طالب الرفاعى البحر هائج اليوم أحدّث نفسى بصوت عالٍ، مع أن لا أحد يستمع.. القهوة أمامى مذاقها أشد مرارة من المعتاد، كأنى فقدتُ القدرة على التمييز. لم أسعَ إلى هذا. كنتُ لا أزال على مكتبى، فى الدقائق الأخيرة من يوم العمل، عندما اتصلت مديرة مكتب رئيس مجلس الإدارة: «الرئيس يريد مقابلتك.» نادرًا ما يستدعينى.. فى الطريق إلى مكتبه، حاولت تذكّر أى خطأ أو سهو صدر عنى. «مساء الخير». قلتُ بدا كما هو دائمًا: هادئًا، مُتحفظًا، وغامضًا: «تفضل بالجلوس». حطَّ الصمت بيننا قبل أن يقول: «أستاذ عامر، أنت موظف مُجتهد، وأنوى ترشيحك للسادة مجلس الإدارة كى تكون المدير العام الجديد». فاجأتنى جملته تمنّيت لو يعيدها على مسامعى. لكنه راح ينظر إلىَّ، فقلت بامتنانى: «آمل أن أكون عند حسن ظنك دائمًا». "لا أريد لأحد أن يعلم.."، حذّرنى: «سأتصل بك بنفسى.. هذا كل شىء». عندما عدتُ إلى مكتبى، بدت غرفتى وكأنها غريبة علىَّ.. إحساس مدوّخ أحاط بى. كيف لجملة أن تعصف بإنسان؟ ليس وضعى فى الشركة، وحضورى أمام الموظفين، ولا مضاعفة راتبى، وليست المكافأة السنوية، ولا سفرى إلى دول العالم، غمرنى هاجس الترقية؛ حياتى كلها ستتغير! مدير عام لواحدة من كبرى شركات البلد بعلاقاتها العالمية.. شعرت بأن حياتى قد تغيرت بالفعل، حتى قبل صدور القرار.. دار ببالى أتصل بزوجتى، لكنى تذكّرت تحذير الرئيس، ثم أنى أعرفها ستُزعجنى، تبقى تلاحقنى كل دقيقة، تكرر سؤالها: ماذا حصل؟ وحدى سأحتفظ بالسر. «أستاذ طالب، أنت الكاتب، اخترت فكرة القصة، فلا تتركنى مُعلقًا». «سيد عامر، أنا أكتب المشاهد وفق منطق القصة.» «مؤكد يمكنك مساعدتى بتسريع الخاتمة». «يجب أن أكون أمينًا لكتابة القصة». «هل تعلم ما يفعله قلق الانتظار بالإنسان؟» «نعم». «إذن ساعدنى». «سأحاول.» «لنرى إلى أين ستقودنا مساعدتك». كما لو أن لون البحر تحوّل إلى الرمادى.. بردت قهوتى. سهوت عنها. ذلك اليوم، ولحظة عدتُ إلى مكتبى، اتصلتْ بى مديرة مكتب الرئيس، بدت مُتعجّلة وهى تقول: «أرسل لى فورًا صورة مُحدّثة من سيرتك الذاتية». فى غضون دقائق بعثتُ السيرة. بدا لى أن اجتماع مجلس الإدارة قريب جدًا، وأن ترقيتى ستكون على كل لسان. لحظة وقفتُ بباب بيتى تذكّرت أننى نسيت المرور على السوق المركزى لشراء ما أوصتنى به زوجتى وحين جلسنا على مائدة الغداء، أحسّت هى باضطرابى فسألتنى: «أنتَ تعبان؟ لماذا لم تحضر أغراض البيت؟» «نسيت..». قلتُ وأنا ألمس صدغى: «أشعر بصداع». لا أدرى كيف جالستها وتناولت طعامى، بينما عقلى وقلبى معلّقان برنّة التلفون! «أستاذ طالب مرّا أسبوعان من الانتظار.» «أنا لا أتحكم بمواعيد مجلس الإدارة». «أنت الكاتب وتخطط لأحداث القصة. يمكنك كتابة جملة وإسعادى». «إسعاد البطل ليس دائمًا فى صالح القصة». «لكنى تعبت. أنام والهاتف تحت وسادتى آخذه معى إلى الحمام. أسمع الرنين دون أن يرن!». «بإمكانك أن تعيش وكأن شيئًا لم يكن». «وماذا عن مقابلتى مع الرئيس؟». «أنتَ بطل القصة وعليك أن تعيش أحداثها». «أرجوك اكتب الخاتمة، أو اعترف أنك لا تعرف كيف..». سريعًا ساد صمتٌ غريبٌ بيننا. بجنون صارت تتلاطم الأمواج، ويتطاير البياض منها. سأطلب قهوة ساخنة. حاولت استئناف حياتى كما كانت وفشلت.. ظلت الصور تتراكض برأسى: المكافآت، التعامل الجديد معى، الأبواب التى ستُفتح بسهولة أمامى لكن، كل فكرة كانت تعيدنى إلى الهاتف، فتضيق أنفاسى، وأغرق فى الانتظار.. أكثر من مرة تأكّدتُ من أن رقم الرئيس مُسجّل فى تليفونى. يوم أمس لم أستطع الانتظار، صعدتُ إلى الطابق العلوى دون سبب قابلتنى المديرة حييتها فردّت: «أهلًا سيد عامر.» لم أجد ما أقول، ففاجأتنى بقولها: «السيد الرئيس سافر أمس». خفق قلبى بحسرتى لم تقُل هى متى سيعود، وحزينًا عدّتُ إلى غرفتى. «أستاذ طالب الرفاعى، لم أعد أرغب بالترقية». «لا يمكنك التراجع عما رغبت فيه». «أنتَ ابتدعت هذه الرغبة، وحرّكتها بفكرى وقلبى». «وأنتَ وافقت ولعبت الدور». «إذن، اكتب الخاتمة وأنهِ القصة». «سأفكّر». «غير معقول!». أزعجتنى الصرخة الحادة.. فجأة حدقت فى الهاتف لأتأكّد إذا ما كانت المكالمة قد انتهت، أم أنها لم تبدأ أصلًا.