لم تكن مهنة « النباش» فى يوم من الأيام مهنة محببة، فقد ارتبطت منذ القدم بذلك الشخص الذى يقوم بنبش القبور وسرقة أكفان الموتى، وجثثهم، لذلك فلم يكن هذا المسمى سوى للسارق الذى يستحق العقاب . لكن يبدو أن «النباش» - الذى يطوف شوارع المحروسة باحثا عن المفيد داخل القمامة - بدأ فى تغيير تلك النظرة التى التصقت به، فابتعد عن الأموات ليلجأ إلى الأحياء دون تغيير اللفظ حتى ولو لأحد مرادفاته، ليعمل بنفس المسمى القديم، مساعدًا دون قصد - لجامع القمامة الذى يجمع بقايا ما نبشه النباش لكنها قمامة «سادة» يستعين فيها بالسكان ليحصل على حقه «ناشف». كنت أعتقد أن هذا «النباش» يقتصر دوره فى نبش قمامة القاهرة الكبرى فقط، لكن فى زيارتى الأخيرة للغردقة - المشتى السياحى الجميل - أيقنت أن النباش «ينبش» فى جميع المحافظات حيث فوجئت به يمارس عمله بنشاط ويطوف الشوارع مستخدمًا جميع الأدوات المتاحة، لم يكن هناك فرق سوى أن النبش فى المحروسة على الأرض والنبش فى الغردقة داخل الصناديق، فلم أر النباش وقد بعثر محتويات القمامة على الأرض لينتقى منها ما يريد كما يحدث أمام أعيننا فى الجيزة. رغم تحصيل رسوم القمامة بانتظام على فاتورة الكهرباء الشهرية إلا أنها تظل فى الشارع لفترات طويلة حتى تخرج رائحتها. خلاف ذلك فلم تحرمنا الكلاب من مشاهدتها وهى تستمتع بالسير فى الصباح الباكر داخل ممشى شارع النصر فى مجموعات منتظمة وأحيانًا متفرقة، ومثل ما يحدث فى المناطق التى لم يدخلها الصرف فى القاهرة، كان علىّ أن أسير بالسيارة فى أحد شوارع الغردقة فكان حظى أن امتلأت فيه إحدى البلاعات بمياه الصرف وأغرقت هذا الشارع. لكن لا بد من العودة إلى النباش الذى لم ينبش القمامة فقط لكنه تعداها فوصل إلى نبش «الأبلكيشن» الذى استخدمته فى زيارات سابقة للغردقة حيث كان يسجل عليه الشخص مواصفات ما يحتفظ به من أشياء عديمة الفائدة، بدلًا من إلقائها فى القمامة ليحصل مقابلها على عدد من النقاط يستطيع أن يستبدلها بما يريد من سلع داخل السوبر ماركت. لكن يبدو أن ذكاء النباش استطاع أن يفوز على «الأبلكيشن» فى المباراة النهائية ويحصل على النقاط والسلع المقررة.