تعاونات مشهودة بين اللباد ودار الشروق حصدت جوائز عالمية يصنع البعض أعمالا فنية فتصبح صورا ومعروضات لافتة ومميزة، ويبدع آخرون أعمالا فتصبح مراجع أساسية فى التعبير عن الهوية، وأيقونات قادرة على أن تغير منظورك عن الأشياء، ينتمى الفنان محيى الدين اللباد، إلى الجانب الأخير، من أصحاب الريادة فى إبداع الأعمال الفنية الخالدة. وقد تصادفت الأيام القليلة الماضية مع الذكرى الثانية عشرة لرحيل اللباد، وهى المناسبة التى أعادت تسليط الضوء على إسهاماته وبصمته المتفردة فى مجال الرسم والتصميم للأغلفة والمجلات والكتب والمطبوعات المختلفة للكبار والصغار، حيث استطاع أن يقتنص مجموعة من الجوائز العالمية، إلى جانب تعاوناته الناجحة التى كان من أهمها تعاونه مع دار الشروق. رحل اللباد عن عالمنا فى شهر سبتمبر من العام 2010، تاركا خلفه ميراثا من الأعمال التى كانت أشبه ب«تحف فنية» غنية بالرسومات وطريقة الإخراج التى جاوزت المألوف وباتت تشكل رؤية خاصة لفنان عبقرى أبدع الكثير من الكتب والمقالات ورسومات الكاريكاتير، والتى شكلت رحلات لم تنقطع من المتعة البصرية واللغوية والفكرية. تشكلت ملامح المشروع الفنى الإبادعى لمحيى الدين اللباد فى مرحلة عمرية مبكرة، وتحديدا فى سن الثامنة، عندما تعرض لتأثير فنى كبير كان الأول فى حياته، من خلال «مجلة أطفال» شملت الكثير من الرسومات المدهشة التى راكمت بداخله ملاحظات وخبرات بصرية، تطورت عند مطالعته لمجلة «السندباد» التى كان يرسمها الفنان «حسين بيكار»، وقال عنها إن رسوماتها شكلت، الدافع الحاسم فى اتخاذ قراره بالاتجاه للرسم، وبالتحديد الرسم المطبوع. ولد محمد محيى الدين موسى اللباد فى 25 مارس 1940م فى حى المغربلين، لأسرة تعود أصولها إلى شباس الشهداء بمركز دسوق بمحافظة كفر الشيخ، وقد امتلك حسا فنيا مرهفا ظهر مبكرا فى مرحلة طفولته ومراهقته خلال مرحلة الثانوية، ففى العام 1954 راسل نادى الرسامين فى مجلة صباح الخير، حتى تخرج من كلية الفنون الجميلة عام 1962. مع توالى مراحل تألقه ونجاحه لم ينس أبدا أن الاهتمام بالطفولة كان همه الأول، حيث أمد المكتبة العربية على مدار 20 عاما بأنواع نادرة من الأعمال التى صنعت للأطفال أبطالا خارقين من شخصيات تراثية عربية، وسلسلة ألبومات ارتبطت ببيت شعر كتبه اللبنانى بشارة الخورى «إن عشقنا فعذرنا، أن فى وجهنا نظر»، والذى شكل بعد ذلك مرجعا استثنائيا للهواة والمتخصصين فى الفن التشكيلى والرسوم الكاريكاتيرية وفنون الجرافيك. شكلت تعاونات محيى الدين اللباد مع دار الشروق، واحدة من ألمع وأنجح محطات تألقة، حيث باتت إبداعاته فى تلك الفترة مرجعًا لمتذوقى الفن التشكيلى والرسوم الكاريكاتيرية وفنون الجرافيك فى مصر والعالم، حيث حصد جائزتين لدار الشروق من معرض فرانكفورت عن أجمل الكتب. جاء من بين تلك الكتب بالتعاون بين اللباد ودار الشروق: كشكول الرسام بالعام 2003، والذى ترجم إلى الفرنسية والهولندية والألمانية وفاز بجائزة التفاحة الذهبية ببينالى براتسلافا الدولى وجائزة الأكتوجون من المركز الدولى لدراسات أدب الطفولة بفرنسا، والكتاب الثرى حواديت الخطاطين، وملاحظات وحكاية الكتاب، ولغة بدون كلمات حول لغة العلامات والإشارات المرسومة التى يفهم الجميع معانيها بدون التباس، بالإضافة إلى «تى شيرت» حيث نظر إليه اللباد كوسيلة ثقافية وفنية مهمة من وسائل الاتصال البصرى الحديثة وللتعبير عن الذات. كما صدر له «مائة رسم وأكتر» وهو لمجموعة من رسومه الكاريكاتيرية، (عن دار المستقبل العربى)، و«ألبوم: نَظَر (4 أجزاء)» من العربى للنشر والتوزيع ثم طبعت الألبومات الأربعة مجمعة فى كتاب واحد ونشرته الهيئة المصرية العامة للكتاب. نجح محيى الدين اللباد فى أن يغرس قيمة الفن وأهمية الصورة والتعبير بالأشكال فى نفوس القراء العاديين من غير المتخصصين فى مجال الفن التشكيلى، عبر أسلوب نافس فيه التعبير السلس، الرسم البارع، حيث نعاين ذلك فى الاقتباس التالى، من كتاب «لغة بدون كلمات» الصادر عن دار الشروق. «تمرن الإنسان القديم طويلا على التعبير عن أفكاره برسوم مأخوذة من الطبيعة حوله. بعد ذلك، وبالتدريج، استطاع الإنسان أن يعبر عن الأفكار والمعانى برموز ونقوش وأشكال مختصرة، رسمها على الأشياء التى يصنعها بنفسه ليستعملها فى حياته العادية مثل: الأبسطة والسجاد والمنسوجات، والأوانى، وغيرها، وفى كثير من المجتمعات، لا يزال الصناع الشعبيون يرسمون العديد من هذه الرموز القديمة على مصنوعاتهم ومشغولاتهم حتى اليوم. وإذا ما تفرجنا على الأبسطة التى ينسجها الناس بأنفسهم فى أغلب بلادنا العربية، سنجد أمثلة كثيرة لهذه الرموز المرسومة القديمة، التى قصد بها الإنسان القديم أن يعبر عن معانٍ خاصة». كان اللباد مشهورا بإنتاجه الغزير ورصيده الفنى الثرى، حيث ساهم فى تأسيس عدد من المجلات المتخصصة ودور النشر. ك«دار الفتى العربى» عام 1974، كما أسس «الورشة التجريبية العربية لكتب الأطفال»، و«المركز الجرافيكى العربى» عام 1976. صدر له عدد من الكتب فى مصر وبلاد عربية أخرى، نالت عددا من الجوائز المحلية والعربية والدولية، ونشر بعضها مترجم بعدة لغات أجنبية، كما قدم سلسلة من الكتب التى قام بتأليفها وتصميمها لفئة الفتيات والفتيان «المراهقون فوق سن الحادية عشرة». كما شارك كعضو لجنة تحكيم فى عدد من المسابقات المحلية والدولية.