لم يكن تحذير الرئيس عبد الفتاح السيسى من خطورة استخدام الأطفال للهواتف المحمولة ملاحظة عابرة، بل جاء كرسالة تحمل قدرًا كبيرًا من القلق على جيل يتشكل وعيه داخل عالم افتراضى بلا حدود. فالتكنولوجيا التى دخلت بيوتنا كوسيلة للمعرفة والتواصل تحولت لدى كثير من الأطفال إلى بديل عن الحياة وأصبحت رفيقًَا للأطفال منذ سنواتهم الأولى. ونرى الأطفال اليوم صامتين شاردين رؤوسهم منحنية على الشاشات وأصابعهم تتحرك أكثر مما تتحرك أفكارهم. لم يعد الحوار الأسرى ولا حتى الخيال جزءًا من يومهم بعدما سرقت الهواتف أعمارًا صغيرة قبل أوانها. خطورة الأمر لا تكمن فى الهاتف ذاته، بل فى ترك الطفل فريسة لعالم رقمى ويعيد تشكيل القيم والسلوك دون وعى، والتى تؤثر بشكل مباشرعلى تكوينه النفسى والعقلى والسلوكى وتسرق من الأطفال حقهم فى الطفولة أضف إلى ذلك المحتوى غير المناسب، الذى قد يتسلل دون رقابة حقيقية حاملًا أفكارًا وسلوكيات لا تتماشى مع قيم المجتمع. حين يتحدث الرئيس عن هذه القضية، فإنه لا يتحدث فقط عن عادة خاطئة، بل عن مستقبل أمة، فبناء الإنسان الذى تتبناه الدولة كعنوان للمرحلة يبدأ من حماية العقل فى سنوات التكوين الأولى، حيث تُزرع القيم وتتشكل الشخصية. المسئولية هنا لا تقع على الأسرة وحدها رغم أنها خط الدفاع الأول، بل تمتد إلى المدرسة والمجتمع كله. فالتكنولوجيا يجب أن تُدار بوعى لا أن تُترك لتدير أبناءنا بالنيابة عنا. رسالة الرئيس السيسى فى هذا السياق هى دعوة للمراجعة كيف نربى أبناءنا؟ وماذا نترك فى أيديهم؟ وهل نملك الشجاعة لنقول «لا» حين تتحول الراحة المؤقتة إلى خطر دائم؟. فإنقاذ الطفولة ليس رفاهية، بل ضرورة وطنية.