المؤشرات الميدانية والتحركات المتلاحقة تشير إلى أننا لسنا بصدد توتر عابر، بل أمام «ساعة صفر» محتملة لجولة صراع أخرى بين إيران وتل أبيب انتبهوا.. طبول الجولة الثانية من الحرب تقرع بهدوء.. نسمع ضرباتها قادمة خلف الستار.. المؤشرات الميدانية والتحركات المتلاحقة تشير إلى أننا لسنا بصدد توتر عابر، بل أمام «ساعة صفر» محتملة لجولة صراع أخرى بين إيران وتل أبيب.. طهران الآن تترنح تحت وطأة غليان داخلى وأزمات يمكن أن تعصف بكيانها. يلوح فى الأفق مشهد الضبع الإسرائيلى الخسيس يتربص بفريسته، ينتظر اللحظة الحاسمة للانقضاض عليها وهى فى أقصى حالات ضعفها.. خسرت إيران أذرعها القوية فى لبنان وسوريا والجبهة الداخلية تحترق بنيران الضغط الاقتصادى.. بعثات دبلوماسية كبرى بدأت فى التحرك وهى صافرة إنذار أن الأمر بات على فوهة بركان أوشك على الانفجار.. لم تعد التحذيرات مجرد تكهنات، بل أشارت لها تقارير استخباراتية وميدانية رصدت تحركات غير عادية.. موسكو نفذت «إجلاء طارئاً» لموظفى سفارتها وعائلاتهم من تل أبيب عبر 3 رحلات جوية مكثفة بين (6 و 8 يناير)...«الدب الروسي» لا يتحرك بهذا الشكل إلا إذا استشعر خطراً وشيكا يتجاوز قواعد الاشتباك التقليدية... دول أخرى بدأت فى التحرك الحذر.. الأسباب وراء هذا الاستنفار تكمن فى الداخل الإيرانى الملتهب حيث تشير التقارير إلى توسع رقعة الاحتجاجات العارمة فى أكثر من 20 محافظة إيرانية منذ مطلع يناير 2026 مما دفع النظام لاستخدام قوات الحرس الثورى لقمع المتظاهرين بالرصاص الحى وقطع الإنترنت.. صحيح أنها ليست المرة الأولى فقد سبقتها مرات أخرى لكن تلك المرة يبدو أنها قد تكون خارج السيطرة. هيئة البث الإسرائيلية الرسمية قالت إن رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو نقل رسالة إلى إيران عبر روسيا مفادها أن إسرائيل غير مهتمة بالتصعيد فى الوقت الحالي، ولا تنوى مهاجمة طهران.. إسرائيل تقول أنها تخشى وقوع طهران فى «خطأ فى الحسابات» وشن ضربة استباقية ضد إسرائيل، مدفوعة باعتقادها بأن الهجوم الإسرائيلى بات وشيكا، مشيرة إلى أن رسالة تل أبيب تهدف إلى منع هذا السيناريو..التساؤل المنطقى هل رسالة نتنياهو التى نقلها عبر الوسيط الروسى هى رغبة حقيقية فى التهدئة أم أنها «حقنة تخدير» استراتيجية تسبق العملية العاصفة؟ مدرسة نتنياهو الخبيثة تدرك جيداً أن طهران تعيش حالة «انكشاف أمني» وقلق داخلى غير مسبوق. الرسالة تهدف بذكاء إلى نزع فتيل «الضربة الاستباقية» الإيرانية وقد يحاول نتنياهو شراء الوقت ومنع طهران من الضغط على الزناد أولاً بدافع الخوف.. تل أبيب تريد اختيار «ساعة الصفر» بنفسها، لا أن تُفرض عليها من قبل الحرس الثوري. لذا، فإن هروب الدبلوماسيين الروس وغيرهم -رغم رسالة الطمأنة هذه- يثبت أن لا ثقة فى «تعهدات نتنياهو»، وتدرك أن الضبع الذى يبعث برسائل السلام هو نفسه الذى يجهز مخالبه للانقضاض.. المتوقع أن إسرائيل، وبدعم أمريكى واضح، تجد فى هذا الضعف الإيرانى فرصة تاريخية للتدخل الحاسم. السيناريوهات تتأرجح بين الضربة الجراحية الكبرى من خلال استهداف أعمق وأكبر للمفاعلات النووية ومصانع الصواريخ الباليستية وقواعدها وتنفيذ سلسلة اغتيالات أوسع من سابقتها للقيادات والعلماء الإيرانيون ..المؤكد أن السيناريو السورى سيتكرر إذا ما سقط النظام فى طهران .. فقد نرى تدميرا شاملا للقدرات العسكرية الإيرانية ومواقعه الاستراتيجية وقواته الدفاعية والبحرية. فى الخلفية نرى الدفع بنجل شاه لإيران فى المنفى «رضا بهلوي» الذى خرج يدعوا مؤخراً لنظام ديمقراطى بديل وبدء مرحلة انتقالية تعيد هندسة إيران. فى المقابل لن يقف نظام الملالى مكتوف الأيدى أمام «كماشة» الضغوط الدولية والاحتجاجات الداخلية، بل كعادته قد يتبنى سيناريو «الاحتواء الاستراتيجي» وهو مزيج من الترهيب والتضليل السياسي. وفى الوقت نفسه، فتح قنوات خلفية وسرية مع الغرب وواشنطن لتقديم «تنازلات» تحت الطاولة مقابل بقاء النظام ومنع التدمير النهائى أو هجوم اليأس على تل أبيب والقواعد الأمريكية بالمنطقة. إن الشرق الأوسط اليوم ليس أمام أزمة عابرة، بل هو مخاض عسير لولادة واقع جديد. فبين مطرقة الضغوط الإسرائيلية-الأمريكية وسندان الانفجار الداخلي، يجد نظام الملالى نفسه فى أصعب اختبارات البقاء منذ عام 1979. وإذا كانت رسائل التهدئة تتدفق عبر القنوات الخلفية، فإن حقائب الدبلوماسيين المغادرين تقول عكس ذلك تماماً. إن مصلحة المنطقة، وفى قلبها الأمن القومى العربى والمصري، لا تكمن فى استبدال تهديد بآخر، بل فى الوصول إلى حالة من الاستقرار تقلم أظافر التمدد المذهبى دون أن تترك الساحة لهيمنة «الضبع» المطلقة. وسواء نجحت «حقن التخدير» فى تأجيل الانفجار، أو انطلقت الرصاصة الأولى من حيث لا يحتسب الجميع، فإن المؤكد أن إيران ما بعد هذه العاصفة لن تكون كإيران ما قبلها. الأيام القليلة القادمة هى التى ستحمل الخبر اليقين، وحتى ذلك الحين، ستبقى الأعين معلقة بمدارج المطارات الحربية ومنصات الصواريخ، والأصابع ثابتة على الزناد.