إبراهيم فرغلى بين قراءات العام، وبينها كتبٌ عديدة لافتة، يمكننى التوقف أمام كتابين لافتين، أحدهما بعنوان «الجغرافيا المقلوبة» لمهاب نصر، الصادر عن بيت الحكمة بالقاهرة ويتأمل بشكل نقدى وفلسفى فكرة الحداثة المصرية انطلاقا من قراءة استثنائية لأعمال نجيب محفوظ بحيث تشتبك مع كلاشيهات النقد الشائعة عن السرد المحفوظى، ثم عبر ملاحظات شخصية وقراءات فكرية من هيجل إلى تيموثى ميتشل وسواهما، مما يتكئ عليه فى تأملاته؛ وذلك لتقديم تصوراته حول مفاهيم المجتمع عن الجسد وعلاقات الحب والتربية والعلاقات الزوجية والمرأة واللغة، ثم علاقة ذلك كله على إنتاج «العنف» فى المجتمع: فعلا وقولا، وأثر هذه العلاقة بالتالى فى شكل الحداثة الراهن فى المجتمع. أما الكتاب الثانى فهو «الحالة السردية للوردة المسحورة» لمنى أبو النصر، والصادر عن دار الشروق. إعجابى بالكتاب يبدأ من فكرته الفريدة والنوعية، وربما «غير المسبوقة» فى حدود قراءاتى. أما المتن فيجمع بين السرد والمعرفة والتحليل والجمال. يتتبع تجليات الزهور والورود، وربما عملية البستنة نفسها، فى الآداب والفنون المكتوبة والمرئية، عودة إلى الميثولوجيا والأساطير القديمة التى رأت فى عالم الزهور طاقة سحرية وأسطورية، ومرورًا بالرمزية الرومانسية للورود فى الأدب، ثم يعرج على الترميزات غير الشائعة المرتبطة بفكرة الورود المسمومة أو الشرور أيضًا، فى أعمال أدبية ومسرحية عديدة. فرحلة أبو النصر فى عالم الزهور لا تكتفى بالجانب الرومانسى الشائع حول ارتباط الورود بالرومانسية والعاطفية، بل تكشف كيف ارتبطت بعض فصائل أو ألوان الورود، بمدلولات «الفعل الدرامي» كما جسدته أعمال فنية وأدبية، ومسرحية على وجه الخصوص. فثمة إشارات مثلا إلى ورود أسفرت عن مشاهد قتل درامية كما فى «هاملت» شكسبير، أو إلى ارتباط لون الورود بعواطف وسلوكيات مثل الغيرة، والحب، وجنون العشق، والوفاء، أو كمعادل لغوى وشفرة تواصل سرية فى بعض الأحيان. يكشف الكتاب الجهد البحثى المبذول من قبل الكاتبة، ولا يتوقف على رصد تناول الورد فى النماذج الأدبية العديدة، بل يمتد للتحليل، ومحاولة تقديم قراءات نقدية أو تفسيرية لظهور الزهور ومدلولاته فى عدد من الأفلام، أو الأغنيات، والقصائد الشعرية، ووصولا لأعمال أوبرالية. وقبل هذا كله تطرق منى أبو النصر باب الفلسفة، وتبحث عن مفاتيح عير تقليدية لاستخدامات الفلسفة لما يمكن أن نصفه ب«فلسفة الزهور»، بإشارتها مثلا إلى استخدام هيجل الوردة كرمز فى كتابه البارز «ظاهريات الروح» أو«فينومينولوجيا الروح»، ليشير إلى أن الشيء يصبح ما هو عليه حتى لو لم يعه فى مراحله الأولى؛ فبرعم الوردة يختفى حالما تتفتح بتلاتها وأوراقها. موضحة أفكاره بقولها:» وقد تتخيل أن ثمة تعارضا بين بتلات الوردة والبرعم، ولكن ما يحدث هو أن الحقيقة انتقلت إلى حقيقة أخرى ويصبح كل طور منها ضروريًا لبلوغ الحقيقة الأكبر، وهو ما يشبه مراحل الفكر؛ فكل فكرة تتضمن داخلها فكرة أخرى، وكذلك يمكن فهم التاريخ نفسه». أهمية الكتاب فى تقديرى، إضافة للمتعة التى يتضمنها بالسرد الشيق والانتقال بين الموضوعات والتيمات والأمثلة برشاقة، تعود لأنها تقدم فكرة أصيلة، وهذه فضيلة مهمة فى هذه الأيام، تنبه إلى ضرورة الانتباه إلى التفاصيل الدقيقة فى الأعمال الفنية والأدبية والفكرية جنبًا إلى حنب مع تفاصيل حياتنا اليومية، لاستعادة فضائل ومهارات التأمل والتحليل، أو بالأحرى لحشد المزيد مما نحتاجه من هذه الطاقة النقدية والفكرية، كما تفتح أفقًا لتصورات مختلفة عن مفاهيم القراءة النقدية والتحليل، وتوسيع أطر وزوايا النظر فى البحث الأدبى والنقدى النظرى بربطها بظواهر حية من حياتنا الثقافية والأدبية فى إطار إنسانى أشمل وأوسع.