تواصلت المؤتمرات الصحفية للدورة السادسة عشرة من مهرجان المسرح العربي، حيث أُقيم مؤتمر صحفي لصاحب كلمة اليوم العربي للمسرح هذا العام، الدكتور سامح مهران، بحضور عدد من المسرحيين والإعلاميين. وقال الفنان غنام غنام، مدير الإعلام والتدريب بالهيئة العربية للمسرح، إن رسالة اليوم العربي للمسرح التي يلقيها د. سامح مهران جاءت خلاصة لتجربته المعرفية والفكرية الممتدة، وتخاطب المسرحيين في العالم العربي من المحيط إلى الخليج، مؤكدًا أن هذه الرسائل، منذ انطلاقها عام 2008، شكّلت علامات إرشادية أسهمت في إنارة المشهد المسرحي العربي، وساعدت على قراءة تحولات اللحظة الثقافية الراهنة. ووصف غنام مهران بأنه مسرحي يمتلك وعيًا نقديًا وقدرة على استشراف آفاق ثقافية غير منظورة، ويرى الواقع بعين تحليلية لا تقف عند السطح. من جانبه، أكد الدكتور سامح مهران أننا نعيش منذ قرون داخل دائرة الإجابات الجاهزة، من دون الجرأة على الانتقال إلى مساحة الأسئلة المغايرة، مشددًا على أن الأزمة الحقيقية لا تتعلق بندرة الأفكار، بل بالنقص العميق في حرية التفكير وحرية الاعتقاد، وحتى حرية الخطأ. وأوضح أن الإبداع يرتبط ارتباطًا مباشرًا بالحرية، وأن تراجعها ينعكس بالضرورة على قدرة المجتمع على إنتاج معرفة حقيقية. وأشار مهران إلى أن التشتت المعلوماتي الناتج عن السوشيال ميديا والوسائط المختلفة خلق حالة من التشويش الإدراكي، حيث تتحول المعرفة إلى استهلاك سريع للمعلومات، مؤكدًا أن هذا التشويش يتضاعف مع تعدد القنوات والمنصات، ما يعيق بناء وعي متماسك أو موقف نقدي واضح. ودعا إلى العودة لمصادر المعرفة الجادة، وفي مقدمتها مراكز الأبحاث والتقارير العلمية المتخصصة، بوصفها أدوات أساسية لفهم العالم وتعقيداته. وشدد مهران على أن المسرح الجاد لا يمكن فصله عن سياقه الاجتماعي والتاريخي، مؤكدًا أن أي عمل مسرحي حقيقي يجب أن ينطلق من دراسة دقيقة للمكان واللحظة، لا من الانطباع أو الاستسهال. وأوضح أن الإخراج المسرحي في جوهره فعل بحث وتحليل ورؤية، قبل أن يكون توظيفًا للتقنيات، محذرًا من الوقوع في إخراج استعراضي يجعل من الإضاءة والحركة غاية في ذاتها، بدلًا من كونها أدوات للتعبير وصناعة المعنى. وانتقد مهران غياب المعرفة الجادة بالتجارب المسرحية الأخرى، مؤكدًا أن الاكتفاء الذاتي وهم خطير، وأن المسرح، مثل المعرفة، يقوم على التعلم المستمر والانفتاح على تجارب مختلفة. كما شدد على أنه لا توجد محطة أخيرة في طريق التعلم، وأن من يتصور امتلاك المعرفة النهائية يكون قد خرج بالفعل من دائرة الإبداع. وفيما يتعلق بالسياسات الثقافية، طرح مهران تساؤلات حول جدوى المهرجانات إذا تحولت إلى هدف في حد ذاتها، منفصلة عن المجتمع واحتياجاته، مشيرًا إلى أنه لو كان في موقع المسؤولية الثقافية لأعاد النظر جذريًا في سياسة المهرجانات، وربما أوقفها مؤقتًا، ليس رفضًا لفكرتها، بل إيمانًا بأن التنمية المسرحية الحقيقية لا تتحقق بالعروض الموسمية وحدها، في ظل بنية تقنية ضعيفة وخشبات مسرح متهالكة. وأكد مهران أن الأزمة لا تكمن في المهرجانات ذاتها، بل في غياب الارتباط الحقيقي بينها وبين الجمهور، مشددًا على أن المسرح لا يمكن أن ينعزل عن قضايا الناس، خاصة في اللحظات التاريخية الحرجة التي تمر بها المجتمعات. كما طرح تساؤلات حول وجود جمهور حقيقي يقبل الاختلاف، وضرورة فتح نقاشات نقدية جادة حول العروض، باعتبار الاختلاف دليلاً على حيوية المشهد المسرحي، لا علامة على فشله. وتنظم الدورة السادسة عشرة لمهرجان المسرح العربي بواسطة الهيئة العربية للمسرح بالتعاون مع وزارة الثقافة المصرية، بالعاصمة المصرية القاهرة ، تحت رعاية فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي رئيس الجمهورية وذلك خلال الفترة من 10 إلى 16 يناير الجاري.