شريط طويل من الذكريات عمره 15 عامًا مرَّ فى ذاكرتى وأنا أحضر احتفالية عيد الشرطة الرابع والسبعين أمس الأول فى أكاديمية الشرطة. نفس المكان ولكن قبل 15 عامًا، كنت أخطو نحو القاعة نفسها لتغطية الاحتفال بعيد الشرطة فى يناير من عام 2011، كنتُ وقتها مندوبًا للأخبار لتغطية شئون الرئاسة، وكان أبرز حدث وقتها تفجير كنيسة القديسين بالإسكندرية، وفى الاحتفال أُعلن عن ضبط الخلية المنفذة للجريمة الإرهابية، وتصور الجميع أن هذا هو الحدث الأبرز، فلم يكن أحد من الحاضرين يعلم أو يتخيل أن البلاد مقبلة على أحداث جسام بعد أيام قليلة. تدافعت إلى رأسى وأنا أتابع فقرات الاحتفال مئات -بل آلاف- الصور لأحداث 2011 وما بعدها، منعطفات خطرة مرت بها البلاد، وكادت أن تقودها نحو هاوية سحيقة من الفوضى والاضطراب، بل وربما الحرب الأهلية، لولا أن الله سلَّم، وقدَّر بلطفه لنا النجاة من مصير قاتم، لا تزال دول عدة من حولنا تكابد كى تنجو منه. ■■■ ارتجف قلبى وأنا أستعيد مشاهد الخوف فى شوارع القاهرة، بعدما صارت رحلة الذهاب إلى العمل أو العودة منه إلى البيت مسألة محفوفة بالمخاطر، قد تتحول فى أية لحظة إلى رحلة بلا عودة، وتذكرت عام حكم «الإخوان» الأسود بكل تفاصيله الخانقة!! استعادت ذاكرتى سريعًا ملامح لوجوه وأماكن وأحداث ومخاوف كانت كفيلة بأن تدفعنا إلى دوامة لا نهاية لها من الارتباك والقلق على مصير هذا الوطن، فقد كان كل شىء معلقًا بشَعرة واهية، ورحلة سقوط الأوطان قد تبدأ بخطوة فى الاتجاه الخاطئ، لتتوالى بعدها انزلاقات لا يعلم مداها إلا الله. استشعرتُ نعمة الله التى لا نحمده كما يليق عليها، ألا وهى نعمة الأمن، فهذه هى النعمة التى لا ندرك قيمتها إلا عندما يتملكنا الخوف، ويحاصرنا القلق على الحاضر والمستقبل، وتتضاءل إلى جوارها كل نِعم الحياة الأخرى، فلا سبيل للاستمتاع بالحياة فى غياب الأمن، بل إن الحياة نفسها قد تكون هى ثمن ذلك الغياب المُخيف لنعمة الأمن. أبدع القائمون على تنظيم احتفالية عيد الشرطة ال74 فى اختيار أفكار الاحتفالية، خاصة تركيزهم على فكرة «حُراس الحياة»، فأبطال الشرطة إلى جوار أبطال القوات المسلحة هم بالفعل الأمناء على حماية مقدرات الوطن، وصَون الحياة بكل صورها، والأمن بمفهومه الواسع بات يتطلب إدراكًا عميقًا لمصادر التهديد والخطر التى تتجاوز الصور التقليدية التى اعتدناها، فالأمن بات مفهومًا شاملاً لكل أوجُه الحياة تقريبًا، من تأمين الحدود والتصدى للخارجين على القانون، وصولاً للأمن السيبرانى وحماية العقل الجمعى للمواطنين من محاولات التضليل والتزييف. ■■■ توقفتُ كثيرًا أمام حرص الرئيس عبدالفتاح السيسى على توجيه التحية إلى أسر الشهداء والمصابين، الذين قدموا أغلى ما لديهم لحماية استقرار الوطن وسلامته، وتجديده العهد والالتزام باسم الدولة والشعب على استمرار كل ما أمكن من أوجُه الدعم والرعاية لهم، فتضحيات الشهداء هى أنبل ما عرفه الوطن خلال لحظاته الحاسمة، وكانت تلك التضحيات هى كلمة السر الحقيقية فى تغيير المسار والمصير الذى أراده المغرضون نحو الفوضى والدمار، بينما أراد الله -ومن ورائه الشعب والقيادة الوطنية الواعية والمسئولة- مسارًا نحو البناء والعمران والاستقرار، ومصيرًا نصنعه بأيدينا ونصونه