◄ اللاجئون في مصر.. إرهاق للموازنة العامة للدولة بمليارات الدولارات سنويا ◄ رغم أعباء استضافة 9 ملايين لاجئ .. تتم معاملتهم كالمصريين على مر التاريخ كانت مصر ملاذا آمنا للمستضعفين والمضطهدين، والهاربين من سعير الحروب، والهاربين من المجاعات، وهو ما جعلها واحة الأمن والأمان، تصديقا لقول الله عز وجل فى الآية 99 من سورة يوسف «ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين»، وهى الآية التى تصف لحظة لقاء يوسف عليه السلام بأهلِه بعد غياب طويل، حيث استقبلهم واستقبل والديه ورفعهما إلى العرش، ثم وجّه لهم هذه الكلمات، وكان قد سبق ذلك مجىء إخوة يوسف إلى مصر بحثا عن الطعام، بعد أن عم القحط العالم فى تلك الفترة. كانت ولا تزال بلد الأمان والكرم كما جاء فى قصة سيدنا يوسف عليه السلام ، كانت مركزاً للأمن والرزق فى وقت كان فيه القحط يضرب المناطق الأخرى، وهذا ما كان يوسف عليه السلام يضمنه لإخوته، كما فسر العلماء «بسلام آمنين» بأنها تعبر عن الأمان من الجوع والخوف، ولقاء الأهل فى محبة وسلام بعد الشتات والفراق. مصر أصبحت خلال العقود الثلاثة الأخيرة ملاذا للعديد من الجنسيات التى هربت من نير الحروب، وعلى سبيل المثال كانت ملاذا لمواطنى البوسنة والهرسك، ثم العراقيين، واليمنيين والليبيين والسوريين والسودانيين، سواء من جنوب السودان، أم من السودان، والأوكرانيين، والأفارقة.. حتى وصل عدد اللاجئين لنحو 9 ملايين شخص طبقا للإحصائيات الرسمية، بينما يتم تقديرهم فى إحصائيات أخرى بنحو 14 مليون لاجئ. هذا العدد الضخم من اللاجئين تتحمل مصر أعباء استضافتهم فى الوقت الذى تتزايد فيه الضغوط الاقتصادية على الدولة المصرية، حيث يظل ملف اللاجئين والمقيمين الأجانب أحد أكثر الملفات حساسية، وأقلها نقاشًا بصراحة، ليس لأن تأثيره محدود، بل لأن كلفته موزعة داخل جسد الموازنة العامة دون بند واضح، ودون ترجمة سياسية أو مالية عادلة من المجتمع الدولى. مصر - عكس الدول المختلفة التى تستضيف لاجئين- تتبنى سياسة مختلفة عن معظم دول الجوار فى التعامل مع اللاجئين، وتقوم هذه السياسة على الاندماج الكامل داخل المجتمع بدلًا من المخيمات، فاللاجئ فى مصر يتلقى التعليم بالمدارس الحكومية، والعلاج فى المستشفيات العامة، ويستهلك الطاقة والمياه المدعومة، ويستفيد من البنية التحتية نفسها التى خُططت أساسًا لخدمة المواطن المصرى. ورغم أن هذه السياسة إنسانية فى جوهرها، لكنها اقتصاديًا تعنى أن الدولة تتحمل العبء دون أى آلية تعويض واضحة، فالموازنة العامة للدولة لا تتضمن بندا مستقلا بعنوان «اللاجئون»، لكن التكلفة تظهر فى صورة ضغط متزايد على الخدمات العامة مثل التعليم، والصحة، والدعم، والنقل، والإسكان، فالدولة تموِّل التعليم والصحة والطاقة والمياه بميزانية موحدة، ووجود ما يقرب من مليون لاجئ مسجل رسميا بالمفوضية الدولية للاجئين، بإلإضافة إلى ملايين آخرين غير مسجلين تترجم إلى زيادة الإنفاق العام دون زيادة مقابلة فى الإيرادات الضريبية، مما يتسبب فى اتساع العجز غير المرئى فى الموازنة، واستنزاف موارد مخصصة أصلًا للمواطن المصرى، فالمستشفيات الحكومية تعمل فوق طاقتها، بإلإضافة إلى ارتفاع تكلفة العلاج والدعم الدوائى، بخلاف زيادة الكثافة الطلابية، والحاجة لبناء فصول جديدة دون تمويل خارجى كافٍ، وانخفاض جودة الخدمة على المدى الطويل، وهو ما يؤدى إلى تراجع جودة رأس المال البشرى المصرى. هذا بالإضافة إلى أن معظم اللاجئين يعملون خارج الإطار الرسمى، مما ينتج عنه منافسة مباشرة مع العمالة المصرية فى البناء والخدمات والورش والتجارة، وبالتالى زيادة الضغط على