في صباح كان من المفترض أن يبدأ بجرس المدرسة وحقائب صغيرة على ظهور أطفال لم يعرفوا من الحياة سوى طريق البيت والفصل، تحول المشهد إلى كابوس لا يمحى من الذاكرة. في أحد شوارع مركز الدلنجات بمحافظة البحيرة، سقطت الأم، لا بسبب حادث طريق، ولا موت مفاجئ، بل طعنًا بسكين زوجها، وأمام أعين أبنائها، الذين خرجوا معها للحظة عادية، فعادوا منها مثقلين بعمر كامل من الصدمة.. الزوج القاتل لم يراع عشرة العمر وأنهى حياة زوجته غير مبالِ بأطفاله الصغار لمجرد أنها رفضت العودة له.. تفاصيل مأساوية ومرافعة نارية من النيابة وحكم رادع في السطور التالية.. وإلى التفاصيل. لم تكن حياة دينا حياة استثنائية، بل تشبه آلاف البيوت البسيطة؛ أم ل3 أطفال، تحاول أن تصنع توازنًا صعبًا بين أمومة مرهقة، ومسئوليات يومية لا تنتهي، وزواج لم يكن مستقرًا. زوجها بدر رجب، صاحب ال37 عامًا، يعمل كهربائيًا، كثير السفر، قليل الاستقرار، غاب لفترات طويلة خارج البلاد، آخرها في ليبيا، تاركًا خلفه خلافات لم تحل. بحسب روايات مقربين من الأسرة، لم تكن الخلافات جديدة، لكنها كانت تتصاعد؛ مشكلات زوجية، شد وجذب، انفصال غير معلن، وقرار من الزوجة بالابتعاد حفاظًا على نفسها وأطفالها.. لم تكن دينا تطلب سوى الأمان. عاد الزوج من ليبيا، لكنه لم يعد كما رحل.. بحسب التحريات، كان يحمل داخله غضبًا مكبوتًا، وشعورًا بالرفض، ومحاولة أخيرة لاستعادة ما يراه حقًا ضائعًا. انتظر زوجته أمام مسكنها في مساكن عبود، في توقيت يعرفه جيدًا؛ موعد خروجها اليومي لتوصيل الأطفال إلى المدرسة. لم يكن اللقاء مفاجئًا لها، لكنها لم تتوقع نهايته؛ في لحظات قصيرة، تجمع كل ما كان مؤجلًا؛ وقف الزوج في طريقها، بدأ حديثه بنبرة هادئة، توسل إليها وطلب منها العودة إلى بيت الزوجية، تحدث عن الأولاد، عن الناس، عن إعطائه فرصة أخيرة، لكن دينا، التي اتخذت قرارها مسبقًا، رفضت. تحولت نبرة صوته؛ فارتفعت أكثر وبغضب شديد وشرار يتطاير من عينيه، بدأ الشجار أمام الأطفال؛ عيون صغيرة تراقب، لا تفهم سوى أن شيئًا مخيفًا يحدث.. الأم تحاول إنهاء الموقف، تسحب أبناءها بعيدًا، تطلب منه أن يتركهم وشأنهم، أن يتحدثا لاحقًا، أن يرحم الأطفال، لكن في لحظة السكين أصبح بدل الكلمات، وفي ثوانٍ، أخرج الزوج سلاحه الأبيض. لم يكن الأطفال استوعبوا ما يحدث، فقط رأوا والدتهم تتلقى الطعنات واحدة تلو الأخرى.. صرخات، دماء، أم تسقط على الأرض، وأطفال يصرخون باسمها، بينما هي لا تجيب، سقطت جثة هامدة غارقة في دمائها؛ عدة طعنات وجروح متفرقة في أنحاء الجسد، لم تمهلها الحياة فرصة النجاة.. فارقت دينا الحياة في الشارع، في وضح النهار، أمام فلذات كبدها. بلاغ تلقت الأجهزة الأمنية بمديرية أمن البحيرة إخطارًا من مأمور مركز شرطة الدلنجات، يفيد بالعثور على جثة سيدة مقتولة، انتقلت قوة من