فى وجدان الذاكرة الشعبية يظل اسم «بدران» رمزًا للخيانة، الرجل الذى خان صديقه «أدهم الشرقاوى» وسلم رأسه للمستعمر.. لم يكن مجرد شخصية عابرة، بل أصبح نموذجًا يتكرر عبر العصور.. «بدران» هو الثغرة التى لا تحميها حصون ولا تمنعها قلاع. ومع بعض الفروقات يذكرنا ذلك بما جرى للرئيس الفنزويلى نيكولاس مادورو، الذى اعتقد أنه حصّن نفسه، واختار مسكنه وزوجته داخل أقوى مجمع عسكرى فى البلاد، مدينة محصنة تضم وزارة الدفاع وقيادة الجيش ووحدات النخبة، وشيّد ملجأً تحت الأرض، ظنًا أن الخرسانة المسلحة والغرف المصنوعة من الصلب، تقف حاجزًا أمام أى محاولة انقلاب أو اغتيال. ومهما بلغت دقة العملية الامريكية، والتخطيط الدقيق والتكنولوجيا المستخدمة، فإن سقوط «مادورو» بسهولة بالغة، فتح باب الأسئلة على مصراعيه، كيف يمكن لقوةٍ ما أن تصل بدقة إلى «الغرفة الصفر» داخل مجمعٍ بهذا الحجم؟.. وكيف أصيبت منظومات الإنذار بالشلل التام، دون معلومات تأتى من الداخل؟.. والإجابة: إنه فى مثل هذه القلاع شديدة التحصين، لا تكون القوة العسكرية هى الفيصل، بل الخيانة التى تنفذ بصمت وتضرب الجدران المصمتة فى لحظة حاسمة. وبهذا المعنى تظهر الخيانة كبطل شرير فى كثير من فصول التاريخ، فالقلاع العاتية لا تسقط غالبًا بالقصف والاقتحام، بقدر ما تُفتح أبوابها من الداخل، وفى العاصمة الفنزويلية كاراكاس، تجسدت هذه الحقيقة بصورة درامية، تعيد إلى الأذهان أسطورة «بدران» المحفورة فى وجدان الناس. ورغم الآلاف من الجنود والأسلحة، تم تنفيذ عملية إنزال مفاجئة داخل المنطقة الأكثر تحصينًا، دون مقاومة تُذكر، وهنا يبرز الدور الحاسم لدائرة المقربين المحيطة بالرئيس، فى تسريب معلومات استخباراتية دقيقة فى توقيت محسوب، وتعطيل الأنظمة فى اللحظة المناسبة، وكل ذلك يؤشر إلى أن «بدران» كان حاضرًا بطريقة أو بأخرى. لقد تحصّن مادورو ضد الصواريخ والمتظاهرين والانقلابات، لكنه لم يضع فى حساباته الخيانة التى تنبت فى الظلام، فالحصون لا تنهار لأن جدرانها ضعيفة، بل لأن من يملك المفاتيح يرشد الصياد إلى الفريسة. ومع انتقال مادورو لمواجهة اتهامات ثقيلة تشمل الإرهاب المرتبط بالمخدرات والتآمر وتهريب الكوكايين، يبدو أن الطريق أمامه طويل ومعقد، مهما صدرت إدانات أو تعاطف خارجي، فالقضية لن تُحسم بسرعة، وقد تمتد سنوات بسبب حساسية ملفاتها وتشابك أطرافها. وفى الداخل الفنزويلى، يبقى الخطر الأكبر هو الفراغ السياسى، وغياب القيادة الموحدة، مما قد يدفع البلاد إلى صراعات بين الجماعات المسلحة والقوى الطامحة للسلطة، وربما يفتح الباب أمام تدخلات أوسع بحجة حماية البترول والمصالح. ويظل الدرس ثابتًا، القلاع لا تُحمى بالأسوار بل بالثقة، و«لعنة بدران» فى الأدب والتاريخ، لا تزال تذكرنا دائمًا بأن الخيانة من الداخل أخطر من أى عدو فى الخارج .