خروج الشعوب ليس أمرا سهلا، لكنها عندما تخرج عن صمتها، وتتمسك بصناعة مصيرها، فإن ما قبل ذلك الخروج لا يبدو أبدا مثل ما يليه، فما بالنا بالشعب المصرى الذى لم يعرف فى تاريخه الممتد الثورات الكبرى إلا قليلا، وكان معظمها موجها ضد محتل أو غاصب؟ لم يكن خروج المصريين فى 30 يونيو 2013 مجرد انتفاضة ضد جماعة «فاشية وفاشلة» وحسب، لكنه كان حدثا عظيما فى ميزان التاريخ ولحظة تجلٍ حقيقية لأنبل ما فى هذا الشعب وهو تمسكه بوطنه، واستعداده للتضحية بنفسه فداء لأرضه. نعم.. أحد أهداف ثورة ملايين المصريين فى 30 يونيو كان إعلان احتجاجهم وغضبهم من حكم جماعة خرجت من جحورها فى لحظة غفلة لتحاول تمكين نفسها وتهيمن على مقدرات البلاد، لكن ذلك الخروج كان ولا يزال يحمل معانى أعظم وأجلّ من مجرد الإطاحة بحكم شخص أو جماعة، إنها لحظة وعى نادرة فى عقل أمة طالما كان تمسكها بهويتها أعظم أسلحتها لحماية نفسها والتمسك بملامحها فى مواجهة محاولات الطمس والاختطاف. ثورة 30 يونيو فى حياة المصريين ستبقى صفحة عظيمة قابلة للقراءة والتعمق مهما مضى عليها الزمن، وكلما انطلق بنا قطار الإصلاح والبناء أدركنا قيمة تلك اللحظة التى استرد فيها الوطن ذاته، واستعاد الرؤية الواضحة لواقعه ومستقبله، بعيدا عن حرائق الانقسام ومستنقع الحرب الأهلية التى أراد أنصار الجماعة الإرهابية أن يدفعوا المصريين إلى الانزلاق فيها، لكن الشعب الأصيل صاحب التجربة الوطنية الناصعة والإرث الممتد فى التضحية من أجل وطنه، أبى إلا أن ينتفض ويطهر الروح والجسد الوطنى من كل ما علق بهما من أدران فى مرحلة الارتباك والاضطراب التى أراد البعض لها أن تطول، لكن كان للمصريين رأى آخر. ■■■ اليوم ونحن نتأمل مسار السنوات ال12 الماضية، ونعيد قراءة الواقع المحيط بنا ببصيرة صادقة، نشعر بمزيد من الامتنان لتلك الثورة البيضاء التى كان بطلها الشعب المصرى كله بجميع مكوناته وطبقاته، الثورة التى يستطيع كل واحد منا، كبيرا أو صغيرا، أن يقول صادقا إنه كان أحد صناعها، بكلمة أو موقف أو رأى أو تظاهرة أو دعم لمؤسسات بلده، أو مشاركة فى إعادة بنائه على أسس العلم والعمل، أو حتى برفضه الانجرار وراء التضليل والتزييف الذى مارسه «أهل الشر» ولا يزالون. إن أعظم ما فى ثورة 30 يونيو أنها كانت ملكا للناس، لكل أب، أو أم، اصطحب أطفاله الصغار فى ميادين مصر كلها ليعلمهم أسمى دروس الوطنية والفداء، لكل من خرج بيد فارغة إلا من علم بلده ليواجه إرهاب جماعة احترفت قتل خصومها، وهو يعلم أنه قد لا يعود، لكن تمسكه بوطنه أغلى من الحياة ذاتها. ولعل أهم ما أنجزته ثورة 30 يونيو أنها أعادت الاعتبار للإنسان المصري، ذلك العملاق الذى ما استسلم يوما ليأس، وما رهن مستقبله إلا لإرادة ربه واجتهاده