الأجور، خصوصًا للعمالة غير الماهرة، وزيادة الاقتصاد الموازى، وفقدان الدولة ضرائب وتأمينات. بخلاف استنزاف البنية التحتية التى تُبنى على أساس عدد السكان الرسميين، التى تتضمن الطرق والصرف الصحى، والكهرباء والمياه، ففى ظل زيادة ملايين غير محسوبين يتم تآكل سريع للأصول، واحتياج لاستثمارات ضخمة مبكرة، وديون إضافية لتمويل الإحلال والتجديد، بإلإضافة إلى اختلال التخطيط السكانى، وصعوبة التنبؤ بالطلب الحقيقى، وحدوث تضخم عشوائى فى بعض المناطق (القاهرةالجيزةالإسكندرية) وزيادة الضغط على الإسكان والخدمات المحلية. وتكمن خطورة هذا الملف فى أنه لا يظهر فجأة، ولا يخلق أزمة آنية، بل يعمل ك«نزيف بطيء».. يتمثل فى زيادة الطلب على الخدمات العامة، وهو ما يتحول بمرور الزمن إلى تآكل جودة الخدمة بمرور الوقت، واستنزاف البنية التحتية أسرع من خطط الإحلال، وتوجيه موارد إضافية للخدمات دون زيادة مقابلة فى الإيرادات، خاصة فى ظل غياب مساهمة ضريبية حقيقية من معظم اللاجئين، بسبب عملهم فى الاقتصاد غير الرسمى، حيث تتحول الدولة إلى ممول وحيد لمنظومة لا تحقق توازنًا ماليًا. أما أحد أخطر التأثيرات غير المباشرة فيتمثل فى ازدياد نسبة الاقتصاد غير الرسمى، ودخول أعداد كبيرة من العمالة غير المنظمة إلى سوق العمل، مما يتسبب فى الضغط على الأجور فى القطاعات الهشة، ومزاحمة العمالة المحلية، وحرمان الدولة من الضرائب والتأمينات، وبدلًا من أن يتحول اللاجئون إلى طاقة إنتاجية منظمة يصبحون جزءًا من اقتصاد موازٍ يثقل كاهل الدولة بدلًا من دعمها. الفارق الجوهرى بين مصر ودول أخرى لا يكمن فى عدد اللاجئين فقط، بل فى طبيعة الاستضافة، فتلك الدول ربطت بين الاستضافة والدعم الدولى، بل إن بعضها يبتزّ الغرب بورقة اللاجئين، فيحصل على عشرات المليارات من اليوروهات سنويا، بحجة منعه هجرة هؤلاء اللاجئين لأوروبا، بينما تحملت مصر العبء بصمت، دون استخدام الملف كورقة تفاوض استراتيجية، ودون الحصول على تمويل يتناسب مع حجم الضغط الحقيقى على اقتصادها وبنيتها التحتية، والنتيجة أن مصر تدفع ثمن الاستقرار الإقليمى من مواردها المحدودة، بينما يظل المجتمع الدولى شريكًا أخلاقيًا فقط، لا ماليًا. وبينما تشير النظريات الاقتصادية إلى أن اللاجئين قد يسهمون فى النمو عبر الاستهلاك والمشروعات الصغيرة، لكن الواقع المصرى يختلف، لأن القطاعات المستوعبة لهم منخفضة القيمة المضافة، كما أن نسبة كبيرة من الدخل تُحوَّلت للخارج، بخلاف أن المساهمة الضريبية شبه معدومة، ولذلك فإن العائد الاقتصادى يظل محدودًا، ولا يوازى العبء المتراكم. وإذا كانت مصر تعامل اللاجئين بإنسانية وتعتبرهم كالمواطنين ولا تعدهم ضيوفا، فإن الظروف الاقتصادية الصعبة التى تعانى منها الدولة تتطلب تصحيح الخلل الاقتصادى الناتج عن هذه الاستضافة، وذلك عبر حصر دقيق وشفاف لأعداد اللاجئين، والفصل بين اللاجئ والمقيم الاقتصادى، وتقنين العمل مقابل ضرائب وتأمينات، وربط أى توسع فى الاستضافة بدعم دولى مباشر، وتحويل الملف إلى قضية تفاوض سياسى لا مجرد التزام أخلاقى. فاللاجئون فى مصر يمثلون عبئًا اقتصاديًا صامتًا طويل الأمد أكثر منه فرصة، بسبب ضعف التمويل الدولى، والاندماج الكامل غير المشروط، واتساع الاقتصاد غير الرسمى، كما أن اللاجئين فى مصر ليسوا مشكلة أمنية، لكنهم يمثلون تحديًا اقتصاديًا صامتًا طويل الأمد، واستمرار التعامل مع الملف باعتباره أمرًا ثانويًا، لا يُحتسب بدقة ولا يُدار بشروط واضحة يعنى تحميل الأجيال القادمة تكلفة لم تشارك فى قرارها، كما أن إدارة هذا الملف بواقعية لا تنتقص من إنسانية الدولة، بل تحمى استقرارها.