ما إن اُعلن عن التعديل الوزاري الجديد برئاسة الدكتور مصطفى مدبولي، حتى سارع المستثمرون إلى البحث عمن تم اختياره وزيرًا للصناعة، وما إن عرفوا أنه المهندس خالد هاشم – وهو غير غريب عليهم – حتى ارتفع سقف توقعاتهم، موقنين بأنه قادر على تحقيق ما يصبون إليه من خدمة الصناعة وتوطينها، وزيادة الحصة التصديرية، لتحقيق رؤية مصر للتنمية المستدامة 2030 التي تستهدف تحويل «المحروسة» إلى مركز إقليمي عبر سباق اقتصادي محموم نحو الريادة، من خلال تنفيذ أهداف طموحة تتجاوز سقف التوقعات، معتمدة على قطاعي التصنيع والتصدير كركيزتين أساسيتين لتحقيق قفزة نوعية في مواردها الدولارية. فرؤية 2030 تستهدف مضاعفة الإيرادات والوصول بالصادرات إلى 145 مليار دولار بحلول هذا التاريخ، فضلًا عن رفع نسبة مساهمة القطاع الصناعي في الناتج المحلي الإجمالي من 14% إلى 20%، ومضاعفة فرص العمل في الصناعة من 3.5 مليون إلى 7 ملايين عامل، إلى جانب رفع مساهمة الصناعات الخضراء إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي. مهام جسام تنتظر وزير الصناعة الجديد خلال المرحلة المقبلة، فما يقع على عاتقه ليس بالأمر الهين، لا سيما في ظل ملفات معقدة ومتشعبة، غير أن ما يدعو إلى التفاؤل في تنفيذ مستهدفات الرؤية أن المهندس خالد هاشم يشار إليه بالبنان، ويعرف شعاب الصناعة ودروبها. ولم لا؟ وقد بزغ نجمه في عام 2025 حين اختارته مجلة فوربس ضمن قائمة الرؤساء التنفيذيين المتميزين في الشرق الأوسط، تتويجًا لمسيرة نجاح ممتدة كان وقودها الجهد والعمل الدؤوب. وفي أول تصريحاته، التي اعتبرها الصناع خريطة طريق، لم ينكر المهندس خالد هاشم ما بذله سلفه من جهود، بل شدد على ضرورة البناء على ما تحقق من خطوات لإحداث نقلة نوعية، ولم يكتفِ بذلك، بل وضع يده على عدد من الملفات، مع التركيز على 28 صناعة واعدة كأولوية، وفق أسس واضحة تستهدف تعميق التصنيع المحلي والحد من الاستيراد، لإحداث تنمية صناعية تنعكس إيجابًا على حياة المواطن المصري، الذي يؤكد الوزير أنه خادم له، وهو شرف لو تعلمون عظيم. صحيح أن الوزير الجديد أكد ضرورة تكثيف الجهود لتطوير الصناعة ودعم المستثمرين؛ لزيادة الإنتاج ورفع جودة المنتج المصري كي يتبوأ مكانته التي يستحقها في مصاف الأسواق العالمية، وصحيح أيضًا أن ما أعلنه ليس إلا غيضًا من فيض، غير أن الأمل يحدونا أن يهمس أحدهم في أذن سيادته ليقول له: إن المجتمع الصناعي متعطش لرؤيته في جولات ميدانية «حقيقة» داخل هيئة التنمية الصناعية وغيرها من الجهات التابعة للوزارة، للاستماع إلى شكاوى من ضاقت بهم السبل، وذلك بعيدًا عن الجولات «الروتينية» معلومة التوقيت التي قد تفقد أثرها المنشود ولا تؤتي أُكُلَهَا. لا شك أن المهندس خالد هاشم يمتلك صلاحيات واسعة، إلا أن رجال المجتمع الصناعي الذين تحدثت إليهم يتطلعون إلى إجراءات واضحة الحلقات، ويمنون أنفسهم بالكثير والكثير بعيدًا عن البيروقراطية، وبمنأى عن أي تدخلات أو استثناءات، فمطلبهم الأساسي هو المساواة بين جميع الصناع كأسنان المشط، وتيسير ما يعترضهم من عوائق، ومنح المصانع المتعثرة «إكسير الحياة»، فوفقًا لبيان صادر عن وزارة الصناعة، فقد تم إعادة تشغيل 1420 مصنعًا متعثرًا حتى نهاية ديسمبر الماضي، من إجمالي 7422 مصنعًا، وبقراءة هذا الرقم يتبين أن ما يقرب من 6000 مصنع لا يزال بحاجة إلى من ينتشله من عثرته، وهو ما يستلزم جهدًا إضافيًا مضاعفًا خلال الفترة المقبلة. سيادة الوزير، منذ توليكم المنصب الثلاثاء الماضي وحتى كتابة هذه السطور، دارت عشرات النقاشات بيني وبين رجال الصناعة والتصدير، وقد أجمعوا على أن المهندس خالد هاشم تقع على عاتقه مسؤولية إحداث حراك حقيقي في شرايين الصناعة المصرية، فهذا القطاع الحيوي يتوق إلى أن يكون الوزير همزة وصل فاعلة بين الصناعة الوطنية وأسواق التصدير في مختلف دول العالم، مستفيدًا من شبكة علاقاته الواسعة مع كبار المستثمرين الدوليين. كما يترقب المجتمع الصناعي تحركًا حاسمًا للقضاء نهائيًا على ظاهرة تسقيع الأراضي الصناعية، إلى جانب طرح مزيد من الأراضي المرفقة داخل نطاق القاهرة الكبرى، حيث لا يلبي المعروض حاليًا احتياجات المستثمرين، فرغم أن عدد الأراضي التي طُرحت عبر منصة مصر الصناعية الرقمية منذ نهاية عام 2024 وحتى ديسمبر الماضي تجاوز 10 آلاف قطعة في 25 محافظة، فإن نصيب القاهرة الكبرى منها ظل محدودًا، الأمر الذي يستدعي إعادة النظر في آليات الطرح والتوزيع بما يتسق مع الطلب الفعلي وحجم الاستثمارات المستهدفة. تحديات جمة تواجه الوزير الجديد، فليست لديه رفاهية الوقت إذ لم يتبقَّ على عام 2030 سوى أقل من أربع سنوات، ليكون مسؤولًا عن استكمال تنفيذ الخطة وتحقيق مستهدفاتها. ولا ريب أن خبراته الإقليمية والدولية تمثل زخمًا مهمًا يمكن توظيفه لدفع الصادرات قدمًا نحو تحقيق رقم 145 مليار دولار لتتساقط زخات الخير على «أرض الكنانة» بالتزامن مع جذب استثمارات خارجية وداخلية، وتشجيع الصناع على التوسع بحوافز غير مسبوقة، وخلق مناخ جاذب قائم على تسهيل إجراءات التراخيص بإيقاع يتناسب مع طبيعة المرحلة المفصلية التي تعيشها «الجمهورية الجديدة»، كما أن تعزيز الشفافية بين الوزارة والصناع، واستحداث أدوات تكنولوجية حديثة لتيسير استخراج المستندات، والاعتماد على تقنيات الذكاء الاصطناعي في تعميق التصنيع المحلي، كلها خطوات باتت ضرورة لا ترفًا. فهل يفعلها وزير الصناعة الجديد؟