يدخل العالم عام 2026 وهو مُثَقَّل بإرث غير مسبوق من الأزمات المتراكمة، صراعات لم تُحسم، واقتصاد عالمى يتأرجح بين التعافى والركود، وتحالفات تُعيد ترتيب أوراقها تحت ضغط المتغيرات الجيوسياسية، كلها عوامل تجعل من العام الجديد نقطة اختبار حقيقية لمستقبل التوازنات الدولية. ومع تصاعد المنافسة بين القوى الكبرى، وتزايد التوترات فى الشرق الأوسط وأوروبا وشرق آسيا، لم تعد التحولات المتوقعة عام 2026 مجرد سيناريوهات نظرية، بل مؤشرات ملموسة على عالم يتجه نحو إعادة تشكيل قواعد اللعبة السياسية والاقتصادية. وفى ظل هذا المشهد المتشابك، لا يبدو عام 2026 مجرد امتداد للأعوام السابقة، بل محطة اختبار حقيقية لمسار النظام العالمى برمته، فإما أن يشهد العالم محاولات جادة لإعادة ضبط التوازنات وبناء صيغ جديدة للتعاون الدولى، أو يدخل مرحلة أكثر اضطرابًا تتسم بتعدد بؤر الصراع وتراجع القدرة على التنبؤ، وبين هذين المسارين، تتحدد ملامح عالم ما بعد 2026، فى عام قد يحمل بذور الاستقرار.. أو يُكَرِّس منطق الصدام كقاعدة حاكمة للعلاقات الدولية. اقر أ أيضًا | بيان «مصري عربي» شديد اللهجة بشأن تدهور الأوضاع بقطاع غزة الشرق الأوسط.. بؤرة مشتعلة.. و«سلام مسلّح» لا يزال الشرق الأوسط بؤرة توتر وعدم استقرار وقد يشهد 2026 تجددًا أو توسعًا فى الصراعات، بما فى ذلك احتمال اندلاع حرب أهلية فى لبنان، وحرب إسرائيلية لبنانية، وتصاعد القتال الداخلى فى العراق، وتصعيد التوتر فى اليمن، واحتمال نشوب جولة ثانية من المواجهة بين إيران وإسرائيل. وستزيد هذه الصراعات من الضغط على أسواق الطاقة العالمية والجهود الدبلوماسية. غزة.. فى غزة يبقى السؤال المحورى ما إذا كان اتفاق السلام سيصمد وينتقل للمرحلة الثانية أم سينهار ليعود الصراع للاشتعال لكن غياب قيادة فلسطينية ومناورة إسرائيل تُزيد هشاشة الوضع، مما يجعل السلام وإعادة الإعمار مرهوناً بقوة الضغوط الخارجية. لبنان.. فى لبنان، تبقى قضية نزع سلاح حزب الله دون حسم، ما يعنى احتمالية عودة القتال مع إسرائيل مما سيؤدى لنزوح مئات الآلاف وتدمير البنية التحتية المدنية كذلك تنتهى ولاية قوة حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة فى جنوب لبنان بنهاية 2026، مما يستدعى تحديد مستقبل المناطق الحدودية مع إسرائيل وكيفية إدارتها فى غياب قوة عازلة. إفريقيا.. مُواجهات عسكرية سيزداد اهتمام الدول الأوروبية والآسيوية والخليجية بالقارة الإفريقية خلال العام الجديد لتأمين الكوبالت والنحاس والمعادن اللازمة للتحول فى قطاع الطاقة، وسيُتيح ذلك فرصًا لإعادة تشكيل سلاسل التوريد الصناعية وتعزيز اقتصاد إفريقيا، كذلك من المُتوقع أن يُواصل الاستثمار فى البنية التحتية والموانئ وممرات الخدمات اللوجستية والزراعة والطاقة، وستصبح أسواق إفريقيا ومواردها وطرقها البحرية محورية فى تدفقات التجارة العالمية. ستستمر النزاعات، مع تأثيرات كبرى على الأمن الإقليمى، وعلى رأسها الحرب فى السودان والتى ستتصاعد فى مناطق مثل كردفان، ذات الموقع الاستراتيجى، وستتفاقم أزمة النزوح لتصبح الأكبر فى العالم. تُواجه جنوب السودان، خطر العودة للحرب الأهلية بعد انهيار اتفاقات السلام، مع تفاقم الأزمة الاقتصادية ونقص الغذاء والخدمات، ومع