الشرطة إلى مكان الواقعة، عثر على الجثمان غارقًا في الدماء، ونقلت إلى ثلاجة حفظ الموتى بمستشفى الدلنجات المركزي تحت تصرف جهات التحقيق. بالفحص والتحري، تبين أن الزوج هو مرتكب الواقعة، وأن الجريمة وقعت عقب مشادة كلامية أمام الأطفال، ضبط المتهم والسلاح المستخدم، وتحرر محضر بالواقعة، لتبدأ رحلة التحقيق، بينما انتهت رحلة أم، واعترف الزوج بارتكابه الجريمة لأنها رفضت العودة له، وتحولت القضية لمحكمة الجنايات. مرافعة النيابة وفي قاعة المحكمة، وقف المتهم داخل قفص الاتهام، بينما وقف المستشار أحمد عبد الله عمار، ممثل النيابة العامة على المنصة ليبدأ مرافعته القوية، قال: «نحن أمام ثلاثة أرواح تمزقت بين القاتل والضحية وأبرياء تعرضوا للمأساة، دينا، زوجة وأم لم تتعد الثلاثينيات من عمرها، قدمت حياتها بتفان وسخاء، وضحت بشبابها من أجل تربية أبنائها وجعل منزلها مملوء بالبركات، عاشت حياة شريفة ونقية، تحملت الصعاب بصمت وصبر، وواجهت القسوة والإهانات حتى تسلل الشر لعقل المتهم واصفًا إياه ب «الذئب»، تحولت حياتها المليئة بسنين العطاء والحب إلى مأساة، شهدت خريف حياتها بالغدر والظلم. وأضاف: «المتهم بدر، الزوج الذي خان الثقة والأمانة، والأب الذي فقد الرحمة والإنسانية، حيث كانت حياته مليئة بالعنف والظلم، حيث أسقط بيتًا كان يمتلئ بالثبات والحب بأفعاله الشنيعة، بدر اسمه يخفي وراءه آلاف المسافات من الظلم والظلام، لا يعرف إلا لغة العنف والإهانة، غادر بدون وداع، تاركًا عائلته في الفقر واليأس، ثم عاد لينهي مأساتهم بطعنات قاتلة، عندما نستمع إلى تفاصيل هذا الحادث المروع، نتذكر الأرواح الثلاثة البريئة التي فقدت الدفء والحنان بفقد الأم والأب، وكيف تحولت حياتهم إلى جحيم من الشكوك والأسئلة، هذه ليست مأساة عابرة، بل خيانة عائلية بلغ فيها الشر ذروته، المتهم طعن المجني عليها نحو 28 طعنة، أوت بحياتها جثة هامدة، وفقًا لتقرير الطبِ الشرعي أن الجثمان يوجد به 3 جروح قطعية بالخد الآيسر و20 جرحا طعنيًا بالرقبة و4 جروح طعنة بالصدر وجرح طعني بيمين الظهر وكما بتر المتهم لإبهامي اليدين، بالإضافة لنزيف دموي حاد يقدر بحوالي لتر من الدم. واختتم مرافعته مطالبًا بتوقيع أقصى عقوبة على المتهم وهى الإعدام شنقا. القصاص بعد المرافعة، قضت محكمة جنايات دمنهور الدائرة 14 بإعدام المتهم؛ الذي استأنف على الحكم، فقررت محكمة جنايات مستأنف دمنهور، الدائرة الثالثة، المنعقدة بمحكمة إيتاي البارود الإبتدائية، بإحالة أوراقه للمفتي وتحديد جلسة 19 يناير للنطق بالحكم؛ لتنتهي القصة بهذا الحكم الرادع العادل، لكنها لم تنتهِ في قلوب من شهدوا تفاصيلها، ولا في نفوس أطفال سيكبرون وهم يحملون مشهد مقتل والدتهم أمام أعينهم، كجرح مفتوح لا يندمل مع الزمن. اقرأ أيضا: المشدد سنة لشخص بتهمة الشروع في قتل زوجته بالمنيا