عبده البرماوى حين أفاق المجتمع المصرى والعربى على هول صدمة النكسة فى 1967، ونفض عن عقله خطاب القومية، تساءل عن سبب مضيه خلف تلك الأوهام التى حملها وكانت صدمة المثقفين الذين رعوا هذا الخطاب وغذوه بحماسهم وإيمانهم مضاعفة، وعلامة الاستفهام بدت لهم أكبر من مجرد سؤال لحظي، يكفيه وصم ما تشكل من ثقافة بأنه محض وهم منذ حرب السويس، بدت الفكرة العروبية باباً رحباً للانطلاق نحو نهضة جديدة، وبدا مشروع دحر الاستعمار وتجذير مسار النهضة الذاتية ممكناً من بابها، لكن الهزيمة بثقلها جاءت لتضع حداً للوهم، وتتطلب التفكير الجدى فى سبل اجتياز الصدمة والتفتيش عما يبعث الحياة فى الأمل. ولأجل الأمل، تساءل الفنان محيى الدين اللباد: عند أى نقطة يبدأ؟ وأين يمكنه الإمساك بأهداب ما يصنع هذا الأمل ويحيله حقيقة؟ وسرعان ما قلّب فى ذاته وتاريخه الشخصي، ليجد فى براءة الطفولة الإجابة أيقن اللباد، الذى تلقى صدمة هذه الهزيمة فى عشرينياته، أنها فى جوهرها هزيمة ثقافية، وأن اجتياز لحظتها الكابية يوجب إعادة بناء الذات. ولكى تتخلق أجيال جديدة حرة التفكير، وقادرة على عبور المأزق الفكرى الذى أورثها الهزيمة، فلا بد من التسليح الفكرى والجمالى لهذه الأجيال أطفالٌ هم بالنسبة له البذور التى حين تنبت فى أرض الحرية تصبح قادرة على أن تتحدى كل من يسعى لوأدها، وبمستطاعها أن تحمى وجودها ونهضتها ولأجلها خصص الجانب الأبرز من مشروعه الجمالي، ساعياً إلى تنشئة جيل يعى مصيره كمناضل لأجل الحرية، ومقاوم لوحشى الطغيان والاستعمار. سيدرك المتأمل لأثر اللباد فى مجال فنون الطفل أنه، فى ضخامته وتنوعه، قد شكل نموذجاً مركباً، لا يتوقف بغاياته عند مجرد الاعتناء برسوم الأطفال وإنتاج كتبهم ومجلاتهم، بل قد سعى بوضوح لبناء الذات المبدعة فى هذا السن المبكر. كان درس تغييب الحرية وتبعاته الثقيلة جلياً من لحظة دحر الشعوب والأنظمة الوطنية لقوى الاستعمار، إلى لحظة عاد فيها جوهر الاستعمار عبر نظم وطنية أخفقت فى مهمتها ونكصت عن وعدها الأول؛ وعد الحفاظ على السيادة هذه النظم كانت قد تنكرت لأساسها الجماهيري، وانحدرت إلى هوة الاستبداد، ليعيد حكمها أسوأ ما خلفه الاستعمار من ممارسات، ولتتحول إلى طبعة محلية رديئة منه. تلك عملية ليست بالهينة، تتطلب ما يمكن تسميته – بلغة بيير بورديو – بناء «رأس المال الرمزي»، ليكون أساساً تُبنى من فوقه ثقافة قوامها الحرية وما من سبيل للخروج من ربقة التخلف الذى أنتج الهزيمة إلا باستعادة المثقف لموقعه المتقدم، وأن ينفض عنه ما ران على عقله ومخيلته من ركام القهر والتكلس والفساد والانكفاء أمام المستبد وكانت إعادة البناء الثقافى عبر التربية الجمالية تقتضى عودة الفنان ليتموضع من أجل هذه المهمة فى قلب النظام الاجتماعي، وليكون «زرقاء اليمامة» التى تحذر من التخلف وتردى الذائقة وانتشار القيم الرجعية، وأن يعود فاعلاً حياً يدفع بالوعى التحرري. تشكّل هذه المهمة فى فكر اللباد كان يستدعى جدلاً مستأنفاً عن