منذ اندلاع الصراع اليمنى، لم تعد الحرب تُدار بين دولتين أو طرفين واضحين، بل تحولت إلى ساحة مكتظة بفاعلين مسلحين يعملون خارج الإطار التقليدى للدولة، فى هذا السياق، برزت «جيوش الظل» بوصفها أحد العوامل الأكثر تأثيرًا فى إطالة أمد الصراع، وتعقيد مسارات التسوية، وإضعاف فكرة الدولة المركزية نفسها، هذه الجيوش لم تنشأ دفعة واحدة، بل تشكلت تدريجيًا داخل فراغ سياسى وأمنى عميق، وراكمت نفوذها مع كل جولة فشل سياسى أو عسكرى. فى الحالة اليمنية، لا يمكن الحديث عن «جيش ظل» واحد، بل عن شبكة واسعة من التشكيلات المسلحة التى تختلف فى ولاءاتها، ووظائفها، وأهدافها، لكنها تتشابه فى كونها تعمل خارج سلطة دولة موحدة، بعض هذه التشكيلات نشأ بذريعة ملء الفراغ الأمنى، وبعضها الآخر تأسس كأداة صراع سياسى أو إيديولوجى، فيما تحوّل جزء منها إلى قوى أمر واقع تدير مناطق كاملة بمعزل عن المؤسسات الرسمية. اقرأ أيضًا | رئيس اليمن الأسبق يكشف تفاصيل جديدة ب«الجلسة سرية» خلال 2025، لم يشهد اليمن تحولًا جذريًا فى خطوط المواجهة بقدر ما شهد تعمقًا فى منطق السيطرة غير الرسمية، فمع تعثر المسارات السياسية، واستمرار الهدن الهشة، وغياب تسوية شاملة، تعزز حضور الفاعلين المسلحين غير الرسميين، وازدادت قدرتهم على إدارة مناطق نفوذهم سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا. أحد أبرز ملامح حصاد 2025 كان التعدد المتزايد فى الفاعلين المسلحين، ليس من حيث العدد فقط، بل من حيث التنوع الوظيفى، فقد بات المشهد اليمنى يضم تشكيلات إيديولوجية، ومناطقية، وسياسية، واقتصادية، وأخرى هجينة تجمع بين هذه السمات، هذا التعدد لم يعد حالة استثنائية، بل أصبح القاعدة التى يُدار من خلالها الصراع، ما أدى إلى تفكك مركز القرار، وتآكل فكرة القيادة الموحدة، سواء على مستوى الدولة أو حتى داخل معسكرات الصراع نفسها. كما أظهر حصاد 2025 بوضوح أن جيوش الظل المدعومة خارجيًا أصبحت أحد أخطر التحديات أمام أى مشروع وطنى، فخلال العام، تزايد ارتباط القرار العسكرى والأمنى بأجندات إقليمية، ما جعل الصراع اليمنى أكثر تداخلاً مع حسابات النفوذ الإقليمى، وبالتوازى، لعبت جيوش الظل ذات الطابع الاقتصادى دورًا محوريًا فى استدامة الحرب، عبر إدارة اقتصاد موازٍ قائم على الجبايات، والسيطرة على الموارد، وتحويل الصراع إلى مصدر دخل ونفوذ، لا مجرد معركة سياسية. وفى ذروة هذا التعقيد، برزت التشكيلات الهجينة بوصفها النموذج الأكثر تأثيرًا خلال 2025، فهى تجمع بين الإيديولوجيا والسلاح، والمناطقية والاقتصاد، والدعم الخارجى والسيطرة المحلية، ما جعلها قادرة على الصمود والتوسع فى بيئة الفوضى، هذه التشكيلات لم تكتفِ بإضعاف الدولة، بل أسهمت فى إعادة تعريف مفهوم السلطة نفسه، بحيث لم يعد مرتبطًا بالمؤسسات، بل بالقدرة على السيطرة وإدارة الموارد وتأمين الولاءات. أما سياسيًا، فقد كشف حصاد العام أن أى تسوية لا تتعامل بجدية مع ظاهرة جيوش الظل محكوم عليها بالفشل، فالعام 2025 أثبت أن وقف إطلاق النار لا يعنى وقف الصراع، وأن غياب المواجهات الواسعة لا يعنى عودة الدولة، فالقوة الحقيقية باتت موزعة خارج المؤسسات، وأى مسار سياسى لا يعالج هذه الحقيقة يظل شكليًا ومؤقتًا. تكشف تجربة اليمن لعام 2025 أن جيوش الظل، حين تتحول من ظاهرة مؤقتة إلى بنية دائمة، تصبح عامل تفكيك لا توازن، فهى لا تملأ فراغ الدولة بقدر ما تعيد إنتاجه، ولا تحمى المجتمع بقدر ما تستنزفه، وفى ظل هذا الواقع، لا يكمن التحدى الحقيقى أمام اليمن فى وقف إطلاق النار فحسب، بل فى إعادة تعريف العلاقة بين السلاح والشرعية والسياسة، فمن دون تفكيك منظومة جيوش الظل أو إعادة دمجها ضمن إطار وطنى جامع يعيد للدولة احتكار القوة والقرار، سيظل اليمن عالقًا فى معادلة حرب بلا نهاية، وسلام بلا دولة. ومع دخول عام جديد، يبقى السؤال مفتوحًا: هل يكون اليمن قادرًا على تفكيك هذه البنية المعقدة، أم أن جيوش الظل ستظل العنوان الأبرز لحصاد أعوام قادمة، حيث يستمر الصراع حتى فى غياب الحرب؟.