تتسارع وتيرة التصعيد بشكل غير مسبوق بين إيران والقوى الغربية؛ وعلى رأسها أمريكا وإسرائيل والترويكا الأوروبية (فرنسا وبريطانيا وألمانيا)، وذلك بعد خطاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على منبر الأممالمتحدة، الذي أكد فيه على موقف بلاده الرافض لامتلاك إيران برنامجًا نوويًا من الأساس، وضرورة الوصول إلى صفر تخصيب، ما يعني عودة البرنامج النووي الإيراني إلى حقبة ثمانينات القرن الماضي، وهو ما رد عليه بعد بساعات معدودة، المرشد الأعلى الإيراني - أعلى سلطة دينية وسياسية في البلاد - بأن المفاوضات مع الغرب قد وصلت إلى طريق مسدود، ولا فائدة منها على الإطلاق، بل ضرر التفاوض على إيران واقعٌ بالفعل. تبع خطاب المرشد الإيراني خطابٌ مثيرٌ وجديدٌ للرئيس الإيراني مسعود بزشكيان على منبر الأممالمتحدة، حيث رفع صور شهداء بلاده في حرب الإثني عشر يومًا مع إسرائيل في يونيو الماضي، وأكد على سلمية البرنامج النووي الإيراني وحق بلاده في التخصيب، كما هاجم السردية الغربية تجاه إيران، وربط بين المظلومية التاريخية لشعب فلسطين والظلم الواقع على إيران منذ عقود عبر العقوبات والحصار، ومواجهتهما لعدوٍّ واحد، وهي دولة الاحتلال الإسرائيلي؛ وكلها رسائل موجَّهة للرأي العام العالمي، وللداخل الإيراني، وخاصة الجناح الأصولي أو المتشدد. ارتفاع منسوب الصراع زاد أيضًا عقب إفراج إيران عن آلاف الوثائق والفيديوهات لأكبر اختراق إيراني لإسرائيل، شمل برنامجها النووي، ولا سيما مفاعل ديمونة، وصور وعناوين العلماء النوويين في إسرائيل، ومقرات إقامة وزير الدفاع ورئيس الأركان الإسرائيلي، وتعاون الوكالة الدولية للطاقة الذرية ورئيسها "جروسي" مع إسرائيل، إضافة إلى تعاون الاتحاد الأوروبي - وفي القلب منه فرنسا - مع إسرائيل في إنتاج وزيادة مخزوناتها من القنابل الذرية. يُضاف إلى ذلك تفعيل الترويكا الأوروبية لآلية الزناد (العقوبات الأممية) على إيران، ما يعني فرض عقوبات وحصار دبلوماسي واقتصادي وتسليحي على إيران، يكون ملزمًا للدول الأعضاء بالأممالمتحدة؛ وهو الأمر الذي ينعكس بالسلب على اقتصاد إيران المنهك بالفعل؛ لكن طهران تُصمِّم على المُضي قُدمًا في برنامجها النووي والصاروخي، ودعم الوكلاء الإقليميين بالمنطقة. يبدو أن الولاياتالمتحدة ماضيةٌ أيضًا في التصعيد مع إيران في ظل تصريحات ترامب ووزير خارجيته "روبيو" حول التهديد الصاروخي لإيران، وضرورة التخلي عن صواريخها بعيدة ومتوسطة المدى، بحيث لا يزيد مداها عن 500 كيلومتر، وهو ما يعني تخلّي إيران عن آخر أوراق قوتها في المنطقة، وذراعها الطولى في الإقليم، وقدرتها على الدفاع حال تعرضها لعدوان إسرائيلي. وإزاء هذا المشهد الضبابي.. ما سيناريوهات المواجهة بين إيران والقوى الغربية؟ السيناريو الأول: ممارسة ضغوط سياسية وقانونية واقتصادية على إيران عبر تفعيل آلية الزناد، وإعادة فرض عقوبات الأممالمتحدة، في محاولة لإضفاء الشرعية الدولية على هذه القرارات، وخنق إيران اقتصاديًّا، بهدف دفع إيران إلى طاولة المفاوضات مرة أخرى، وتقديم التنازلات. وفي هذا السيناريو، يقل خطر المواجهة العسكرية بين الجانبين، لكنها لا تخلو من مناوشات في الممرات البحرية عبر محاولات تفتيش السفن الإيرانية واعتراضها ومصادرتها، باعتبارها خاضعة لنظام العقوبات الدولية. وفي هذا السيناريو، ستسعى إيران إلى إدارة المخاطر الاقتصادية بفتح أسواق جديدة لصادراتها، والتوسع في أسطول الظل النفطي، وبناء الشراكات مع روسيا والصين، وتنشيط الدبلوماسية الإيرانية في المنطقة العربية وأفريقيا. السيناريو الثاني: ضغط قانوني عبر العقوبات الأممية، ويتزامن معه عمليات تخريب سرية للمشروع النووي والصاروخي والبنية التحتية، وزيادة الهجمات السيبرانية دون مواجهة مباشرة تصل إلى الحرب. وهنا، ستعمل إيران على التصدي لعمليات التخريب والهجمات السيبرانية، مع محاولات تخفيف الضغوط الاقتصادية، وفتح آفاق جديدة للدبلوماسية الإيرانية، ومحاولة شنّ هجمات سيبرانية مضادة، ودعم الوكلاء الإقليميين. السيناريو الثالث: ضغط قانوني بالعقوبات، تتزامن معه ضربات محدودة تنفذها إسرائيل لإيران والوكلاء الإقليميين، بدعم أمريكي وأوروبي، وكذلك ضرب الإمدادات اللوجستية للبرنامج النووي والصاروخي، في محاولة لإحباط إعادة بنائهما. وهنا، تزداد خطورة المواجهة العسكرية بين الطرفين، ما يتطلب من إيران أن ترد بشكل منضبط ومتوازن على هذه الضربات، بمنطق الرد والرد المضاد، وعدم الاندفاع نحو مواجهة مفتوحة مع الطرفين الأمريكي والأوروبي، التي يحاول نتنياهو دائمًا جر إيران إليها. السيناريو الرابع: وهو ما أرجحه بقوة بناءً على المعطيات والتحركات العسكرية في المنطقة، وهو اندلاع حرب مفتوحة متعددة الجبهات تشهدها المنطقة بين إيران وإسرائيل، ومن خلفها أمريكا ودول أوروبية، ويساند إيران وكلاؤها الإقليميون. وهنا، تكون المواجهة بالغة الخطورة على المنطقة بأسرها، إذ تغيب قواعد الاشتباك والخطوط الحمراء بين الجانبين، وهو ما يتطلب من إيران دبلوماسية طارئة، وأوضاعًا اقتصادية استثنائية، وخطابًا يُلائم الداخل الإيراني والرأي العام العالمي، مع إجراءات سريعة تتمثل في توجيه ضربات مميتة لإسرائيل وبرنامجها النووي وبنيتها التحتية خاصة قطاع النفط والكهرباء، فضلًا عن اندفاع إيران نحو صناعة قنبلة نووية تستطيع بها التفاوض على وقف الحرب وتحقيق الردع النووي في الإقليم.