بأرواحنا. كما استرعانى وأنا أتأمل أسماء الشهداء المكرمين هذا العام، أن كلهم ارتقوا وهم يؤدون الواجب فى مكافحة عصابات المخدرات ومنع دخول كميات كبيرة من السموم إلى البلاد، وهو تحول نوعى ينبغى التوقف عنده، فخلال السنوات الماضية كان معظم الشهداء الذين تُكرَّم أسماؤهم ممن دفعوا حياتهم فداء للوطن فى معارك التصدى للإرهاب وقطع أذرعه من التمدد فى أرضنا، الآن نجحنا -بفضل الله ثم بتضحيات خيرة أبناء الوطن- فى اجتثاث الإرهاب من أرضنا، لكن الخطر لم يزُلْ، بل اتخذ صورًا جديدة، وأشكالًا أكثر خبثًا ودهاءً. ■■■ وهنا يجب أن نتوقف أمام إشارة الرئيس السيسى وتوجيهه نحو التفكير فى بناء منظومة تشريعية تواكب حجم التهديدات للعقل المصري، ومن بينها تنظيم استخدام المحتوى الرقمي، والدخول إلى منصات التواصل الاجتماعى بكل ما تحمله من أدوات لا نهائية للتضليل والتزييف والتلاعب بالعقول، وهى محاولة لتحصين العقل المصري، ليس بالمنع -كما يحاول البعض تعمد إساءة الفهم- وإنما عبر التنظيم وبناء الوعى الكافى والعقلية النقدية القادرة على فرز ذلك المحتوى والتعامل معه ببصيرة قادرة على التفرقة بين الغث والسمين. وينبغى أن تتوازى مع تلك الدعوة للتنظيم التشريعى -الذى سبقتنا إليه دول عدة عبر العالم- مبادرات عديدة أخرى تقوم عليها مؤسسات التعليم والثقافة والشباب والرياضة والإعلام ومختلف مؤسسات التنشئة السياسية والاجتماعية لتقديم محتوى أكثر جاذبية وتفاعلية لجذب تلك العقول الصغيرة بعيدًا عن فضاء التضليل الأزرق، وأن نستعيد القدرة على مخاطبة هؤلاء الشباب بلُغتهم وأدوات عصرهم. لا ينبغى أن نترك تلك العقول فارغة ومساحات التأثير ومخاطبة جمهور واسع من اليافعين والشباب خاوية، علينا أن نملأ تلك المساحات بحضور قوى يعزز القيم التى نأملها لمن سيتولون بناء المستقبل، ونحصنهم من «طوفان» حقيقى من التزييف والتضليل أخشى ألَّا تعينهم بنيتهم الفكرية بواقعها الراهن على الصمود فى مواجهته. ■■■ عندما أتأمل شريط الذكريات على مدى 15 عامًا أدرك أن أشياء كثيرة تغيرت فينا ومن حولنا، استعاد الوطن قدرته على الفعل والبناء، وتماسكت مؤسسات الدولة بعد وهن وارتباك، وامتلكت الدولة زمام مبادرة فى ملفات وقضايا كان حضورها فيها متراجعًا، واستعادت مؤسسة الشرطة فاعليتها، ولعل حجم التفاعل الكبير بين المواطنين وبين المنصات الرقمية لوزارة الداخلية، والذى وضع الصفحة الرسمية للوزارة فى المرتبة الثانية عالميًا من حيث التفاعل مع الجمهور، دليل على ثقة تتزايد وفاعلية تتعمق. كل عام ومصر فى أمن وازدهار واستقرار، بفضل ربها، وحكمة قيادتها، وتماسك شعبها، وقوة مؤسساتها. ■ تحل اليوم الذكرى الرابعة لرحيل الكاتب الصحفى المبدع والأستاذ المتفرد ياسر رزق، الرجل الذى استطاع أن يجعل من اسمه سطرًا مضيئًا فى كتاب الصحافة بمرادفات المثابرة والدأب والاجتهاد والموهبة رفيعة المستوى. لم يكن ياسر رزق مجرد صحفى أو كاتب أو رئيس تحرير أو رئيسًا لمجلس إدارة مؤسسة أخبار اليوم، بل كان - إلى جانب كل ما سبق- نسيجًا إنسانيًا ومهنيًا فريدًا، واستطاع أن يترك رصيدًا من المحبة والتقدير لا يتوافر لكثيرين غيره.. رحمه الله وأسكنه فسيح جناته، وألهم أسرته ومحبيه الصبر على فراقه والوفاء لسيرته.