اشتعال الأوضاع فى السودان، قد يؤدى الصدام بين جارتيه، إثيوبيا وإريتريا، لإشعال فتيل حرب شاملة فى القرن الأفريقى، وسط تزايد خطر انهيار النظام وتفاقم الفوضى فى مالى وبوركينا فاسو المجاورة. التوترات بين الحكومة وقوات إقليمية وعدد من الجماعات المسلحة تهدد بوقوع مواجهات واسعة بإثيوبيا. آسيا والمحيط الهادى.. صراعات جيوسياسية القارة الآسيوية مرشحة لتكون مسرحًا للعديد من الصراعات الجيوسياسية والمواجهات العسكرية، ففى شرق آسيا، يبقى الصراع الصينى–الأمريكى حول تايوان مُرشحًا للتصعيد، مع استمرار بكين فى الضغط العسكرى والبحرى حول الجزيرة، وتعزيز واشنطن دعمها الدفاعى والسياسى لتايبيه. وفى بحر الصين الجنوبى، يتوقع أن تتعمق المواجهة غير المباشرة بين الصين ودول جنوب شرق آسيا المدعومة أمريكيًا، خصوصًا الفلبين وفيتنام بسبب السيادة على الجُزر والممرات البحرية الحيوية، وهيمنة الصين على أحد أهم طرق التجارة العالمية.. كذلك حذر تقرير «الصراعات التى يجب مراقبتها عام 2026، من تجدد المواجهة المسلحة بين الهند وباكستان فى 2026، مع تزايد الاستعدادات العسكرية للجانبين واحتمال تجدد الهجمات الإرهابية بعد أشهر من مواجهة عسكرية بين البلدين مايو الماضى، شملت غارات بمُسَيَّرات وإطلاق صواريخ وهجمات مضادة، كما يُشير التقرير لاحتمال «متوسط» لنشوب نزاع مسلح بين أفغانستان وباكستان عقب اشتباكات عنيفة وقعت عام 2025، حيث تبادلت القوات الباكستانية والأفغانية بقيادة طالبان، إطلاق النار فى 7 مواقع على الأقل، ومن بين المخاوف أيضًا استمرار الصراع بين تايلاند وكمبوديا. الاقتصاد العالمى.. بين الركود والتعافى - تتوقع «منظمة التعاون الاقتصادى والتنمية» «OECD» تباطؤ النمو العالمى، من 3.2٪ فى 2025 إلى 2.9٪ فى 2026. بينما تتوقع «الجارديان» أن يظل التضخم فى نطاق الانخفاض التدريجى، ما يمكّن البنوك المركزية من إنهاء دورات رفع أسعار الفائدة. - ستبقى الرسوم الجمركية التى فرضها ترامب مصدر عدم يقين مع استمرار التوترات التجارية بين واشنطنوبكين، أكبر اقتصادين فى العالم، وسيكون لها مخاطر محتملة على سلاسل التوريد العالمية والاستقرار التجارى. - أى زيادات فى الحواجز التجارية أو اضطرابات سلاسل التوريد ستؤدى لتسريع ارتفاع الأسعار، ما يضع البنوك المركزية أمام معضلة، وقد يؤدى ارتفاع أسعار الفائدة للإضرار بالنمو والتسبب فى ارتفاع حاد فى تكاليف خدمة الديون للدول المثقلة بالديون والضعيفة ماليًا. - تظهر المؤشرات تباطؤ النمو فى منطقة اليورو مع توقعات بنمو متواضع لا يتجاوز 1.2٪ فى 2026، بالإضافة لتوقعات ضعف المالية العامة فى دول أوروبا الشرقية بسبب ارتفاع العجز العام. - الذهب، الذى حقق قفزة فى الأسعار بنحو 65٪ تقريبًا خلال 2025، من المتوقع ان يواصل الصعود بسبب المخاطر الجيوسياسية والطلب من البنوك المركزية، وانخفاض الفائدة الأمريكية، والنطاق المتوقع لسعر الذهب فى 2026 بين 4٫000 و5٫000 دولار للأوقية. الأمريكتان.. استفحال الجريمة المنظمة ستدخل الأنشطة الإجرامية لعصابات المخدرات مرحلة جديدة مع توسع العصابات فى استخدام المُسيّرات الجوية والبحرية. كما ستستخدم الذكاء الاصطناعى لخداع السلطات وستنوع أنشطتها لتشمل أنشطة غير المخدرات والتهريب، كالتعدين