حوار: إسراء إبراهيم أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية، المعروفة باسم «البوكر العربية»، قبل أسابيع، القائمة الطويلة لدورتها التاسعة عشرة لعام 2026، والتى ضمّت رواية «الاختباء فى عجلة هامستر» للكاتب المصرى عصام الزيات. تدور أحداث الرواية حول جريمة غامضة تهزّ حياة بطلها «عجايبى»، حيث يُطلب منه إعادة تمثيل واقعة قتل زوجته فى محاولة لفهم ما حدث حقًا ومع العودة إلى الماضى، تتكشف خيوط علاقات متشابكة وظلال شكوك دفينة، يقودها دخول شخصية جديدة تقلب توازن الحياة الزوجية. بدأ عصام الزيات طريقه الأكاديمى بدراسة الطب البشرى، وكانت رغبته الأولى دخول كلية الإعلام، لكنه فضل رغبة والدته فى دراسة الطب عن الإعلام. وخلال سنوات الدراسة بدأ الاتجاه إلى عالمه الخاص الذى يُفضل الجانب الإبداعى، إذ توجه إلى العمل الحر فى الترجمة، والكتابة الصحفية، حيث بدأ ينشر مقالات فى عدة منصات. وبمناسبة وصوله للقائمة الطويلة للجائزة العالمية للرواية العربية، أجرت جريدة «أخبار الأدب»، حواراً معه، وكان كالتالى. لماذا تأخر قرار نشر رواياتك؟ هل بسبب عملك فى المجال الطبى؟ - اخترت تأجيل نشر عملى الأول «الكلب الذى رأى قوس قزح» حتى بلوغ سن الثلاثين، القرار لم يكن ترددًا بقدر ما كان بحثًا عن الاستقرار النفسى والمادى، وأعتقد أن النشر المبكر قد يمنح الكاتب شعورًا زائفًا بالاستثنائية، بينما يمنح النضج العمرى مساحة أوسع للتأمل والهدوء والثقة. بدأت الكتابة ليس بدافع تقديم نفسى ك«كاتب»، بل لرغبتى فى حكى قصص الناس المحيطين بى، فهى نابعة من المعايشة اليومية والتفاصيل الإنسانية البسيطة، لا من الادّعاء أو السعى وراء «العالمية». لم أمر بلحظة «وحى» أو إلهام مفاجئ كما يُشاع، بل جاءت الكتابة كوسيلة طبيعية للتعامل مع الضغوط اليومية؛ بعض الأشخاص بحكم طبيعتهم الاجتماعية أو المهنية، لا يستطيعون تفريغ الغضب بالكلام أو السلوك العنيف، فيلجأون إلى الكتابة كمساحة آمنة للتنفيس. عملى فى المجال الطبى، خاصة فى الجراحة، فرض ضغوطًا نفسية كبيرة، والكتابة جاءت كحل بديل، يتيح تفريغ ما بداخلى. كيف استقبلت خبر وصولك للقائمة الطويلة للبوكر؟ - وصلنى الخبر لأول مرة من الكاتب والناشر أيمن حويرة، والكاتبة نهى عودة، وبعدها بساعات ظهر الحديث عن أن القائمة غير صحيحة، حتى تأكد الأمر بعد يومين. أول إحساس كان نوعًا من التوقّف، وكأن الزمن أخذ نفسًا قصيرًا، لم يكن شعور انتصار، بقدر ما كان شعور اختبار حقيقى للنص وصول الرواية للقائمة الطويلة لم أستقبله بوصفه جائزة، بل كإشارة إلى قراءة جادة للنص، وكأن العمل خرج من دائرة الاحتمال ودخل دائرة النقاش؛ ما شغلنى أكثر من الفرح هو الإحساس بالمسئولية: أن هناك من قرأ الرواية بتركيز كافٍ ليضعها ضمن هذا السياق، وهو استقبال مختلف عن أى احتفاء شخصى أو رمزى. تلقى الخبر لم يكن مجرد فرح، بل لحظة إدراك بأن العمل أصبح جزءًا من حوار أكبر، كانت هناك أيضًا مراجعة داخلية: هل النص قادر على الصمود أمام أسئلة القراء والنقاد؟ هل ما كتبته يعكس ما كنت أبحث عنه من صدق نفسى وفكرى؟ هذه الأسئلة أعطت الخبر وزنه الحقيقى وجعلت التجربة تجربة استكشاف أكثر منها احتفالًا. ما كواليس كتابة «الاختباء فى عجلة هامستر»؟ - الرواية الصادرة عن دار «دوّن»، كانت عملية بطيئة ومُجزأة، أقرب إلى التجميع منها إلى التدفق. لم تُكتب من فكرة واحدة واضحة، بل من تراكم ملاحظات وأسئلة ومشاهد متفرقة أما العنوان، فجاء متأخرًا نسبيًا، بعد أن اتضح له أن جوهر الرواية لا يدور حول حدث بعينه، بل حول حركة دائرية يعيشها أبطالها. «عجلة الهامستر» لم تكن اختيارًا غرائبيًا، بل كانت توصيفاً دقيقاً للحالة الوجودية التى تتحرك فيها الشخصيات الغلاف جاء امتدادًا لهذا التصور: بسيط، غير صاخب، يترك مساحة للتأويل، ولا يختزل النص. خلال مرحلة اختيار التفاصيل الصغيرة، مثل: العنوان والغلاف، كان هناك صراع داخلى بين ما يروق للعين وما يخدم النص أردت أن يكون العنوان مُحفزًا للتساؤل، والغلاف يمنح القارئ مساحة لتخيّل النص قبل القراءة. كل هذه التفاصيل الصغيرة كانت جزءًا من تجربة أكبر: جعل النص كيانًا متماسكًا له لغة بصرية ولفظية ونفسية متناسقة، قبل أن يلتقى بالقارئ. كيف ترى التغيّرات فى البناء الروائى بين عمليك الأول والثانى؟ - الاختلاف الأساسى هو درجة الوعى بالبناء، ففى «الكلب الذى رأى قوس قزح» كان هناك اندفاع أكبر، ورغبة فى قول أشياء كثيرة دفعة واحدة، لدرجة أن الرواية كانت خمسين ألف كلمة؛ أما فى «الاختباء فى عجلة هامستر»، فكان هناك ميل أكبر للاقتصاد، للإنصات، ولترك فراغات متعمدة فى السرد. علاقتى مع الشخصيات اختلفت أيضاً، فلم أبحث عن التعاطف معها بقدر ما كنت معنيًا بفهم منطقها الداخلى، حتى حين يكون هذا المنطق قاسيًا أو مُربكًا؛ الرواية الثانية أقل صخبًا لكنها أكثر صرامة فى أسئلتها. كذلك الاهتمام بالمكان كعنصر فعال فى الرواية، لا مجرد خلفية للأحداث فى الرواية الأولى كان المكان تابعًا للشخصيات، أما فى الثانية فأصبح مساهمًا فى تكوين الحالة النفسية والضغط الاجتماعى الذى يعيش فيه الأبطال، وذلك منح الرواية شعورًا أعمق بالانسجام بين الشخصيات والبيئة، وجعل الأحداث أقل عشوائية وأكثر تماسكًا، كما أحدثت بعض المفاجآت فى نقاط معينة من السرد. لا أحب أسلوب «غزل البنات فى الكتابة» – أى الأسلوب الذى يبدو لطيفًا وظاهريًا جميلًا لكنه هش المضمون «أنا بحب أكتب اللى يسيب أثر حقيقى.. أكتب لحد ما أوصل للعَظم بتاع الحكاية». هل تخشى أن تؤثر الجوائز على اختياراتك الكتابية مستقبلًا؟ - الخطر الحقيقى لأى ترشح أو جائزة يكمن فى تحوّلها إلى معيار ضاغط يقيّد حرية الكتابة، وأحرص على ألا أكتب وأنا أضع لجان التحكيم أو التوقعات العامة نصب عينى التأثير الوحيد المقبول للجائزة، من وجهة نظرى، هو تأثيرها الخارجى، المتمثل فى وصول الرواية إلى عدد أكبر من القراء، وفتح مساحات أوسع للنقاش حولها. لا أتعامل مع الجائزة بوصفها غاية، بل كوسيلة لتمديد عمر الرواية داخل المجال العام، وأرى أن العمل الأدبى يعيش بتداول القرّاء والنقاشات التى يثيرها، لا بعدد الجوائز التى يحصل عليها، وأتمنى أن يستمر الاهتمام بالرواية بعد لحظة إعلان القائمة، لا أن يتوقف عندها. أى تأثير للجائزة على كتاباتى المستقبلية يجب أن يظل محدودًا وغير مباشر، ما أتمناه هو فرص أوسع للقراءة والنقد الجاد، لا تغيير صوتى أو شكل كتابتى؛ وأعتبر أن الحفاظ على استقلالية الكتابة شرط أساسى لأى مشروع أدبى حقيقى، والتفريط فى هذا المبدأ قد يكون مكلفًا على المدى الطويل. هناك اهتمام كبير فى كتاباتك بأجواء القرية والمستشفى.. فما سبب ذلك؟ - اختيارى لبيئة طنطا فى روايتى الأولى لم يكن قرارًا مقصودًا للتمايز، بل لأننى أكتب عن العالم الذى عايشته وأعرفه جيدًا، الكتابة عن بيئة غير مُعاشة تفقد العمل صدقه، والقرى والمدن البعيدة عن المركز كثيرًا ما تُهمَّش، رغم امتلائها بحكايات إنسانية عميقة تستحق السرد. عملت فى مستشفى صدر خلال أزمة جائحة كورونا، وشاهدت الموت عن قرب، قبل أن أفقد والدتى فى الموجة الأولى من الوباء، ثم جدتى بعدها بأشهر، وهو ما شكّل نقطة فاصلة فى حياتى، ودفعنى لترك المجال الطبى نهائيًا، بعد أن شعرت بأن ما حدث «قلب العالم كله». متى تكون راضياً عن مشروعك الأدبى؟ - أتمنى أن أظل قادرًا على الكتابة دون خوف من التكرار أو من خيبة التوقعات، وأن يتشكّل مشروعى الأدبى بملامح واضحة، ليس فقط على مستوى الموضوعات، بل على مستوى النزاهة مع الأسئلة التى يطرحها النص. أرغب فى تقديم أعمال مختلفة فى الشكل، متصلة فى الجوهر، مع الحفاظ على القدرة الدائمة على الشك فى الذات وفيما أكتبه، كذلك الاستمرارية أهم من أى ذروة سريعة أو اعتراف عابر. أرى ضرورة بقاء المشروع الأدبى مرنًا، قادرًا على التفاعل مع التحولات الاجتماعية والثقافية دون أن يفقد أصالته، والتجريب المقترن بالصدق الداخلى للنص هو أحد أهم مؤشرات النجاح على المدى الطويل؛ وأعتبر أن التساؤل يجب أن يظل عنصرًا أساسيًا فى الكتابة، وأن تكون النصوص نتاج تفكير نقدى لا مجرد ردود فعل على الجوائز أو التوقعات.