وكفاحه فى الحياة، حتى فى أقسى لحظات الظلام كان يرى ببصيرته النافذة نورا بعيدا لم يفقد الأمل لحظة فى أنه سيصل إليه. غيرت ثورة 30 يونيو مقاييس الزمن وتوازنات أراد البعض أن يرسيها اعتمادا على أن مصر صارت خارج اللعبة، فإذا بالمصريين يغيرون قواعد تلك اللعبة، ويستعيدون زمام المبادرة، ويؤكدون أنهم صناع الحضارة الحقيقيون، وأن أى رهان على انكفاء مصر هو رهان خاسر. ■■■ وبينما نحتفى اليوم بذكرى ثورة 30 يونيو، علينا أن نتأمل بفخر ما أنجزته تلك الثورة من إعادة بناء للبشر والحجر، وإطلاق مشروع شامل لاستعادة مجد وقوة الدولة فى المجالات كافة، وكذلك الحفاظ على استقلالية القرار الوطنى فى زمن تتعمق فيه الاستقطابات وتزداد وتيرة التلاعب بمصائر الدول والشعوب، وقد رأينا صورا حية لذلك على مدى السنوات الماضية، وازدادت وتيرة العواصف فى إقليمنا خلال الأشهر الأخيرة، لكن بقى القرار المصرى مستقلا عن أى استقطابات، يمثل ضميرا حيا لصوت الإنسانية وثوابت العروبة وقيم الوطنية الصادقة. صحيح أن ثورة 30 يونيو تمثل قرارا مصريا خالصا لشعب رفض أن يترك مصيره ومستقبله بيد حفنة من المقامرين الذين يجيدون دغدغة المشاعر بشعارات دينية لا علاقة لها بأهدافهم الحقيقية، وهم فى الحقيقة ليسوا سوى أداة لاختراق المجتمعات العربية وتدميرها من الداخل، لكن المؤكد أن ذلك القرار المصرى غيّر مسار المنطقة، ومنح شعوبا عديدة من حولنا الأمل فى أن يصنعوا تغييرا وإصلاحا بأيديهم وإرادتهم الحرة، وأثبت لهم أن ما يُراد للمنطقة ليس قدرا محتوما، بل يمكن إذا ما توافرت الإرادة الشعبية الصادقة، وتراصت الصفوف خلف قيادة وطنية مخلصة، أن نتجنب منزلقات الخطر ومهاوى الفوضى. ■■■ اليوم نستعيد سيرة وطن وشعب وقائد بطل هو الرئيس عبد الفتاح السيسي، انحاز فى لحظة الحقيقة لما رآه صحيحا وفى مصلحة بلده، لم يخش القتل وقد تلقى تهديدا به، ولم يتردد فى اتخاذ قرار الانحياز لإرادة شعب جاء من صفوفه وآمن بعبقريته، وعندما استدعاه الشعب ليتحمل مسئولية البناء راهن على قوة وتماسك المصريين فربح الرهان، وأطلق العنان لمشروع «الجمهورية الجديدة» التى تتسع لكل مصري، وتفتح الطريق أمام مستقبل واعد لجميع أبناء الوطن. مهما طال الزمن وتوالت الأحداث، فستبقى ثورة 30 يونيو عنوانا لصلابة الإرادة الوطنية وقدرة الدولة على امتلاك قرارها وصناعة مستقبلها، ومصدرا للإلهام. وستظل ثورة المصريين على الإرهاب والتطرف والرغبة فى شق صفوف الشعب لحظة ناصعة لوعى حقيقى ينير الطريق نحو مستقبل مزدهر. كل عام ومصر حرة قادرة ملهمة، وشعبها متماسك قوى واع، وقيادتها وطنية حكيمة ذات بصيرة. كل عام وثورة 30 يونيو لحظة فرح وفخر لكل مصرى أصيل، وذكرى لصفعة مدوية على وجه كل متآمر وكاره وعميل.