حسام بركات مع اقتراب نفحات شهر رمضان المبارك، تتجه القلوب قبل الوجوه إلى السماء شوقًا وانتظارًا؛ فهو شهر لا يشبه سواه، تتنزل فيه الرحمات، وتُفتح أبواب الطاعات، وتُغلق أبواب الغفلة. غير أن استقبال رمضان لا يكون بالزينة والطقوس وحدها، بل بقلوب مستعدة، ونفوس مهيأة، وعزائم صادقة تدرك أن هذا الشهر فرصة قد لا تتكرر، فتهيئة النفس قبل دخول رمضان هى الخطوة الأولى للفوز ببركته، وحسن اغتنام أيامه ولياليه، والخروج منه بإيمان متجدد وروح أقرب إلى الله.. يؤكد د. أشرف فهمى من علماء الأوقاف، أن تهيئة النفس لاستقبال شهر رمضان المبارك لا تقوم على الوعظ المجرد، وإنما تستند إلى أصول راسخة من القرآن الكريم والسنة النبوية، تؤكد أن الاستعداد القلبى والروحى هو مفتاح الانتفاع الحقيقى بهذا الشهر العظيم.. ويشير إلى أن صدق النية هو أول معالم التهيئة، مستشهدًا بقول النبى : «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى»، فصلاح العمل مرتبط بإخلاص القصد، ومن نوى برمضان وجه الله، أعانه الله على الطاعة وفتح له أبواب القبول. كما أن الله تعالى يهيئ القلوب الصادقة لنفحاته، قال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾. ويضيف أن التوبة الصادقة من أعظم أبواب الاستعداد لرمضان؛ لأن الذنوب تُثقل القلب وتحجب لذة العبادة، وقد دعا الله عباده إلى المسارعة بها فقال:﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.وكان النبى يستغفر الله ويتوب إليه أكثر من سبعين مرة فى اليوم، وهو المعصوم، فكيف بغيره؟، ويوضح أن من أهم دلائل الاستعداد تهذيب الأخلاق وضبط السلوك، فالصيام ليس جوعًا وعطشًا فقط، بل تربية للنفس، وقد قال :«فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يجهل».وقال تعالى فى حكمة الصيام: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ... لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. ويضيف الشيخ مرسى علي، من علماء الأزهر أن تهيئة النفس لاستقبال شهر الرحمة لا تكون بكثرة الأعمال فحسب، بل بإحياء الشعور بعظمة الزمان وشرف الضيافة الإلهية، فشهر رمضان ضيف كريم لا يليق استقباله بقلوب غافلة أو نفوس منشغلة بالدنيا. ويؤكد أن أول طريق الاستعداد هو تعظيم شعائر الله، مستشهدًا بقول الحق سبحانه: ﴿ذلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾، فحين يستشعر المسلم مكانة رمضان، يتهيأ قلبه تلقائيًا للطاعة والخشوع، ويُقبل على العبادة بمحبة لا بتكلف. ويشير إلى أن من أهم صور التهيئة الإكثار من الدعاء قبل دخول الشهر، فقد كان السلف الصالح يدعون الله ستة أشهر أن يبلغهم رمضان، وستة أشهر أخرى أن يتقبله منهم، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿ادْعُونِى أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾، وقول النبى :«الدعاء هو العبادة». فالدعاء يفتح أبواب التوفيق ويهيئ القلب للنفحات الإيمانية. كما يلفت إلى ضرورة تطهير القلب من حقوق العباد، بالعفو والصفح وردّ المظالم؛ لأن القلوب المثقلة بالخصومات لا تتذوق حلاوة القرب من الله، وقد قال تعالى:﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾.