محمد كمال فقدت السينما المصرية السبت الماضي أحد أهم المخرجين في تاريخها وهو المخرج داود عبد السيد، رغم أنه على مستوى السينما الروائية لم يقدم سوى 9 أفلام، ومن أكثرهم شهرة كان فيلم «أرض الخوف» الذي تصدر بطولته الراحل أحمد زكي، وارتكز الفيلم «أرض الخوف»الذي طُرح عام 2000، على مهمة سرية غريبة وغير تقليدية حملت الاسم ذاته «أرض الخوف»، تقوم هذه المهمة على تكليف ضابط شرطة مثالي بأن يتحول إلى شخص فاسد داخل العالم السفلي، وتحديدًا عالم تجارة المخدرات، حيث يصبح تاجر مخدرات حقيقيًا خارجًا عن القانون، بهدف نقل تفاصيل هذا العالم السري والخطر إلى جهاز الشرطة، وقد صُممت المهمة في إطار من السرية التامة، دون أي إشارة لها في السجلات الرسمية، ليعيش الضابط «يحيى» لسنوات طويلة كتاجر مخدرات فعلي، يصعد في سلم هذا العالم ويمارس حياته اليومية داخله، غير أنه يكتشف لاحقًا أن الضباط الذين كلفوه بالمهمة، منهم من استقال ومنهم من توفي، ليصبح «يحيى» عمليًا تاجر مخدرات حقيقيًا، لكنه في أعماق قلبه ما يزال ضابط شرطة. هذه الفكرة ذاتها ارتكز عليها الفيلم الإسباني «She Walks in Darkness» الذي أنتجته منصة «نتفلكس» وطرحته على شاشتها منذ أيام، وهو من بطولة سوزانا أبياتو وأرايا إلياس وأندريس جيرتروديكس وأرياندا جيل وراوؤول ألفارو، وتأليف وإخراج أوجستين دياز يونيس، تدور أحداث الفيلم حول «أمايا ماتيوس جينيس»، وهي ضابطة شرطة من مدينة إشبيلية في إقليم الأندلس جنوبأسبانيا، تُكلف بمهمة سرية تتحول خلالها إلى عضوة حقيقية في حركة «إيتا» الإرهابية الانفصالية في إقليم الباسك، يتغير اسمها إلى «أمايا لوبيز إلويسجي»، وتُمنح شخصية جديدة بالكامل، ويُقال لها إنها في مهمة قومية لا وجود لها في الأوراق الرسمية، ويخبرها رئيسها «كاسترو» أن هذه المهمة لا يعلم بها سوى 4 أشخاص فقط، رئيس الوزراء ووزير الداخلية ورئيس الحرس المدني، بالإضافة إلى كاسترو نفسه. وقبل الدخول في تفاصيل الفيلم، لا بد من التطرق إلى نبذة سريعة عن 3 نقاط أساسية، النقطة الأولى تتعلق بالمخرج أوجستين دياز يونيس، المولود عام 1950 في العاصمة الإسبانية مدريد، ورغم نشأته هناك، تأثر في شبابه بالنزعة القومية الجمهورية لعائلته المعارضة للديكتاتور فرانشيسكو فرانكو، نشأ أوجستين وترعرع في مدارس كان يديرها القوميون، وتلقى تعليمًا ليبراليًا، واتجه في فيلمه الجديد إلى تناول إقليم الباسك وحركته الانفصالية «إيتا». أما النقطة الثانية فتتعلق بإقليم الباسك، وهو أحد الأقاليم الكبرى في إسبانيا، ومنطقة ثقافية وتاريخية تمتد عبر الحدود بين شمال إسبانيا وجنوب غرب فرنسا، وتأتي النقطة الثالثة المرتبطة به، وهي حركة «إيتا» نفسها، التي تأسست عام 1958 في ظل النظام الدكتاتوري القمعي لفرانكو، الذي انتهى حكمه عام 1975، وخلال تلك الفترة تسببت حركة «إيتا» في