دور المثقف القادم من لحظة النهضة الثقافية فى النصف الأول من القرن العشرين؛ عن ذلك «الأفندي» المراوح بين بحثه عن ذاته الفردية واستقلالها، وبين طموحه العام فى تجذير الفكرة المبدعة فى الثقافة والمجتمع. الحلم بأن يكون «أفندياً» كان يداعب مخيلة اللباد وهو طفل، وهو أمر دفعه للانخراط فى مختلف الفاعليات والأنشطة التى تصور أنها ستجعله يكبر سريعاً والحقيقة أن مفتاحاً مهماً لفهم شخصية اللباد يكمن فى المسافة بين النشأة المبكرة وما فيها من إرهاصات عن تشكل فنان مقاوم بهذه الصيغة، وتمثله شخصية الأفندى الحامل للهم الوطني، والذى يجعل من تعزيز الذات الوطنية المبدعة سبيلاً له. وليس اللباد إلا بعضاً من هذا التيار الكبير الذى يمكن تتبعه من قراءتنا لتاريخ «الأفندية»، وتلمس دورهم فى بناء الرأسمال الرمزي هؤلاء، فى سعيهم لاكتشاف ذواتهم، كان يتملكهم الشعور بالمسؤولية التاريخية عن إنجاز النهضة ووعودها. هذا الأمر شكل حسهم المشترك ودفعهم لبث روح الحداثة فى مجتمع ظلت تحاصره أسباب التخلف. لم يكن الأمر موقوفاً على طموحهم الفردى فى أن يفتح لهم التعليم باب تقلد المكانة الاجتماعية وتحصيل الوضع المعيشى الأفضل، بل كان خروجهم من دائرة الذات الفردية الضيقة (بعد ضمان استقلالها بالتعليم والوظيفة العامة والمشروع الخاص) وإعادة التموضع فى مشروع النهضة، هو جوهر وصفهم بصفة «الأفندي». هذه الطبقة التى استطاعت توظيف الوسائط الثقافية والفكرية لشق مسارها ضمن الهيكل الاجتماعي، آلت إليها القيادة النهضوية وقد لحق اللباد بلحظتها الأخيرة فى العصر الليبرالي، وتعرف إلى دور الوسائل المطبوعة كآليات للتحول الثقافى وبث الأفكار التحررية فى المجتمع، كما رأى دورها فى ظل نظام الاستقلال ومع صعود الأيديولوجيا القومية العروبية. لقد اختار اللباد مبكراً أن يكون أفندياً على هذه الصفة، وأن يشق سبيله ويحقق ذاته عبر التفكير الحر الملتزم بقيم الحداثة وجعل الفن، الذى بذل فيه كل طاقته لامتلاك مهاراته، أداته فى تخليق شخصية الأفندي. ليس من الصعب اكتشاف هذا الحلم فى نصوصه الأولى، وبعضها قدمه لمجلات الأطفال فى سن مبكرة جداً، على نحو ما يطرح أحد مؤرخيه، وهو السوسيولوجى والمؤرخ الفنى الفلسطينى إسماعيل ناشف، فى مشروعه لتأريخ مشروع اللباد. فبالنسبة لطفل يتكشف طريقه عبر تقليد الكبار، وبذله محاولات مبكرة للتجريب على طريقتهم، يصعب الادعاء بأن ما مر به أمر ينحسر ضمن أنساق المجتمع السائدة؛ بل فى تطور شخصيته الفنية بين الطفولة والشباب ما يشير إلى اجتيازه حدود المناهج السائدة لتعليم الفنون، واستشعاره ضرورة البحث الذاتي. وتجلى هذا الأمر أكثر حين دلف إلى المهنة الصحفية من باب موهبته كرسام؛ ولم يكن معفياً خلال هذه الرحلة من توتر بين الذات الطامحة وبين شرط المنظومة المهنية، لكنه خاض هذا التوتر بقلمه وريشته عبر إجادته لعبة التمرد والتكيف. لقد وعى بأن امتلاك المجتمع لتراكم معتبر من الرأسمال الرمزى يلزمه من يناضلون لأجل أن تسود