مثل "منظر بعيد لمنارة 1983، و"صلاة حب"، و"في موسم الياسمين"، و"كاد لي الهوي"، و"ليل الشتاء الطويل"، كما صدرت لها رواية بديعة هي "جوهرة فرعون" عام 1991 عن دار الهلال، ورحلت عام 2001، وكانت قد ترجمت قصصها إلي عدة لغات منها الهولندية والسويدية والألمانية والفرنسية وبالطبع أسبقهم اللغة الانجليزية.
كانت مجموعتها "من يكون الرجل" الأكثر ا جدلا، وتحتوي علي أربعة عشر قصة، هي هذه ليلتي، صديقتي، محصول القطن، وتقولين من أين؟!، عالمي المجهول، ضحكة سكرة، حبيبي الذي كان، الحدوتة، من يكون الرجل، عناقيد العنب، الشرف، قمر الحارة، رقم 21/12، في موسم الياسمين"، وتتناول القصص جميعها، كافة الهموم النسوية الجريئة، ذات التعبير الحاد والواضح، وقد جاءت هذه القصص من مساحة زمنية محرومة من التعبير عن الذات، وكما قال الشاروني أنها لم تكن حديثة الكتابة، لذلك جاءت الكتابة شبه معتقة وناضجة وتحمل مخزونا فنيا وذا دلالات اجتماعية حادة وجارحة، ولا ندعّي هنا بأن الكاتبة كانت تطرح تقنيات فنيّة فائقة أو ثورية، ولكن المفاهيم الدلالية هي التي كانت فارقة وجديدة وساطعة في قضايا المرأة الاجتماعية والجسدية، رغم كل الأقنعة التي تسترت فيها بعض القصص، ولكن بعضها لم تستطع أن تضع أي مساحيق أو أقنعة.
في القصة الأولي "هذه ليلتي"، تتحدث الراوية، أو بطلة القصة عن ليلة فرحها، تلك الليلة التي كان من المفترض أن تكون أبهي ليالي العمر بالنسبة لها، ولكنها كانت ليلة تعيسة بجدارة، فهي كانت مجبرة علي تلك الزيجة البائسة، لأن أباها هو الذي أراد، ولأن أمها هي التي اختارت، فالعريس جاهز "من مجاميعه"، فلن يكلّف أسرتها أي شئ، وكذلك فالعريس مستور، ولن يجعل زوجته تحتاج إلي أي شئ في حياتها القادمة، وربما يغدق علي أهلها من ماله الوفير، كانت العروس/البطلة، تحيا الليلة في غياب تام، وتتأمل الراقصة التي تتلوي أمامها في كذب واضح، وتتساءل : من أين جاءت تلك الراقصة بكل هذه البهجة المزيفة؟، ومن أين يأت كل هؤلاء الضيوف بهذه الابتسامات الخادعة، ولكن الراوية كانت تقاوم كل هذه الأكاذيب، فهربت إلي طفولتها البعيدة، طفولتها التي استطاعت أن تعيش فيها مشاعر جميلة وصادقة وحقيقية، حتي لو كانت مشاعر قافزة علي عمر الطفولة، عندما كانت تلعب لعبة "عروستي"، كان كل شئ يسير علي مايرام، وكما هو يسود في الأفراح، ولكنها كانت تهرب بخيالها وذاكرتها إلي عوالم أخري واضحة وغامضة ومجهولة، لتصنع لنفسها عشّا آخر غير ذلك الذي ينتظرها بعد قليل، وجاءت المفاجأة عندما ذهبت إلي ذلك العش المرتقب، تكتشف أن ذلك الزوج عنيّن، ولم يعرف ماذا يفعل في تلك الليلة السوداء.
لا نريد أن نشّرح القصة نقديا، لأنها متأثرة بالبناء التقليدي للقصة، ولكن التناقضات التي طرحت في القصة، وعمق التأملات هو القصة نفسها، بالتعبيرات الحادة والواضحة والدالة.
القصة التالية مباشرة، تتحدث عن علاقة غير شرعية بين امرأة وامرأة، امرأة أجبرت امرأة أخري علي تلك العلاقة، وأفسدت حياتها بأشكال مختلفة، وهذا المنحي في الكتابة، لم يكن معروفا في ذلك الوقت، وربما كان جديدا واكتشافا، ولذلك فالقصة جريئة في أن تتحدث عن علاقة شاذة بين امرأة وامرأة أخري، تلك العلاقات التي تناولتها فيما بعد الكاتبة الكويتية عالية شعيب في روايتها "شقة الجبريلية"، وكذلك أفردت لها رسالة بحثية، وصدرت في كتابها "أخت الفتنة".
أما القصة التي أثارت الجدل واسعا وعميقا، فهي قصة "عالمي المجهول"، عن المرأة التي راحت تتأمل أفعي تتسلق شجرة، وشعرت أن تلك الأفعي لها شكل خاص، وتحولت كل صفات الأفعي المريبة، إلي صفات حميدة، وعندما لاحظ زوجها وجود تلك الأفعي، استدعي كل الوسائل لطردها، ولكن الأفعي اختفت، وفشلت كل الوسائل في طردها، لتنشأ علاقة سرّية وخاصة بين المرأة والأفعي، ولا تتورع الكاتبة استخدام كافة مفردات القاموس العاطفي في تلك العلاقة الغريبة، تقول :"سمعت هسيسا خفيفا يصدر من ركن الجدار بجوار فراشي تماما، فأطلت النظر إليه وظلّت عيوني مثبتة عليه لأجد الثقب يتسع بطيئا، بطيئا جدا، أغمضت عيني وركض قلبي بالفرحة، ونبض كياني باشتياق ولهفة، وبزغ في نفسي أمل باللقاء، أغلقت عيني واستلقيت في استسلام لما سيكون، فما عدت أبالي أيكون الحب قادما من عالم الهوام والزواحف، أم من عالم الجان ملوك الأرض؟.. فحتي لو كان هلاكي .. هذا الحب.. فشوقي له أكبر.. ولهفتي أقوي وأعظم".
هذه القصة الطويلة والعميقة علي وجه الخصوص، تكاد تكون من عيون القصة المصرية والعربية، وإذا كنا قد نفينا عن كتابات أليفة رفعت السالفة سمة التجديد في تقنيات القصة، فهذه القصة علي وجه الخصوص، جاءت بأجمل التعبيرات والتقنيات علي مستوي القصة القصيرة، واستطاعت أليفة رفعت بكافة قصصها أن تترك أثرا لا ينمحي في القصة المصرية والعربية.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.