مقتل 44 شخصًا، من أبرزهم الجنرال كاريرو فرانكو، رئيس الوزراء والمساعد الأول للديكتاتور، وبعد انتهاء عصر فرانكو، سلّم فصيل من الحركة أسلحته، بينما واصل فصيل آخر عملياته الإرهابية وجرائم القتل، مدفوعًا بالمطالب الانفصالية عن إسبانيا وإعلان الباسك دولة ذات سيادة. وفي ثمانينيات القرن الماضي، أثارت الحركة الرعب في الشوارع من خلال عمليات أشبه بجرائم القتل المنظمة ضد القادة والسياسيين البارزين، وفي تسعينيات القرن، وضع الحرس المدني الإسباني، بالتعاون مع الشرطة الفرنسية، خطة للقضاء على الحركة، واستغرق تنفيذ هذه الخطة 12 عامًا. اتجه المخرج أوجستين دياز يونيس في فيلمه الجديد إلى إقليم الباسك، وبدأ فيلمه بلقطة أرشيفية لحركة «إيتا» أثناء استخدام الأسلحة، تلتها لقطة لبطلة العمل «أمايا» وهي تسلّم مفاتيح سيارة لشخص يقوم بتنفيذ عملية اغتيال جريجوريو أودرنيز، رئيس الحزب الشعبي والمرشح لمنصب عمدة مدينة سان سباستيان، ويبدو أن «أمايا» لم تكن على علم بهذه العملية، بعد ذلك، يعود المخرج بالأحداث إلى ما قبل عام ونصف، في مدينة إشبيلية، لحظة تكليف «أمايا» بمهمتها السرية. تدخل «أمايا» عالمها الجديد في إقليم الباسك متخفية في صورة معلمة لغة إنجليزية في إحدى المدارس، وتُظهر دعمها لحركة التحرير الوطنية الباسكية، بهدف التعرف على «بيجونيا»، إحدى القيادات البارزة في حركة «إيتا»، وتنجح سريعًا في كسب ثقة «بيجونيا»، لتصبح لاحقًا ركيزة أساسية داخل الحركة، وتشارك في العمليات التي تُنفذ في شمال إسبانيا وجنوبفرنسا. في «أرض الخوف» قدّم داود عبد السيد فكرته ضمن إطار إنساني فلسفي وجودي، من خلال التركيز على شخصية «يحيى» أو «آدم»، والصراعات الأزلية المتعلقة بالاختيارات الحياتية داخل النفس البشرية، انحاز داود عبد السيد في فيلمه إلى «الإنسان» قبل أي شيء، بينما اهتم أوجستين دياز يونيس بتقديم فيلم أقرب إلى التجربة البوليسية الجامدة، ويبدو هذا الاختلاف واضحًا، إذ فقد «يحيى» التواصل مع رؤسائه في الشرطة، على عكس «أمايا» التي ظلت عميلة ناجحة على مدار فترة مهمتها الطويلة. ظهرت ملامح إجادة أوجستين دياز يونيس لسيناريو فيلمه من خلال 3 نقاط رئيسية، الأولى تمثلت في تحديد «كاسترو» لمهمة واحدة ودقيقة تنتهي بانتهاء العملية، وهي معرفة المخابئ السرية لحركة «إيتا» في فرنسا، وخلال هذه المشاهد، ظهرت طرق تبادل المعلومات بين «أمايا» وأعضاء الحركة، سواء عبر كتابة الرسائل والبيانات على قصاصات ورق صغيرة كما لو كانوا تلاميذ في المرحلة الابتدائية، أو عبر تمزيق الأوراق إربًا ووضعها في سلال المهملات، ثم إعادة جمعها لاحقًا من شاحنات القمامة. وفي المقابل، ظهرت وسائل تواصل «أمايا» مع الحرس المدني من خلال اللقاءات التي تتم داخل المصحة التي تُعالج فيها والدتها الوهمية، أو عبر الاتفاق على بث أغانٍ معينة في