القيم الجمالية وهى قيم انفتحت أبوابها الرحبة أمام اللباد خلال عمله ولدى قبوله التحدى المهنى فى مجال الصحافة، واكتشافه كيفية التمرد على شروط الإنتاج الإبداعى فى عصره. والمراوحة بين التمرد والتكيف جعلته لا ييأس ولا يغادر سؤال الحرية؛ تبيّن التحولات التى مر بها اللباد الشاب، من لدن الجامعة ولحظة النكسة، انعطافه مشروعه نحو رهانات البناء التربوى وترسيخ الفكر الجمالي. ومن الضرورى لفهم هذه الانعطافة، وكيف حدثت، الوقوف على بذور تشكل شخصية اللباد الفنية والثقافية، وفهم الكيفية التى تشكلت بها ذائقته وقناعاته الجمالية، وسبل تفاعلها مع معطيات النسق الذى كان يحكم عالمه. وهكذا آلت المراوحة إلى قناعة واضحة عن ضرورة التموضع الحاسم لذاته المبدعة ضمن مشروع التحرر اللباد الطفل (الذى شهد جلاء المستعمر فى مرحلته المدرسية) والشاب فيما بعد الذى انتشى بالخطاب القومي، وشدته الصيرورة التاريخية لتشكل طبقة الأفندية، فهم أن الوعى الحداثى قد رمى على كاهله كأفندى دوراً أساسياً فى توسيع فضاء الحرية وفق ما تركه الرواد من معنى للنهضة وفهم لشروطها. ومن بين تلك الشروط ألا ينسى أن سياق الاستعمار لم ينتهِ، وأن بعضاً من إرثه لا يزال يحكم. مثال الأفندى فى حياته بدأ مع الأب الذى أرشده إلى سبيل الفكر، وجعله يكسر حدود التصورات المحافظة التى تهاب طريق الفن، ومن بعده المعلمون فى مدرسته الذين وثقوا فى موهبته، ولاحقاً أساتذة ومرشدون أخذوا بيده فى عالم الصحافة. لقد تأثر اللباد بهؤلاء، وما عنته ممارساتهم من تشخيص لماهية الأفندي. لكن يستحق أبرز معلميه فى الصحافة، الفنان المبدع حسين بيكار، وقفة؛ فهو الذى فتح الطريق أمام اللباد، ومنحه فى سن التاسعة عشرة الفرصة لتصميم عدد من «سندباد»، تلك المجلة التى أشرف عليها، فصمم اللباد غلاف العدد وانفرد برسم غالب أقسامه. كانت هذه الثقة من بيكار لها فعل السحر، وبدت كفعل استثنائى بُنيت عليه مسيرة مهنية جدية، ورسمت مساره فى مرحلة التعليم الجامعي. الأستاذ شكل واجهة للمؤسسة التى يمكن النظر لها بوصفها القلب الحداثى لتلك النهضة التى خاضها الرواد، سواء مؤسسة الجامعة أم مؤسسة الصحافة، وفيها كانت حركة اللباد (الأفندي) تعبر عما يعنيه بالنسبة له دوره كمثقف وفنان. والأفندى – فى ظاهره – كان عليه التكيف مع الشروط الجديدة التى ترسمها حداثة قادتها السلطة نفسها لكن اللباد استوعب مبكراً أنه تكيف صورى لم يبرأ من إعادة إنتاج التخلف، وفهم أن التمرد شرط ضرورة، وأن ما من تشكل حقيقى للأفندى إلا بتمرد. لا مجال للادعاء بهم نهضوى فى ظل تسيد ثقافة الامتثال والتقولب. وبين طريقته الخاصة فى التمرد حتى على المؤسسة والأستاذ، فالحرية تستدعى الفردانية والتعلم الشخصي، وهو ما كان فى مشروعه الجمالى الذى لم يركن لفكرة التبنى الاجتماعى المهنى التى عبرت عنها علاقته ببيكار. أمام الذات الباحثة عن فرادتها الأولوية واكتشافها من خلال تعبيرها عن المجتمع، برز تناقض بين مهمتين فنيتين تختصرهما