للوهلة الأولى، يبدو أن الاعتراف الإسرائيلى ب«أرض الصومال» ك«دولة ذات سيادة» كان مفاجئًا للجميع، ولم يتوقعه أحد، إلا أن المتتبع لمسار إقامة دولة إسرائيل وتاريخها حتى الآن يدرك تمامًا أن أحد الأهداف الرئيسية لهذا الاعتراف هو تفتيت المُفتت وتجزئة المجزّأ من الدول العربية والإسلامية، وذلك بحسب الرؤى الصهيونية التى تهدف لاستمرار إسرائيل على الأراضي الفلسطينية المحتلة. ومنذ بداية الحرب الإسرائيلية على غزة، فى السابع من أكتوبر 2023 لم تتوان وسائل الإعلام العبرية فى الحديث عن تهجير الفلسطينيين من القطاع، حتى أنها طرحت مجموعة من الدول كى تكون بمثابة دول مضيفة للفلسطينيين، وأكدت أن «أرض الصومال» تأتى على رأس هذه الدول العربية والإسلامية، وهو الطرح الذى شددت عليه تلك الوسائل، منذ الأيام الأوُل لعملية «طوفان الأقصى». لم يولِ البعض طرح وسائل الإعلام العبرية لملف تهجير الفلسطينيين إلى «أرض الصومال» أو «صوماليلاند» الاهتمام الكافى وقتها، إلا أن الاعتراف الإسرائيلى الأخير ب«أرض الصومال» كدولة ذات سيادة، قد أعاد الحديث، مجددًا، عن ملف تهجير الفلسطينيين إليها، بالإضافة إلى الأخذ فى الاعتبار أن خطوة الاعتراف لم تقف عند ملف تهجير الفلسطينيين عنوة من أراضيهم المحتلة، وإنما تمثل تحولا خطيرًا فى موازين القوى عند مدخل البحر الأحمر. الشاهد أن هناك مجموعة من الأهداف التى تريد تل أبيب ترسيخها من وراء هذا الاعتراف، أهمها إقامة قاعدة عسكرية فى تلك الأرض العربية، أو بوجه عام إيجاد موطئ قدم فى منطقة استراتيجية، وهى منطقة القرن الإفريقى، بدعوى تأمين خطوط ملاحتها فى مضيق باب المندب، فى ظل التهديدات الأمنية المستمرة على الأراضى الفلسطينية المحتلة، خاصة من قبل «الحوثيين»، إذ هدد نتنياهو ووزير حربه، يسرائيل كاتس أكثر من مرة بأنهما لن يقفا صامتين أمام تهديدات صواريخ ومُسيرات «الحوثيين» وسوف يلقنونهم دروسًا لن ينساها اليمنيون، كما تريد تل أبيب كسب حلفاء جدد لها فى المنطقة بهدف كسر عزلتها الإقليمية والدولية، التى تزيد وتيرتها منذ الحرب على غزة. والثابت أنه سواء إقامة قاعدة عسكرية صهيو أمريكية فى «صوماليلاند» أو وضع موطئ قدم إسرائيلى فى تلك المنطقة أن الأمر يشكل تهديدًا مباشرًا ليس على الأمن القومى المصرى فحسب، ولكن على الأمن القومى العربى، خاصة أن الباب سيظل مفتوحًا أمام تفتيت الدولة الصومالية، ويشجع ما بقى من حركات انفصالية أخرى إلى أن تأخذ الخطوة نفسها وتقوم باعترافات مماثلة، ما يؤدي في النهاية إلى إضعاف شوكة الحكومة الصومالية. تتذرع الكتابات العبرية بأن أحد الأهداف المهمة للاعتراف الإسرائيلى ب«صوماليلاند» هو اتساع رقعة العلاقات التجارية والاقتصادية مع الدولة الجديدة، وهو ما يعنى أنه سبق لتل أبيب وهرجيسا «عاصمة أرض الصومال» أن أقاما علاقات اقتصادية ودبلوماسية من قبل، فى خطوة تأتى لخنق وتطويق الدول العربية، وترسخ للوجود الصهيونى فى أحد أهم وأكبر الممرات المائية على مستوى العالم، ما يترك أثره على الأمن القومى المصرى. من بين ما ذكره الإعلام العبرى أن إسرائيل تريد من اعترافها ب«هرجيسا» محاولة الحد من النفوذ الروسى فى منطقة القرن الإفريقى، ولكنها لم تنس أن هناك نفوذًا دوليًا فى المنطقة، ليس روسيًا فحسب، بل هناك نفوذ أمريكى وتركى وصينى أيضًا، إلا أن ورود تعبير «النفوذ الروسى» يعنى أن وراءه اعترافا أمريكيا بضرورة الحد من أى نفوذ غير أمريكى فى القرن الإفريقى، خاصة إذا قلنا إن هناك حالة من التأزم فى العلاقات التركية الإسرائيلية، تزداد بمرور الوقت. الواضح أن الاعتراف الإسرائيلى يأتى في سياق استراتيجية «صهيونية» طويلة المدى ترمى إلى إحكام السيطرة على المدخل الجنوبى للبحر الأحمر، فضلا عن توطيد العلاقة مع إثيوبيا، وربما يفتح الباب لإنشاء ميناء لإثيوبيا على خليج عدن، وهو ما كانت تهدف إليه أديس أبابا أكثر من مرة، حيث سبق لآبى أحمد التصريح علانية برغبته الحقيقية فى تدشين ميناء لبلاده وألا تظل دولة حبيسة دون ميناء! سبق لإسرائيل النجاح فى تقسيم السودان في العام 2011، وهى تسعى في الوقت الراهن إلى تكرار النموذج نفسه فى الصومال، وربما تتبعها بدول عربية وإسلامية أخرى، في حالة ترسخ لضعف وتفكيك المنطقة لصالح إسرائيل.