أصبح الذكاء الاصطناعى اليوم لاعبًا رئيسيًا فى تشكيل وعى الشباب، فى ظل انتشار المحتوى المضلل والفيديوهات المزيفة شديدة الإقناع، التى تعتمد على تقنيات بصرية وصوتية تحاكى الواقع، ما يصعّب التمييز بين الحقيقة والخيال، خاصة مع اعتماد الشباب المتزايد على وسائل التواصل الاجتماعى كمصدر للمعلومات. ولم يعد الذكاء الاصطناعى مجرد أداة تكنولوجية لتحسين الخدمات، بل تحول إلى أحد أعمدة القوة الشاملة للدول وعنصر مؤثر فى معادلات الأمن القومى الحديثة، فى عالم تتغير فيه طبيعة الصراعات عبر الفضاء الرقمى والبيانات. وفى هذا السياق، برزت مصر كدولة أدركت مبكرًا مخاطر التحول الرقمى دون حماية، فتبنّت مسارًا متوازنًا يجمع بين التطوير التكنولوجى وحماية البيانات السيادية. ومن هنا جاء هذا الحوار مع الأستاذ الدكتور غادة محمد عامر، أستاذ هندسة النظم بجامعة بنها وخبيرة الذكاء الاصطناعى بمركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء زميل ومحاضر بالأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية، للحديث عن أحد أخطر ملفات العصر، وإلى نص الحوار.. اقرأ أيضًا | مفاجأة في عالم التقنية.. الذكاء الاصطناعي يتعلم أسرع عندما يتحدث إلى نفسه بداية.. كيف يؤثر الذكاء الاصطناعى على تشكيل وعى الشباب، خاصة مع انتشار المحتوى المضلل والفيديوهات المزيفة؟ يؤثر الذكاء الاصطناعى على وعى الشباب من خلال قدرته المتزايدة على إنتاج محتوى بصرى وصوتى شديد الإقناع يحاكى الواقع بدقة، ما يصعّب عملية التمييز بين الحقيقة والخيال، خاصة مع اعتماد الشباب المتزايد على وسائل التواصل الاجتماعى كمصدر رئيسى للمعلومات. كما تسهم أنظمة التوصية الذكية فى توجيه المستخدمين نحو محتوى محدد قد يكون مضللاً أو مبتوراً، ويعاد تقديمه بشكل متكرر يعزز القناعات المسبقة ويضعف التفكير النقدى. وفى المقابل، يمكن توظيف الذكاء الاصطناعى فى دعم وعى صحى عبر أدوات تعليمية تفاعلية، وبرامج توعوية تُنمّى مهارات التحقق وكشف التلاعب، إذا توافرت بيئة رقمية قائمة على الوعى الإعلامى والحماية المؤسسية. هل نمتلك فى مصر أدوات قادرة على مواجهة تزييف الوعى وليس فقط تزييف الصور والفيديوهات؟ توجد فى مصر منظومة من الأدوات والسياسات التنظيمية والتقنية والإعلامية التى تستهدف مواجهة تزييف الوعى، تشمل هذه المنظومة أطرًا تشريعية للأمن المعلوماتى، وتعاونًا بين الجهات الرسمية والقطاع الخاص لتعزيز الشفافية وتبادل المعلومات حول التهديدات الرقمية. كما يتم تطوير أنظمة تحليل المحتوى، وكشف التلاعب، والتحقق من المصادر، إلى جانب استخدام التشفير والهوية الرقمية وآليات الاستجابة السريعة للحوادث الإعلامية المضللة، وعلى المستوى الإعلامى، يتم تنفيذ مبادرات للتثقيف الإعلامى الرقمى وتدريب العاملين على التحقق من الأخبار ومكافحة المحتوى الكاذب. هل أصبح الوعى المجتمعى جزءاً من منظومة الأمن القومى فى عصر الذكاء الاصطناعى؟ الوعى المجتمعى يمثل خط الدفاع الاجتماعى الأول ضد التلاعب بالمعلومات وزعزعة الثقة فى المؤسسات، حيث يسهم فى تعزيز قدرة المواطنين على التمييز بين المصادر الموثوقة والمزيفة، وتقليل تأثير المعلومات المضللة على الرأى العام، ويتطلب تعزيز هذا الوعى ركائز متكاملة تشمل التعليم الإعلامى الرقمى، وسياسات تنظيمية شفافة، وتعاوناً مستداماً بين الدولة ووسائل الإعلام والقطاع الخاص، إلى جانب أدوات تقنية تتيح الإبلاغ عن المحتوى المشبوه مع حماية الخصوصية. كيف تضمن الدولة بقاء الخبرة البشرية فى موقع القيادة لا التبعية للأنظمة الذكية؟ يتحقق ذلك عبر منظومة متكاملة تبدأ بالاستثمار فى التعليم والبحث العلمى، وبناء كوادر وطنية متخصصة فى الذكاء الاصطناعى والعلوم الهندسية، وتوطين المعرفة والابتكار، إلى جانب وضع أطر حوكمة تضمن الشفافية والمساءلة والتدخل البشرى فى النقاط الحرجة، كما يشمل ذلك دعم استقلال القرار العلمى وتعزيز الحوار بين الدولة والمؤسسات الأكاديمية والصناعة والمجتمع المدنى. كيف تغيّر التعامل العالمى مع الذكاء الاصطناعى؟ انتقل الذكاء الاصطناعى من كونه أداة مساعدة إلى عنصر مؤثر فى الأمن القومى، نظراً لدوره فى تعزيز الدفاعات السيبرانية وتسريع اتخاذ القرار، كما أصبح مكوناً أساسياً فى الاستعداد العسكرى والاقتصادى والاجتماعى، ما يفرض على الدول تبنى سياسات توازن بين تشجيع الابتكار وتقليل المخاطر. هل نحن أمام سباق تكنولوجى جديد؟ يشهد العالم سباقاً تكنولوجياً يعتمد على العقول الرقمية والقدرات الابتكارية، حيث تتنافس الدول على تطوير أنظمة التعلم الآلى والسيطرة على البيانات، مع السعى لوضع أطر حوكمة تضمن الاستخدام الآمن والمسئول. كيف استعدت مصر لمواجهة الهجمات السيبرانية؟ تم الاستعداد عبر إطار تشريعى وتنظيمى واضح، وبناء كيانات متخصصة، وتطوير بنى تحتية رقمية آمنة، وتنمية الموارد البشرية، وتعزيز التعاون الدولى كما تم التركيز على حماية البنية التحتية الحيوية وفرض معايير أمان صارمة، بما يدعم التحول الرقمى الآمن. إلى أى مدى يسهم الذكاء الاصطناعى فى التنبؤ بالهجمات قبل وقوعها؟ يسهم الذكاء الاصطناعى فى بناء دفاع استباقى من خلال التحليل التنبؤى، واكتشاف الأنماط غير الاعتيادية، ومحاكاة سيناريوهات الهجوم، بما يسمح باتخاذ إجراءات وقائية مبكرة وتقليل زمن الاستجابة. كيف نوازن بين الانفتاح الرقمى وحماية البيانات السيادية؟ يتحقق هذا التوازن عبر حوكمة واضحة تحدد طبيعة البيانات السيادية، وبنية تقنية قوية تشمل التشفير وإدارة الهوية وتقييم المخاطر، إلى جانب الشفافية والتعاون الدولى، بما يسمح بالاستفادة من التحول الرقمى مع الحفاظ على الحقوق السيادية للدولة. إذا وجهنا رسالة واحدة من خلال «أخبار اليوم» للمواطن المصرى، ما أهم مهارة يجب أن يمتلكها فى عصر الذكاء الاصطناعى: المعرفة التقنية أم الوعى النقدى؟ - فى عصر الذكاء الاصطناعى، تظل الرسالة الأهم للمواطن المصرى هى تعزيز الوعى النقدى أكثر من الاعتماد على المعرفة التقنية وحدها، فالمعلومة الصحيحة تفقد قيمتها إذا لم يمتلك الفرد القدرة على تحليل مصادرها، والتحقق من صحتها، وتفكيك الرسائل الدعائية أو المضللة التى قد توظف تقنيات الذكاء الاصطناعى لتزييف الواقع. ورغم أهمية المعرفة التقنية كأداة دعم، فإنها لا تكفى بمفردها أمام محتوى يُصمم للتأثير على الرأى العام أو توجيهه دون إطار قيمى أو مراجعة مستقلة. ومن هنا تبرز أهمية تنمية الوعى النقدى، عبر تعلم آليات التحقق من الأخبار، وقراءة المصادر بمسئولية، والتمييز بين المعلومات المدعومة بالأدلة وتلك القائمة على الشائعات أو التلاعب الرقمى، مع الاستخدام الرشيد لأدوات التحقق المعتمدة، بما يساعد المواطن على تكوين حكم واعٍ قادر على مواجهة تحديات عصر الذكاء الاصطناعى.