مفردة «الطليعية» وهى تعنى فى الفن، وفق ما قدمه الجيل التالى لرواد القرن العشرين من مختار وجيله، أن تحطم قالب الرصانة المدعاة والقيود الأكاديمية المفروضة. التمرد هو المبتدأ لمورفولوجيا الصورة عند اللباد، وكانت الأساس فى تشكيل حسه وذائقته. ومن لدنها انشغل كسابقيه بحل التناقضات التى حملتها الثنائيات الفكرية والاجتماعية التقليدية: حداثة-ماضوية/ الملاك-المعدمين/ أهل الريف-أهل الحضر/ الأجنبي-ابن البلد.. إلخ. وفى هذا الانشغال ذاته كان عليه تفكيك دينامية التلمذة مع بيكار أستاذه الذى أحبه وارتبط به. والحقيقة أن صيغة «الأفندي» التى حملها بيكار قد قدمت نموذجاً مختلفاً وحملت قيماً مغايرة؛ فهو الليبرالى (بعد فترة ميل ماركسى قصيرة) الميال إلى التفكير الهيومانى (الإنسانوي) شديد الاتساع، وبما لا يستساغ معه تمثل الأفكار القومية إلا بحدود ما يتصل منها بهذا المنحى الهيوماني. لكنه كان مؤثراً لفرديته على ما عداها، ومال بعد إحباط قصير من التفكير من منظور اجتماعى إلى تصور الفن محراباً وكهفاً يخص الفنان، ولا حاجة له فى هذا المعزل إلى المجتمع وصخبه. بدا أن طليعية الأفندى لن تحل الاختلاف الكبير بين الأستاذ وتلميذه، سواء على صعيد الأيديولوجيا أم التصورات وكيفية بناء الذات، بل وانعكس الخلاف على شكل المخرج النهائى للعمل الفنى الذى يفضله كل منهما. وعلى صعيد أبعد، انعكس على طبيعة مشروع كل منهما الإبداعي وبالرغم من الافتراق، بقى أثر بيكار فى فهم عملية الإنتاج الإبداعى والتعاطى مع شروطها، سواء التى تفرضها قوى السوق أم قوى السلطة، وهو فهم لا يحبذ الامتثال ولا ينفى التمرد، ويحبذ أن يسعى الفنان لفرض شروط جديدة على تلك القوى من خلال التأثير فى فكر الإبداع وآليات الإنتاج الفنى ذاتها. بيكار منح الشخصية الفنية للباد درس العمل ضمن مدرسة مهنية صحفية، تؤطرها مفاهيم صناعة النشر والإعلان، والاعتناء بقوالب محددة لصوغ الرسالة البصرية الموجهة وهو أمر أسفر عن فهم لما نسميه ب«القيمة الوظيفية» للفن وتشكلها ضمن شروط نسقية. لكن هذه الوظيفية لا تعنى الانكفاء أمام الأيديولوجيا السلطوية، وروح الخطابية التى تتشكل أغراضها بعيداً عن الحقل الجمالى والتى تزعم احتكار معنى الجمالية. لقد أيقن أن هذا المسار سيجعل المفردة التشكيلية مجرد صدى لنص مراوغ، حبيس بدوره فى نظام مقنن للمعنى كيف إذن يحرر الفنان منتجه الإبداعى البصرى من هذا الأسر؟ يمكن القول إن اللباد قد تحدى مقولة أن اللغة تصف العالم، وخالف ما يقول به بعض اللسانيين من أن ما لا يوصف باللغة هو والعدم سواء. وأصر على أن التشكيل لا يمتلك وحسب قاموسه ومفرداته الوصفية، بل إنه يمتلك فضاءً معيارياً كاملاً، هو الأجدر بالاستدعاء حين تعجز اللغة عن الإجابة عن تساؤلات الحرية وهذه الحرية لدى اللباد ربطت العمل البصرى بسياق وجوده الاجتماعي. يعرف من يعمل فى مهن الرسم الصحفى والجرافيكى أن فنه أسير بشرط عملى وتطبيقي، أو ما نسميه بالمحدد الوظيفى للفن ومن ثم لا