الراديو في أوقات تم الاتفاق عليها مسبقا، على أن تكون هذه الأغاني من موسيقى البوب الإيطالي. النقطة الثانية تمثلت في منح مساحة واسعة للقطات الأرشيفية الحقيقية لعمليات القتل الإرهابية التي نفذتها حركة «إيتا»، فقد اعتمد أوجستين على دعم الدراما بجانب توثيقي، ليجعل فيلمه مزيجًا بين السينما الروائية والتسجيلية في بعض لحظاته، أما النقطة الثالثة، وهي الأبرز على مستوى الأحداث، فتتعلق بالمشاعر الداخلية للبطلة «أمايا»، والتي سارت عبر 3 محاور.. المحور الأول كان الإشكالية المتعلقة بما إذا كانت حركة «إيتا» نتاجًا طبيعيًا للدكتاتورية، وهل المطالب الانفصالية المتوارثة عبر عقود هي نتيجة حتمية لأربعين عامًا من القمع تحت نظام فرانكو، أما المحور الثاني فكان خاصًا بالعلاقة الطردية أو العكسية بين «أمايا» و»بيجونيا»، حيث قدم المخرج توازيًا بين «أمايا»، التي تتوق إلى حبيبها المقيم في بروكسل والراغب في الزواج منها، وبين «بيجونيا»، التي تمضي غالبًا شهورًا، بل سنوات، دون أن ترى أطفالها، وتتلقى صدمة عاطفية قاسية عندما ينتحر زوجها، (وهو أحد أعضاء حركة «إيتا») شنقًا داخل السجن. ويسير المحور الثالث في صراع «أمايا» الداخلي مع نفسها، وهو صراع لم يصل دراميًا إلى مستوى صراع يحيى في «أرض الخوف»، لكنه يظل حاضرًا بوصفه صراعًا بسيطًا لشخصية وحيدة ومحبطة، لا تشعربشغف حقيقي تجاه مهمتها، وتؤديها بوصفها واجبًا فقط، بينما تعاني من عدم الرضا عن الحياة العادية، وتتوق إلى الاستقرار وتكوين أسرة مع حبيبها. تنجح أمايا في مهمتها الأخيرة، وتنتهي رحلتها في «أرض الخوف» داخل إقليم الباسك، حيث يسيطر الحرس المدني على أهم ثلاثة مخابئ لأسلحة حركة «إيتا» في فرنسا، وقد دعم المخرج هذه الأحداث بلقطات أرشيفية حقيقية لعملية السيطرة على تلك المخابئ، ليستكمل أسلوبه التوثيقي في تسجيل التاريخ، وبالفعل، فإن الجذور الواقعية التي ارتكز عليها الفيلم أضفت عليه مزيدًا من التشويق. وأنهى المخرج عمله بتقديم معلومات توثيقية عن حركة «إيتا»، التي أعلنت وقف إطلاق النار عام 2011، وسلمت ترسانتها من الأسلحة في إبريل 2017، وفي عام 2018، قدمت الحركة اعتذارًا رسميًا عن الضرر الذي لحق بضحاياها الذين لم يشاركوا بشكل مباشر في النزاع، وطلبت العفو منهم، معربة عن أسفها لما تسببت فيه من معاناة، ومعترفة بمسؤوليتها المباشرة عنها اقرأ أيضا: a href="https://akhbarelyom.com/news/newdetails/4744567/1/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D9%84%D8%B3%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B3%D8%A8%D8%A7%D9%86%D9%8A-The-Crystal-Cuckoo-%D9%82%D8%B1%D9%8A%D8%A9" title="المسلسل الأسباني "The Crystal Cuckoo".. قرية صغيرة ذات أسرار كبيرة!"المسلسل الأسباني "The Crystal Cuckoo".. قرية صغيرة ذات أسرار كبيرة!