غير القانونى فى المقابل ستتوسع الاستجابات العسكرية للجريمة المنظمة. بزعم مكافحة تجارة المخدرات وسّع الرئيس ترامب الوجود العسكرى الأمريكى فى منطقة الكاريبى، حيث نشر قواتٍ بحرية وجوية دائمة لمراقبة الممرات البحرية والجوية، وأنشأ مراكز قيادة وسيطرة. ويبدو أن هذا الحشد يستهدف فنزويلا، حيث سمحت واشنطن بعمليات برية بقيادة الاستخبارات بعد اتهامها الرئيس الفنزويلى نيكولاس مادورو بقيادة جماعة إجرامية، مما رجح إمكانية اندلاع حرب، خاصة وأن هذا الضغط الأمريكى تسبب بانتشار السياسات والخطابات الأمنية ذات الطابع العسكرى فى المنطقة، مما فاقم التوترات بين واشنطن وحكومات المنطقة. سوريا.. الحكومة الجديدة فى سوريا بقيادة أحمد الشرع تواجه صعوبات فى توحيد واستقرار البلاد وإذا فشلت فى هذه المهمة، فإن السيناريو الأسوأ يتضمن حربًا أهلية جديدة بين مكوناتٍ سنية وعلوية، مع احتمال تدخّل مباشر من تركيا وإسرائيل. إلى جانب عودة داعش، لكن من المُرجح أن تدفع وتيرة التطورات المتسارعة الأمور نحو تحقيق نتائج عسكرية حاسمة فى الأشهر المقبلة، مما يُفضى لاتفاق أمنى جديد بين إسرائيل وسوريا. اليمن.. الانقسام الحالى بين الفصائل اليمنية يدفع نحو تصعيد العنف وتأجيج الحالة الإنسانية، وقد يؤدى لصراعات بين فصائل كانت تُعتبر فى «نفس المعسكر»، مما يعقّد أى احتمال لوقف دائم للصراع أو تسوية كما يسمح الفراغ الأمنى على الحدود والبحار بإحياء نشاط الجماعات الجهادية وتهديد الملاحة. العراق إذا ازداد النفوذ الإيرانى داخل الحكومة العراقية المقبلة، سيرتفع احتمال شنّ إسرائيل ضرباتٍ على مستودعات صواريخ وطائرات الحشد الشعبى. إسرائيل.. إسرائيل ستُجرى انتخاباتٍ تشريعية فى أكتوبر ستُحدّد مصير نتنياهو وحكومته. وهذا سيدفعه للبحث عن إنجازات تُعزّز مكانته لدى الناخبين عبر استمرار الحروب على بعض الجبهات وأبرزها: الجبهة الإيرانية، حيث يضغط نتنياهو لاستئناف العمليات العسكرية ضد إيران بدعم أمريكى، وقد يحدث ذلك فى النصف الأول من 2026. أوروبا.. تفكك الاتحاد ُيواجه الاتحاد الأوروبى فى 2026، أزمة وجودية متعددة الأبعاد منها الخلاف حول دعم أوكرانيا وسياسات أمريكا، والركود الاقتصادى، والضعف العسكرى، وتوقعت «يورو نيوز» تفاقم الانقسامات الداخلية مع تزايد تكاليف حرب أوكرانيا، وارتفاع مستويات الديون، خاصة بين أوروبا الغربيةوالشرقية، كذلك ستلقى التحولات فى العلاقات الدولية بظلالها على التماسك الأوروبى، خاصة مع الصين التى أصبحت عاملًا مزدوج التأثير: فهى لدول كفرنسا وألمانيا مصدر فرص اقتصادية، ولدول أوروبا الشرقية والبلطيق تهديدًا أمنيًا وسياسيًا، كما ستقلب الانتخابات التى ستُجرى بالدنمارك والمجر وسلوفينيا والسويد الموازين الداخلية، وسيهدد صعود الشعبوية الوسط السياسى فى الديمقراطيات الأوروبية الكبرى، ويعرقل التكامل السياسى للاتحاد. من المُرَجَّح أن يكون عام 2026 حاسمًا للحرب الأوكرانية من خلال خفض التصعيد أو تثبيت الخطوط الأمامية، وقد نشهد تخفيفًا فى حدة القتال أو وقف إطلاق نار مؤقت، أو مفاوضات صعبة تؤدى إلى تسوية جزئية، أما السلام الكامل والمستدام قبل نهاية 2026، فلا يعتبر أمرًا مُحتملًا بدون تغييرات استراتيجية كبيرة من الطرفين أو ضغط دولى فاعل.