بد من تمرد ما على اللغة، لكى تعبر صوب نظام للمعنى مختلف، لا يخفق فى تلبية طلب الصناعة لكنه يصر على أن يتسع مجاله للخيال والتجديد والدهشة والحساسية التى تغادر أسر إعادة الإنتاج والقولبة من المهم فهم هذا الربط؛ لأن المقاربة النقدية عند اللباد تشتبك بالصورة لا بالمقولات، وظل يقدم من خلالها الدليل الإبداعى المتمرد على ما تفرضه السلطة والسوق من معانٍ وتأطيرات. ربما يسأل بعضنا: هل ثمة عفوية تخيلية وانفعالات إبداعية فى سياق فن وظيفي؟ عفوية التخييل لا تقتضى التحليق فى عالم اللاوعى على نحو ما تتصور بعض الاتجاهات الطليعية التى تطرفت فى انحيازها لذات المبدع، وإنما فى تجربة اللباد كانت تستخلص عناصرها من الذاكرة الواعية (الطفولة، النشأة، العمل المبكر، التثقيف الذاتي، التفاعل مع الأفكار والأحداث...) فتطفو طبقاتها المتراكمة لتشكل هذا الخيال، ولتصنع من مفرداته مفهوماً بصرياً لحظياً (عفوياً). وهو مفهوم مختلف عن المعنى الاستبطانى النفسى للعفوية التى تحركها أحياناً الرغبة فى الهروب من الواقع ونفى الذاكرة. التذكر عند اللباد هو انتشال لطاقة نفسية خام من ركام إبداعى تحمله الذاكرة. ويكفى لفهم ذلك تتبع ما يحكيه عن أثر ذاكرته البعيدة المشتتة فى تكوين رسوماته للأطفال، وأثر التكوين المهنى والجامعى لمنح هذه الروح الطفولية ما يحقق لها الصلابة والالتئام. هذا ما يمكن تلمسه من مشروعه ومن كتاباته، (وبخاصة مجلدات «نَظر»، التى أراها عملاً استثنائياً متفرداً بين أدبيات التشكيل والفكر الجمالى العربي. ففى الكثير من المقالات التى جُمعت فى هذه المجلدات نلمح ما يمكن اعتباره توتراً بين آليات قراءة النص وآليات قراءة الصورة (وبالمناسبة كان اللباد كاتباً فذاً بقدر ما كان فناناً ملهماً)؛ لقد أدرك فناننا مبكراً أن واحدة من عيوب الخطاب القومى الملتزم تكمن فى حبسه الإبداعات الفنية فى أسر الخطابية الوطنية، وأن سمة القمع الكامنة فى هذا الخطاب جعلته يفرض بشكل قدسى على التوجهات الإبداعية التزام محددات بعينها، وهى محددات لم تنشأ وفق معطيات الإبداع. أخيراً، لا أدعى أن اللباد «الطفل» هو المتحكم فى مشروع اللباد، لكنى أزعم أنه أعاد اكتشاف طفله الكامن الذى خبأه «الأفندي»، وجاءت لحظة الشعور بالهزيمة لتدفع بهذا الطفل ليشكل بيديه مشروع اللباد، وليُلزمه أن يجيب عن تساؤله عن الحرية. فى ختام مقال له يحتفى فيه بمن يهتمون لأمر الأطفال من مبدعينا، (ويخص بالعرض كتاب للمخرج السينمائى ورسام الأطفال التونسى الناصر الخمير، وكذا ما قام به المعمارى والفنان رمسيس ويصا واصف فى الحرانية لاكتشاف إبداعهم على أنوال السجاد)، يقول: «إن الكنوز المخبأة والمصانة بخرص بمنأى عن التأثيرات المشوهة لأشكال الفنون والثقافة المستوردة الاستعمارية والاستهلاكية، إنما تكمن داخل أطفالنا، وفى أيديهم مفاتيح هذه الكنوز، فمن يطلب الكنز منهم؟» («نظر»، الألبوم الأول، ص 54. الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2012)